لن أضحي من أجل الوطن!

blogs فلسطين

منذ كنا صغارًا ونحن نرى ونسمع قادة يخرجون على شاشة التلفاز ويلقون خطاباتهم النارية المُحركة للعواطف، الممتلئة بعبارات من مثل "عليكم أن تدافعوا عن هذه الأرض حتى آخر قطرة دم لكم"، "تحملوا من أجل أرضكم"، وغيرها الكثير من العبارات التي تُشعل لهيبًا داخل صدر السامع فور سماعها. أظن أننا وبسبب الاعتياد والتَّكرار لم نفكِّر بحقيقة الأمر الذي يتم طلبه هنا.

لنسأل: يا ترى هل تحمَّل صحابة رسول الله مع قائدهم عليه الصلاة والسلام العذاب والبرد والخوف حتى بلغت القلوب الحناجر يوم الخندق من أجل أرضهم؟ يا ترى هل حارب المسلمون تحت قيادة الفاروق عُمَر الفرسَ والرومَ وتخلوا عن دمائهم وأرواحهم في سبيل المدينة ومكة، في سبيل أراضيهم؟ يا ترى هل حارب صلاح الدين الأيوبي الصليبيينَ وطردهم من الشام من أجل حبه لأرض الشام، أم من أجل حبه وطاعته لربِّ الشام؟ من أجل أرض الشام، أم من أجل شعب الشام؟

في أصل عقيدة وشريعة الإسلام، لا يحارب المرء حين يحارب إلا من أجل أن ينشر التوحيد أو يدفع الظلم الواقع على المستضعفين من أيِّ ملَّة كانوا. لا تجدُ في كتاب الله ولا التطبيق العملي لسنة نبيه عليه الصلاة والسلام نصًا أو فعلًا يحثُّ على تحمل مشاقِّ القتال من أجل أرض أو وطن، وإنما من أجل حفظ حقوق الناس بالعدالة والإحسان، وحفظ الدين ومقدّساته من التحريف والتدنيس.

سوف أربي أبنائي على أن ارتباطهم بهذه الأرض ليس كارتباط الإنسان العادي بأرضه ووطنه، وإنما ارتباطهم في هذه الأرض خلفه عقيدة وفكرة

لكن بسبب التخلف الذي أصاب الأمة الإسلامية في العصور المتأخرة، نرى بعض القادة وهم كُثُر، يخرجون ليقولوا لشعوبهم: "تحملوا من أجل وطنكم، تحملوا من أجل أرضكم!". لي الحق أن أتساءل عن كَنَه وحقيقة هذه العبارة بعيدًا عن الضباب الغائم حولها؛ أنتم تطلبون من الشعب أن يتحمل من أجل من؟ الوطن إن لم يكن هم نفسهم الناس، إذًا ما هو؟ إذا كان الوطن هو الأرض -صخور وتراب- ما قيمته؟

لا أحب لأحد أن يضحي بنفسه، ولن أربي أبنائي على أن يضحوا بأنفسهم يومًا من أجل صخور وتراب، لن أربيهم على أن عليهم أن يضحوا بأنفسهم من أجل أرض وتراب القدس مثلًا، أبدًا. ولكن سأظل أذكرهم أن عليهم أن يضحوا بأوقاتهم وأنفسهم من أجل رفع الظلم والتدنيس الواقع على القدس، سأعلِّمهم أن ما يربطنا بالقدس ليس صخورها وترابها ورياحها أبدًا، لكن يربطنا فيها أنها أمانة عُمَر وصلاح الدين لنا. ولولا مباركتها في القرآن لكانت كباقي هذه الكرة الأرضية.

سوف أربي أبنائي على أن ارتباطهم بهذه الأرض ليس كارتباط الإنسان العادي بأرضه ووطنه، ولا كارتباط الحيوان أو الطير بأرضه ووطنه، وإنما ارتباطهم في هذه الأرض خلفه عقيدة وفكرة، وأن عليهم أن يسعوا بكل ما أوتوا من قوة لرفع الظلم والاضطهاد الواقع على إخوانهم في تلك الأراضي، وما عدا ذلك، لا شيء يربطهم بتلك الأرض. 

تنشأ رابطة الوطن والأرض عند الحيوانات والطيور بحكم عيشها في أرض واحدة، وتأخذهم غريزة البقاء بالدفاع عن النفس وعن الأرض التي يعيشوا عليها من أجل سلامتهم وعيشهم، وتنشأ أيضًا عند الإنسان لنفس الأسباب، فتأخذهم غريزة البقاء بالدفاع عن النفس ولكن هذه المرة يستطيع هذا الكائن أن يخدم هذه الغريزة ويصنع لها مناصرين باستخدام شعارات رنانة وعاطفية تشحذ الجمهور شحذًا. لكن ليس هذا ما خُلق من أجله الإنسان، ليس لكي يعيش فقط، فهذه وظيفة الحيوانات!

أتساءل، ما الذي دفع صلاح الدين الأيوبي الكردي أن يدخل الحروب الطاحنة من أجل تحرير بقعة في الشام، أي القدس؟ وما الذي دفع السلطان عبد الحميد الثاني التركي أن يضحي بعرشه وسلطانه من أجل حرية بقعة في الشام، أي القدس؟ ما الذي يجعل الإنسان يتعلق بأرض تتكون من الصخور التي لا تتحرك ولا روح لها؟ إنها العقيدة والفكرة، من هذان المكوّنان تأتي الروح.

 أبدًا لا أضحي من أجل الوطن، عندما يكون الوطن تراب وصخور، ولا من أجل القدس، عندما تكون فقط القدس وهكذا بلا معنى!
 أبدًا لا أضحي من أجل الوطن، عندما يكون الوطن تراب وصخور، ولا من أجل القدس، عندما تكون فقط القدس وهكذا بلا معنى!

قطعًا لم يناضل صلاح الدين ويضحي من أجل أرض القدس، ولكن ناضل وضحّى لرفع ودفع الظلم الواقع على أهل القدس، ولأنها مسرى رسوله الكريم، لأنه ارتبط بهذه الأرض عقديًا، فهو عندما يضحي من أجلها هو يضحي من أجل العقيدة الإسلامية، أي يضحي من أجل الله.

لم يقل أحدًا من هؤلاء الأبطال لأمته: "تحملوا من أجل أرضكم ووطنكم، أو ضحوا بأرواحكم من أجل أوطانكم!" وإنما خرج هؤلاء مناضلين مضحّين بأنفس ما فيهم من أجل أن تعلوا راية التوحيد في هذه الأراضي والأوطان، وأن يزيلوا الظلم الواقع على أهلها ومقدّساتها، وليس أكثر من هذا. لم يكن شيء في بالهم سوى الدفاع عن حرمة مقدّسات الإسلام، وعن حرية الشعب والأمة، وتطبيق العدل، ولا شيء آخر يتعلق بأرض أو وطن.

علينا أن نعيد النظر فيما يربطنا بما حولنا، علينا أن نعيد النظر في العلاقة التي تربط بيننا وبين الأقصى والقدس، وأيضًا بيننا وبين بغداد والشام ومكة… أرى أنه لا يستقيم بعد الإيمان بالله وتوحيد الغايات والأهداف له، أن نعطي قيمة لرابطة قومية، أو وطنية. كي يستقيم، والذي وحدنا الغايات له لم يأمرنا بذلك؟!

أستطيع أن أقول الآن: أنا أضحي من أجل الوطن، وأضحي من أجل القدس، ولكن عندما أعني بالوطن أي الأرض التي تحمل على ظهرها أهلي وأمتي وأمانة أجدادي الفاتحين، وأعني بالقدس، أولى القبلتين، وثاني الحرمين، ومسرى رسولي، والأرض التي بارك بها ربّي في سورة الإسراء التي لا أرضى ما ينالها من التدنيس للمقدّسات. ولكن أبدًا لا أضحي من أجل الوطن، عندما يكون الوطن تراب وصخور، ولا من أجل القدس، عندما تكون فقط القدس وهكذا بلا معنى!