شعار قسم مدونات

"216".. ليس مُجرّد رقم!

مدونات - جنازة أسير حين عطا الله

ليس رقمًا نستطيع تدوينه في صفحات تاريخنا كـ "إنجاز"، وإنما ملفٌ يُلاحق "عجزنا" أمام تضحيات جسام قدّمها الأسرى الفلسطينيون في سجون الاحتلال الإسرائيلي على مرّ 51 عامًا قدَّمَت خلالها الحركة الوطنية الأسيرة 216 تضحية مدرجة بالدماء في سبيل حقوق نصّت عليها الشرائع والقوانين الدولية وغيّبتها عنجهية وعنصرية احتلال ما فكّر لحظة في أنه سيُحاسب من قبل مجتمع دولي أو سيُلاحق في أروقة ومحافل حقوقية وقانونية دولية.. "216" عنوان عزٍّ للأسرى وذويهم و"سقطات" لمن نسيهم على مدار 28 عامًا اتسمت بـ "العقم" والخذلان.
 
تناولت في الآونة الأخيرة معظم وسائل الإعلام المحلية وبعض العربية والأجنبية، رقم "216"؛ وهو إحصائية صدرت عن مؤسسات حقوقية فلسطينية رسمية وأهلية، ويُشير إلى عدد شهداء الحركة الوطنية الأسيرة في سجون الاحتلال الإسرائيلي. مرّت غالبية وسائل الإعلام مرور الكرام وذكرت الرقم مجردًا دون التطرق للقصص والمعاناة التي جلبتها تلك الأعداد والإحصائيات لعائلات فلسطينية انتظرت الفرج لأبنائها من سجون الاحتلال، تلك (السجون) التي يحدث فيها أصناف من العذاب والانتهاكات التي ترتقي لجرائم حرب يُحاسب عليها القانون الدولي والإنساني الدولي، ولو حُملت تلك الملفات بشكل جدي وحقيقي لمحكمة الجنايات الدولية، لأتت بنتائج جعلت الاحتلال يفكر ألف مرة قبل أن ينتهك حقوق الأسرى مرة أخرى. ومن هنا فإن قصور العمل الجدي والاتكال على بيانات إحصائية خالية أو يتبعها موقف على الأرض الواقع، ليس وقفة أو مسيرة معلومة العدد ومألوفة الوجوه، جعل 216 عائلة فلسطينية تستقبل 216 نعشًا محمولة على الأكتاف وصلت صامتة من غير حراك، إلا من ذكريات ولحظات أمل عاشها الأسير الشهيد وتعايشت معها عائلته تنتظر تحرره من سجون الاحتلال.

 

من الجدير بالذكر أن الرقم "216" مرجح للارتفاع أكثر وأكثر مع استمرار إدارة سجون الاحتلال الإسرائيلي بممارسة سياسة الإهمال الطبي المتعمد وعدم الاكتراث لمعاناة الأسرى

216؛ ملفًا ودليلًا أسقط القناع عن وجه الاحتلال و"عرّته" قانونيًّا أمام العالم وكشفت حقيقة كيان ادعى الديمقراطية والحفاظ على الحقوق والحريات.. تلك أيضًا قضايا خرق الاحتلال فيها كل المواثيق الدولية، لا سيما اتفاقيات جنيڤ المختلفة والمتعلقة بالأسرى وقت الحروب. 216 نَفْسًا أقامت الحجة علينا وحكوماتنا وزادت من أوجاعنا أوجاع، أمام "عجز" قد تواصل منذ 70 عامًا ويزيد.. إلا من بعض المحاولات التي أنجزتها فصائل المقاومة لتحرير أسرى قد نسيتهم كل اتفاقيات "الاستسلام" وتركتهم في الساحات يُحاربون بلا سلاح، باستثناء أمعاء خاوية وإرادة وعزيمة رجال.

 

وفي تفاصيل تلك "الجريمة المركبة"، فإن الـ 216 شهيد ارتقوا منذ عام 1967، منهم 75 أسيرًا استشهدوا بعد قرار بتصفيتهم وإعدامهم بعد الاعتقال، و72 استشهدوا نتيجة للتعذيب، 62 نتيجة للإهمال الطبي، 7 بسبب إطلاق النار المباشر عليهم من قبل جنود وحراس داخل السجون. وقد أثبتت كل الدراسات والتقارير الحقوقية وبوثائق رسمية وأدلة دامغة وجود انتهاكات بالجملة لحقوق الأسرى في السجون الإسرائيلية تصل لـ "جرائم" يُحاكم عليها القانون الدولي ويُدين مرتكبيها حتى دون عقد جلسات تحقيق ومداخلات.

 

ومع الحديث عن إحالة ملفات فلسطينية تتضمن جرائم إسرائيلية بحق الفلسطينيين وممتلكاتهم، لا بُد من ملاحظة أمرين؛ أولهما أن التوجه الفلسطيني جاء نتيجة توقف مفاوضات الاسرية السياسية واتخاذ أمريكا خطوات أحادية الجانب بما يخص مدينة القدس المحتلة وما تسمى صفقة القرن، فهو ردة فعل من الممكن أن تنتهي مع أول اتفاق فلسطيني إسرائيلي أو فلسطيني أمريكي. ثاني الأمران؛ وبعد استطلاع رأي حقوقيون ومختصون في الشأن القانوني الدولي فإنه لا بد من العلم أن الإحالة الفلسطينية قد تستغرق عامًا أو ثلاثة أعوام وربما عشرة.. وأشار رأي قانوني آخر إلى أن جوهر محكمة الجنايات الدولية سياسي أكثر منه قانوني وحقوقي، وفي حالة طلب منها مجلس الأمن الدولي تأجيل القضية سيتم تأجيل ما لا يقل عن 7 سنوات.

 

 الأسير الفلسطيني الشهيد
 الأسير الفلسطيني الشهيد "عزيز عويسات"  (الجزيرة)

 
ولكن هذا لا يعني أن يعدم الفلسطيني الوسيلة، فالجزائر قدمت مليون مواطن أو ما يزيد في سبيل تحررها من الاستعمار الفرنسي والاستقلال بدولة كالتي ننشدها نحن الفلسطينيون.. وبالنظر إلى الحالة الفلسطينية فإن الـ "216" شهيدًا أسيرًا أفشلوا نظرية أن "اليد لا تُقاوَم مخرازًا"، وقد عقدت عدة فصائل فلسطينية صفقات تبادل أسرى من سجون الاحتلال، ليس آخرها صفقة وفاء الأحرار (نوفمبر 2011)، أوجدت هي الأخرى أرقامًا وإحصائيات في تاريخ الحركة الأسيرة.

 

ومن الجدير بالذكر أن الرقم "216" مرجح للارتفاع أكثر وأكثر مع استمرار إدارة سجون الاحتلال الإسرائيلي بممارسة سياسة الإهمال الطبي المتعمد وعدم الاكتراث لمعاناة الأسرى، ومع وجود ما يُقارب الـ 700 حالة مرضية بين الأسرى هم بحاجة لتدخل علاجي عاجل، بينهم من يعانون من "السرطان" وعشرات يعانون من إعاقات (جسدية وعقلية). ورصدت "هيئة شؤون الأسرى والمحررين" (فلسطينية رسمية تتبع منظمة التحرير)، ارتفاعًا ملحوظًا قد طرأ على أعداد الأسرى المرضى في سجون الاحتلال، ليصل عددهم مع نهاية (آذار/ مارس) الماضي، إلى نحو 1800 (من أصل 6500 هم عدد الأسرى في 23 مركز تحقيق وسجن يتبع لسلطات الاحتلال الإسرائيلي)، ويشكلون بذلك ما نسبته 27.7 في المائة من مجموع الأسرى.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.