شعار قسم مدونات

الإنسان والشيطان.. هل يمكن أن ينتهى هذا الصراع؟

BLOGS دعاء

الله عز وجل عادل وعدله وسع المخلوقات جميعها، بما فيهم الشياطين أنفسهم، إبليس لم يغضب الله عليه ظلما، بل الأمور كلها تسري في إطار ميزان العدل الإلهي، إبليس من الجن وتم تقريبه إلى موضع وازى فيه بعض الملائكة، بمعنى إبليس ذي التكوين الناري أصبح يخالط مخلوقات نورانية هي الملائكة، ويرى عن كثب ورؤية العين عظمة الخالق، فإبليس وصل إلى رؤية الحق بعين اليقين، لهذا حينما عصى ربه كانت اللعنة عليه، وأخرج من الرحمة.. أخرج منها لأنه توصل للحق ماديا وبالعلم الذي وهبه الرحمن، لكنه مع ذلك عصى، ولم يكن لمعصيته منطلق وتأثير خارجي، بل نفسه من دفعته لذلك.

 

فمعصية إبليس إذن خالصة له، ولا يدخل فيها طرف آخر، وهنا يختلف مع آدم في المعصية، فآدم عصى ربه انطلاقا من سذاجة الجديد القادم للحياة من العدم، عصى ربه ضعفا أمام مؤثرات الوسوسة الخارجية للشيطان، ثم الإذعان والهوى النفسي له، بمعنى أن معصية أدم لم تكن معصية خالصة منه بل كانت موزعة بين وسوسة الشيطان الخارجة عن إرادته، وهوى النفس الداخلي، لهذا حينما عصى ربه، قبل الله توبته ولم يخرجه عن رحمته، بل جعل رحمته ورضاه عز وجل، هدفا يناله إذا التزم بتوجيهات المولى، وحاد عن نواهيه، كما أن معصية آدم كانت عن فضول وشهوة وليست عن تكبر وجحود.

 

الله يتباهى بعباده عز وجل الذين يعبدونه من غير معجزة ويتباهى برسله أيضا، هؤلاء الذين وصلوا لمقام القرب، دون أن يزيغ بها المقام نحو تكبر النفس وجحودها

لكن كي يكمل العدل مشواره، على هذا الإنسان الذي كان سببا في خروج الشيطان من رحمة الله، عليه أن يثبت لله ولملائكته أنه جدير برحمة المولى، وأحق بها من هذا الشيطان الذي أخرج منها، وكذلك ترك للشيطان هامش الوسوسة ومقابلة الإنسان، كي يثبت هو الأخر أن هذا الإنسان هو مثله في المعصية، وأنه سيتكبر وسيتجبر، وسيدعي ما لم يدعيه الشيطان أصلا، وهو إدعاء الإنسان الألوهية والعياذ بالله، أو إدعاءه ألوهية الشيطان، وألوهية الأصنام والهوى من دون الله والعياذ بالله، كل هذه أمور وقعت وبصمها الإنسان في تاريخه، فكان منهم المومن والكافر والمتتبع لخطوات الشيطان المهلكة.

 

إذن هناك صراع أبدي بين الإنسان والشيطان، كلاهما عليه إثبات الجدارة والتميز، هنا لو تدخل الرحمن في كل حين وجعل لبني الإنسان معجزات كي يومنوا، معجزات شبه دائمة، ماذا سيقع؟ هل هذا من العدل الإلهي في شيء؟ أن يعين الله عبادا كسالى من أجل ربح حربهم الأبدية أمام الشيطان، هل يستقيم هذا الأمر ونحن نتحدث عن العدل الإلهي الشامل لجميع الخلق بما فيهم الشيطان؟

 

طبعا لا العدل الإلهي اقتضى أن تكون المعجزات على سبيل الندرة، حتى يتحصل أمر المعجزة أولا ولا يميع كنهها، فتداول المعجزات بأمر يومي يلغي كنهها ويجعلها أمرا اعتياديا مألوفا، وبالتالي لا نتحدث حيالها عن معجزة، فحمل الأنثى بالجنين وولادته معجزة، لكن تكررها واعتيادها جعلها تخرج عن النطاق المعجز، وجعل العلم يتناولها بالدراسة والتحصيل. فأي أمر توصل الى سره العلم الإنساني أصبح خارج نطاق المعجزة، فالمعجزة هي ما استأثر الله بعلمه، وما عارض الفهم الإنساني واستيعابه وتقديره للأمور والأشياء. هذا أولا.

 

الرسل كرسولنا محمد صلى الله عليه وسلم فقد دمر نفسية الشيطان تدميرا حينما وصل لمقام أثناء رحلة الإسراء والمعراج، مقام لم يصله مخلوق كيفما كان
الرسل كرسولنا محمد صلى الله عليه وسلم فقد دمر نفسية الشيطان تدميرا حينما وصل لمقام أثناء رحلة الإسراء والمعراج، مقام لم يصله مخلوق كيفما كان
 

أما ثانيا فالعدل الإلهي يوجب هذا، هناك حرب أبدية، هناك إنسان يسعى إلى الخلود، وقد أخرج الشيطان بسببه من رحمة الله، وهناك شيطان عليه حسرة ويريد بكل ما ملك من وسائل الوسوسة جعل هذا الإنسان يلقى مصيره، كأنها محاولة إبراز منه يقول فيها: أن هذا الإنسان الذي فضلته علي، لا يستحق تلك المكانة بالمرة، هذا ما يسعى إليه الشيطان بكل قوته.

 

ثالثا: الله يتباهى بعباده عز وجل الذين يعبدونه من غير معجزة ويتباهى برسله أيضا، هؤلاء الذين وصلوا لمقام القرب، دون أن يزيغ بها المقام نحو تكبر النفس وجحودها، فإن تعبد الله بغير معجزة فأنت كمن يضرب الشيطان في مقتل، إنك كـأنك تقول للشيطان الرجيم ما يلي: أنا الذي سمعت أوامر الرحمن تواثرا، سأعبده ولا أعصيه، كما عصيته أنت يا من رأى قدرة الرحمن عن علم وعن يقين.

 

أما الرسل كرسولنا محمد صلى الله عليه وسلم فقد دمر نفسية الشيطان تدميرا حينما وصل لمقام أثناء رحلة الإسراء والمعراج، مقام لم يصله مخلوق كيفما كان، مقام ثبت فيه محمد وما زاغ البصر وما غوى، انظروا إلى هذا الفرق الجليل، شيطان وصل لمجاورة بعض الملائكة والملائكة مراتب، خال نفسه عظيما بل ساورته نفسه أن يتحدى أمر الله عز وجل ويعصيه، وانظروا لمحمد كيف ثبت وعاد إلى الأرض ذات محمد الذي صعد الى اقصى الفضاء، عاد ليأكل خبز الشعير وليطلب من الرحمن الرحيم أن يحشره مع الفقراء. ما أعظم محمدا، صلوا عليه وسلموا تسليما.