المتعبون من البقاء

blogs - person-
وما العتمة إلا غروب شمس قد حل غير مبال بما ترك وراءه، وما الصباح سوى إطلالة كاذبة لغائب الأمس، وما نحن سوى الواقفون على شرف غرفنا منتظرين الراحل أن يعود أدراجه، وما أشبه الغروب " بالتاركين "، كلاهما يعزف لحن الوداع بأناقة، يصطفون بنفس المشهد أحدهما على آخر الرصيف والآخر بأبعد نقطة في البحر، ليختفي كل منهما محملا بعتابه، الرحيل المفاجئ عيب ذاك الذي أدار ضهره ولم يلتفت خوفا من العودة أو ربما لسبب دمعة خائنة فضلت أن تظهر في أشد اللحظات حسما، أم الواقف وراءه، المصدوم من قسوة المشهد، تائه فكره بين طريق العودة وتقبل الواقع، الخائف من قدوم الغد وأخد الطريق لوحده بعيدا عما كان مخطط له.

وعن أي سؤال سيجيب السائل غدا، هل المتعلق بعيونه المتورمة من شدة البكاء والسهر؟ أم عن هجر يدين اعتاد المارون أي يروها متشابكة؟ وما مدى قوته أمام أول "ما بك؟" وكيف سيتحكم في نبرة صوته الحزينة، الرحيل بالمختصر هو بداية جديدة لكن ليست بالضرورة أن تكون بداية جيدة، فطرقاتنا مليئة بمشاهد السقوط، وشوارعنا يطغى عليها طابع الشرود الذي يكسوا ملامحا كتب على جبينها، المتخلون أو المنسحبون.

    

أنت تتحول حسب ما تجابه أمامك لكن حلو الأمر ان أكون أنا اليوم مجرورا وتكون انت نعتي التابع لمنعوته حتى تنقدني وغدا أصبح لك فاعل خير

ليس الراحل ظالم فكم من راحل رفع رايته البيضاء معلنا استسلامه قبل ذهابه قد يكون فعل ضعف تملكه فجأة ليجد نفسه يتخبط في أعماق البحر لكن لا منقد له، ويبقى الرحيل مرفرف في سمائه كخيار وحيد، والضعف وليد فعل مرفوض مرات عدة الى ان أجبرنا على الرضوخ للواقع وتقبله دون مجابهته فنغدو أوراقا يابسة متناثرة هنا وهناك بدون وجهة، غير قادرة على المقاومة، إلى أن نتخلى يوما ونمر.

 

بين كل متخل ومتخلى عنه يوجد فاعل ومفعول به، كلاهما تبادلا الأدوار على الأقل مرة واحد، لكن غياب الصبر والتجاوز وغض البصر وتقدير اليد الممدودة يصنع فرقا في الميزان فنجد أحدهم مستحملا أثقالا تجعله لا يقوى حتى الحركة بينما الطرف الآخر خفته تجعله يحلق بسلام، الثقل يصيبنا بالضعف الى أن نقف يوما من شدة القهر مقررين الهروب.

وكم منا أصابه الندم في نصف الطريق واشتاق العودة لكن تذكر الحمل كان أكثر اقناعا لإكمال السير دون الالتفات الى الوراء، ما أقبح التعب والنفور ذاك الذي يصيب القلوب فيجعلها تهوى الفراق، للمتعبين من البقاء، المثقلين من اللقاء، المنهكين من الرجاء، لا تستبقوا فقدان الذاكرة وتهرولوا نحو النسيان، فلا بأس بالتفاتة عند حزم المتاع لربما تغيرت الأوضاع، لا تحسبن طرفكم الآخر بلغت سعادته أقصاها عند رحيلكم، ففعلكم مهربكم أنتم ولهم شقاء الذكريات تلك المهداة منكم.
 
من الجميل أن نتذكر أننا مخلوقات تخطئ، ربما عبثية لأقصى درجة والعيب ليس في الخطأ، العيب فيمن يحاسبك ظنا أنه لن يسقط في نفس الخانة يوما، العيب أن ينسى الآخر نعومة يديك الممدودة له، وعيونك المبتسمة لفرحه، العيب أن يدير الآخر وجهه عنك لمجرد أنك لست كما أنت أو كما تعودن عليك، العيب أن يرمونك بالحجارة وأنت في انتظار يد تمد كنت السباق في مدها يوما، من الجميل أن نتذكر أننا على خط منعرج يسمى الحياة، خط يتصاعد مرة ويهوى مرات عدة، كما أنه ضبابي لدرجة انك لا تكتشفه إلا بعدما أن تخطو خطوة داخله، الحياة هي فاعل ومفعول به، هي انت وأنا والآخر.

  

الفاعل أنت اليوم وغدا المفعول به، وقد تصبح حالا ومفعولا فيه أيضا، فأنت تتحول حسب ما تجابه أمامك لكن حلو الأمر ان أكون أنا اليوم مجرورا وتكون انت نعتي التابع لمنعوته حتى تنقدني وغدا أصبح لك فاعل خير، أتعلمون أننا في حاجة الى إغلاق العيون تارة حتى نتجاوز عقباتنا دون أن نلعنها لقبح شكلها، أتعلمون أننا بحاجة الى علبة ألوان نلون الرمادي فيها لأنه مجرد خليط ابيض وأسود.

 
أتعلمون داخلنا الحقيقي ليس فعل لحظة بل ذلك الذي ينسال منا بعد حين فتلك فطرتنا الحقيقية، و أتعلمون أن الاسود يليق في الملابس ليس لأنه جميل بل لأن جمالنا الساطع يظهر بين ثنايا الألوان القاتمة وأشدها الأسود لذلك يليق بملابسنا فقط وليس بقلوبنا، أتعلمون أن لكل مبتدأ خبر، ولنتزين بخبرنا حتى لا يكون الانسحاب حلنا الوحيد دائما.