شعار قسم مدونات

بين الغارات الصهيونية والمسلسلات الدرامية.. أماتت مروءتنا؟

مدونات - أرشيف قصف غزة ليلا 2012

يحُكى أنّ رجلا عربيا مسافرا على حصانه في صحرائنا الشاسعة، وإذا به يلمح رجلا منقطعا يسير على قدميه المتعثرتين بين الحياة والموت من شدة الإعياء والجوع والعطش، فاتجه إليه وسقاه وأطعمه، وزيادة منه في كرمه أركبه حصانه وأخذ يقوده بنفسه، وبمرور الوقت بدأ التائه يفيق، وترتد الحياة إليه، فطمع في الحصان وما عليه من زاد وحوائج، واستغلها فرصة وهمز الحصان وانطلق به كغنيمة وترك صاحبه الذي اسعفه خالي الوفاض، فما كان من الرجل المنُجد إلا أن هرول خلفه يصيح به طالبا شيئا واحدا، ألا يخبر أحدا عن هذا الذي حصل بينهما كي لا تنقطع المروءة بين الناس.
   
لست أدرى هل هذه القصة حقيقية أم درب من الخيال شأن الكثير من قصص التراث، ولكنها في كلتا الحالتين تؤكد أهمية صفة تباهى بها العرب قديما، ودعوا الناس إليها ورّغبوهم فيها، بينما شطبناها نحن من قاموسنا فنسيناها حتى أمسينا نندهش إن قابلنا شخصا تصرف وفقها، وربما ننعته بالساذج، هذه الصفة بلا شك هي المروءة، التي خاف مالك الحصان والزاد إن شاعت قصة خيانة المسافر أن تنقطع بين الناس، ويا لروعة الحكمة في هذه القصة، التي تؤكد أن خطورة انقطاع المروءة أشد وقعا في نفس مالك الحصان من احتمال ضياعه في الصحراء، وكأن مؤلف هذه القصة التراثية وأظنها كذلك، يريد أن ينبه أجدادنا العرب بأن حياة بلا مروءة لأشد خطرا من موت محقق .
   

أما السبب الذي جعلني استدعي صفة المروءة وأعود للبحث عن أهميتها في تاريخ ووجدان العرب هو الغارة الهمجية التي شنتها الطائرات الصهيونية على غزة الحُرة الأبيّة في الساعة حين كانت النساء تعد لأزواجهن وأبنائهن طعام السحور الأول في رمضان، واعلم من حقد الصهاينة التاريخي أن التوقيت ليس صدفة، ولكني تساءلت في نفسي، أليس بينما فزعت النساء في غزة كان يوجد من العرب من أمسى يشاهد الدراما والمنوعات والمسلسلات التي تفتتح بها معظم القنوات الشهر الكريم؟ الإجابة بالطبع كانت نعم، بل أنا على يقين بأن ملايين العرب يتابعون بشغف ما ستقدمه فضائيات اللهو التي تتسابق فيما بينها لجذب شريحة أكبر من المشاهدين الذين باتوا على قناعة تامة بأن رمضان هو الشهر الذي أُنزلت فيه الفوازير مُتعة وتسلية، ولكن بالله عليكم كيف أصبحنا هكذا؟ كيف جرؤ الصهيوني على قصف نسائنا في غزة وهو مطمئن النفس، لا يخشى غضبتنا؟ أم تُرانا ما عدنا نغضب من هكذا أحداث كغضب معظمنا من هزيمة فريقه في كرة القدم؟ أماتت مروءتنا؟
    

أضحيت على ثقةٍ بأنّ أبا جهل ومعسكره كانوا أفضل ألف مرّة من حكام هذا العصر، الذين يأمرون باقتحام البيوت على الآمنين العُزل الُمطالبين بحريّتهم وكرامتهم

وإذا افتقدتم معي مروءة العرب فدعوني أحدثكم قليلا عن نخوتهم، يقول الشيخ محمد خير موسى: مما كانَ يستوقفُني في هجرةِ رسول الله صلّى الله عليه وسلم بدايةَ دراستي للسّيرةِ النبويّة عندَ اجتماع المشركينَ أمامَ باب رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلةَ الهجرة وبأيديهم سيوفُهُم، وقد قرّروا قتله في جريمةٍ بشعةٍ وتدبيرٍ خبيث، ألم يفكّر هؤلاء المجرمون أن يدفعوا الباب بأقدامهم، ويقتحموا البيت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقتلوه في فراشه وداخل بيته؟ أليس ذلك أسهل لهم من انتظاره ساعاتٍ عدّة حتى يخرج إليهم؟ ما الذي منَعَهم من ذلك وقد عزَمُوا على ارتكاب جريمتهم وشرعوا في تنفيذها؟ وعندما فتّشتُ جيّداً في كتب السّيرة النبويّة وجدتُ أنّ هذا قد خطر فعلاً في بالِ بعض هؤلاء الشباب المتربّصين، اذ ذكرَتْ بعضُ كتبِ السّيرة النبويَّة أنّ أحدهم قال لأبي جهل: يا أبا الحكم، هل نحن قاتلون محمداً؟ قال: نعم، قال: فلم الانتظارُ حتى الصّباح، لم لا نتسوّر عليه وندخل البيت ونقتله ونستريح؟ فقال له أبو جهل: وتقول العرب أن أبا الحكم قد روّع بنات محمد في بيتهن؟ إنّه لسبَّةٌ في العرب أن يُتحدَّث أنا تسوَّرنا علي بنات العمّ وهتكنا الحرمة، لا واللّاتِ لا تفعلوا .
   
يالّه من مشهدٍ عجيبٍ حقا، فأبو جهل أيقونة الشر في ذلك الزمان رغم الحقد والبغض الذي يحمله في قلبه رفضَ اقتحامَ البيت وترويع البنات، منعَته خشية العار وسبّة النّاس، وهو ما نسميه اليوم بضغوط الرأي العام، كما منَعَته منظومةُ القيمِ التي كانت سائدةً في ذلكَ المجتمعِ رغمَ جاهليته. لذا أضحيت على ثقةٍ بأنّ أبا جهل ومعسكره كانوا أفضل ألف مرّة من حكام هذا العصر، الذين يأمرون باقتحام البيوت على الآمنين العُزل الُمطالبين بحريّتهم وكرامتهم، فيروّعون ويعتقلونَ النساء والأطفال، بل ويذبحون الآباء أمام أطفالهم ويغتصبون البنات والأمّهات، الحق أقول لكم إنّ مقارنتهم بأبي جهل ظلمٌ كبير للجاهليّة الأولى.

 

وهؤلاء من ماتت نخوتهم ومروءتهم، لا يشغل بالهم كون من رَوَع النساء في غزة وهن يجُهزن طعام السحور هو العدو الصهيوني، من استلب القدس منا وهم في عيون (إيفانكا) هائمون، هؤلاء أشك أنهم ورثوا جينات رجال من العرب الأصلاء مثل الُمطعم بن عدّي، الذي رغم بقائه على الكفر، ناضل من أجل إسقاط الصحيفة التي أعطت شرعية قاسية لحصار المسلمين في شعب أبي طالب، كما أجار النبي صلى الله عليه وسلم بعد رحلة الطائف، ليدخل إلى مكة في حراسة المطعم وأبنائه وأبناء أخوته وكأنهم حرس شرف يستعرضهم النبي الكريم قبل الصلاة عند الركن بالمسجد الحرام، ثم وفي طريق عودته إلى بيته، بعد أن أعلم المـُطعم قومه قائلا: يا معشر قريش، إني قد أجرت محمداً، فلا يَهجه أحد منكم.

  
لاحظوا، حتى الهجاء بات ممنوعا على قريش لأن المطعم أجار محمدا، والأروع هو استجابة قريش حتى رد أبو جهل ألد أعداء الدعوة: قد أجرنا من أجرت !!يا له من ماض مجيد، وأخلاق عربية كريمة، يجب أن نتذكرها خاصة وأن العرب اليوم بات جُل بأسهم يستعرضوه ضد ميكروفون قناة الجزيرة بينما الصهاينة في سماء غزة يرتعون.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.