لمَ الحب دائما ما يتخذ ملامح رجل؟

blogs امرأة تبكي
دموعها الساخنة تَهطل بسخاء على بشرتها الذابلة، تجْرِف معها حصى العذاب وطمْي الحزن، هذه المادة الرمادية التي خيَّمَت على محيّاها وصبغته بالشحوب والندوب. ترتعش من فرط حيرتها وقسوة إحساسها بالتيه والضياع، تكتوي بنار الحب فتتبدل قشور قلبها المحترقة إلى أخرى قابلة للاحتراق مجددا، تشّم ريح سعير مشاعرها ولهيب أحاسيسها من باطن مضغتها المعتصرة بألم العشق.

 

كل ذلك عندما كانت منكمشة في فراشها العتيد، تضم ركبتيها إلى قفص صدرها المغلق بأغلال الكَدر والضَّجَر، تُعانق جسدها المنهمك براحة يديها المبللتين بدموع جفنيها، تلاطف كتفيها بأصابعها وتربِّت على ذراعيها لتكسر تلك الوحدة التي اجتاحت كيانها واستوطنت أعماقها، تتحرك بجثتها جيئة وذهابا ككرسي هزَّاز بَلغ خشبه من العمر عُتِيّا.

أيوب، اسم يتردد في آخر دعائها المُبهم، إنه ذلك الرجل الذي غَبِطَتْه على صبره العريض وحِلمه الغليظ، فطلبت من الله أن يرزقها بقليل زهيد من صبر ذاك النبيّ الحليم، فقد اخترقت رياح الحب نسيج قلبها ونخرته بعُتُوِّها، لينزف بذلك دما صبغ بحمرته جلدها، ونشر حرارته على جسمها فجعله يرتعد من الحمى والسُّهاد. تتألم بسكوت، تريد أن ترتاح من ظلم الهوى وجبروت الهيام، تتمنى أن يشملها الله برحمته ويحررها من قبضة الحب وسطوة الولع، تُقاضي الجروح بتهمة السَّكن دون رحمة بقلبها المسكين، تبتغي السفر عبر آلة الرجوع إلى الماضي لعلها تعود إلى حياتها الخالية من حالات الحب والغرام.

الحب يحظى في معجمها بالتقديس والتعظيم، تحب بكل جوارحها وحواسها، تُطَوِّع كل تصوراتها وتُذِيبُها لتناسب قوالب الحب والهيام، تعتبر الحب عبادة تخلّصها من الذنوب وتطهّرها من المعاصي

هل أحبه؟ بل أعشقه، أهيم به، أراه بمنامي كالوحي، أجتذب إليه كبُرادة حديد هائجة ترتمي في أحضان مغناطيس دون وعي، هكذا تسأل نفسها عن كُنه مشاعرها لعلها تجد إجابة مغايرة عن هذه، لكنها لا تتلقى من تحاليل الحب بقلبها إلا أجوبة التصعيد والغلُوّ في العشق إلى حدود منتهاه، وكيف لا تحبه وهو الرجل الذي حضن قلبها المتشرد وأحسن إليه كيتيم يوم العيد، هو الرجل الذي وطأ بساطها، فسرى الدفء في أرجاء حياتها الباردة المثلجة، إنه الرجل الذي رسمت معه لوحة من الأحلام بألوان الحب والعشق، ورمت معه الأحزان والقروح في نهر النسيان، إنه الرجل ذاته الذي كان نجمة في السماء إلى جانبها، نجمتان متقاربتان لا تفترقان فكيف بمشيئة الزمن ينفصلان؟

وسط الظلام، تعيد بث مشاهد حياتها على جدار أسود مُحْلَوْلَك، ترى نفسها مُكوّمة في زاوية من غرفتهم الوحيدة التي تلتم داخل جدرانها الأربعة مع إخوة بنفس عدد الجدران، تراقب الأب ينهال بالركلات على رأس الأم الذي همد للحظة دون حراك، تنهمر الدموع من بياض عينيها فتستمر في تقليب المشاهد نحو مؤخرة قطار الماضي، ترى نفسها منزوية على الرصيف تنظر إلى أقرانها يلعبون ويمرحون ويتضاحكون لا تسع الدنيا فرحهم، أما هي فكانت تكتفي بالمشاهدة فقط، لأنها غرقت منذ صغرها في وحل الوحدة الكريه، ترمق حركات قسماتها وهي تكتشف أنواع الغدر والضغن والحقد والحسد والكره تدور كشبح شفاف بين الناس يلوث عقولهم ويميت قلوبهم.

 

هنا بالذات بدأت تشاهد نفسها تتجول بين الأنياب والمخالب المطلية بالدماء، دماء الزلل والكبائر والجرائم والخطايا، في هذا الحين بدأت تكشف عن سبب هروبها من الحياة، تعاين نفسها ترتمي في غياهب الوحدة لتبتعد عن وحشية الحياة وفجورها. ابتعدت عن الشوارب واللحى واختارت أن تقبع في عالم ثان تسكنه لوحدها وتنعم بسكينته وهدوءه، ظلت تتمنى فارسا من بلاد العجائب، يحملها من بين أشواك الوحدة، تمتطي معه فرسه الأبيض الناصع العاكس للنقاء والصفاء لينقذها من سواد الحياة الغامق، يتوجهان نحو دنيا من صُنعهما ومن تأثيثهما.

 

انتظرت ولم يَطل انتظارها كما توقعَت، ظهر رجل أبيض دون فرس، أسند ظهره لها لتمتطيه بدل صهوة فرس نائم بإسطبل في الأحلام، ترددت بين دخول غمار الحب وبين انتظار الحلم الذي لم تعد تريد تحقيقه، بل أرادت أن يظل حلما فقط يُعينها على تحمل المتاعب وبلسما يرطب جلد قلبها الخشن، فالحلم يبقى أمرا مريحا، مادامت غير ملتزمة بتحقيقه.

لكن جمود القلب وبروده قد وصل درجات تستحيل معها الحياة، أمسكت بيده بعد أن تحققت من قاموس الحب في جيبه، أطلقت العنان لجنون الحب ونفثته في لب حياتها، كلما لمست شيئا في حياتها الرمادية اصطبغ بلون الحب وصار له طعم خاص. الحب يحظى في معجمها بالتقديس والتعظيم، تحب بكل جوارحها وحواسها، تُطَوِّع كل تصوراتها وتُذِيبُها لتناسب قوالب الحب والهيام، تعتبر الحب عبادة تخلّصها من الذنوب وتطهّرها من المعاصي، تعتبره ملاذا وملجأ لها ينسيها الهموم والمتاعب، أصبح الحب رجاءها وأملها ومِلحُ حياتها، أحبّت ذلك الرجل حبا شديدا متأصّلا في الأساطير اليونانية ومكتوبا في قوافي الشعر العربي الجاهلي، أهدت قلبها على طبق من ذهب يبرق من شدة الولع. 

 استرجعت الأشياء التي وزّعتْ عليها حبها بالتساوي وكانت كافية لإسعادها، نَدمَت على مغامرة لم تتأكد من إتيان أُكلِها
 استرجعت الأشياء التي وزّعتْ عليها حبها بالتساوي وكانت كافية لإسعادها، نَدمَت على مغامرة لم تتأكد من إتيان أُكلِها
 

لمسة يديه كانت تَرعش بدنها المتعطش للحنان، صوته كان يتسلل إلى قلبها قبل أذنها فتحس بنشوة الحب وتترنح بخُمرته، كان بَيتها الذي يكتنفها بعد يوم متعب طويل ويُلِمها من أضواء الشارع وعيونه المتخفية، كان السند والوتد، كان مكسبها وغلتها والنقطة المضيئة التي تتوسط ظلمة دربها وتَدُلّها على الطريق القويم. وفي لحظة تغيَّر هذا السبيل وانقطع الحبل الواصل بينهما، بعدما بهت حبه لها وضوى توهجه، فبدأت تصوراته للحب تنزلق من قاموسه وتنبجس على قارعة الهاوية، أحسَّت بأن زهو حبه لها قد قل بريقه وتغيَّرت ملامحه. هنا انكسرت شوكة وردتها الزاهية، وبدأت أوراقها بالذبول، طرحت مئات الأسئلة بل الآلاف منها، ضج رأسها بالتخمينات وعج قلبها بالتوجسات، صارحته بذلك فلم تجد منه مبررا، فظلت تتخبط في متاهات الصبر على الجهل بواقع الأمر.

ما الذي تغير يا حبيبي؟ ما خطب ذاك الرجل الذي عانقته كفوفي وأحست بأنفاسه الحارقة مسام جلدي؟ ما الذي تغير يا حبيبي؟… على أنغام هذه الأسئلة الباكية، سئمت الهجران وطلبت الفراق بعد أن انتهك تَغيّرُ حبيبها، حرمة حبها واستباح عفويتها وسذاجتها وقتل عروق الثقة في نفسها. كَلَّمَتْه باكية بعد أن نفذ صبرها، اختنق صوتها وتشابكت الكلمات في حلقها فأبَت الخروج، ماتت مليون مرة وهي تسمع صوته الحزين على حالتها المُضنية، أقفلت مكالمة الفراق هذه، وسارعت لغرفتها المظلمة عسى أن تتمكن من العودة إلى ماضيها الخالي الوفاض، المتجرد من الحب وقسوة تمرّده وغضبه، لكن الأمر بات أصعب مما توقعته، لا يمكنها التخلص من هذا الحب، لا يمكنها النسيان أبدا.

تذكرَتْ وهي في وضعها الحزين الكئيب ذاك، لون حياتها الرمادي في الماضي فأحسَّت بحنينها لهذا اللون واشتياقها لعالمها الخاص الوحيد في تجلياته، استرجعت الأشياء التي وزّعتْ عليها حبها بالتساوي وكانت كافية لإسعادها، نَدمَت على مغامرة لم تتأكد من إتيان أُكلِها. أسندت ظهرها إلى وسادتها المبتلّة واتخذت وضعية جنين حزين لا يريد الخروج للحياة، وطرحت سؤالا يستولي عليه الغموض: لماذا الحب دائما ما يتخذ ملامح رجل؟