شعار قسم مدونات

الشئ الذى لا نشبع منه!

blogs - beauty

إن أجمل اللحظات هي تلك التي يعجز اللسانُ عن وصفها، اللحظات التي تكدست نواحيها بالجمالِ، إن الجمال تاريخ ذو عبادة روحانية وجدانية بين جنبات الروح، تاريخ لا يُنسَى فيه ثانيه لأنه يُكتَبُ في مهج القلوب بأقلام المشاعرِ، تكون دائما ذكريات الجمال كزخات المطرِ ونفحات النسيم التي تنعش الروح، الجمال عندما يُذكَرُ فانه يتراءى لعيوننا منظر الوردة، فالوردة رمز الحب والجمال والطيب، ومن لم يتذوق الجمال ليس انساناً أولاً، ثم ليس مسلماً حقاً ثانياً، إن الله جميلُ يحبُ الجمالَ، فلنتأمل ولنكن أهلا لحبه تبارك وتعالى.

الجمالُ هو الشيء الذى لا نشبعُ منه أبدا، ولا نرتوى ولا نشعر بالرضا التام من الجمال، و كأن الله أراد لابن آدم ألا يقنعَ بالجمالِ، ولنتأمل، إن الحديث العلمي وإن شد انتباهنا فإننا سوف نَمَلُهُ ولو بعد حين، لكن أنت تسمع أغنيةً تحبها لامست قلبكَ الذى بين ضلوعكَ أكثر من مائة مرة بحياتك، وكل شهر وما يليه تعود وتسمعها، ولذلك من يلمس الجمال داخلك يظل متعلقا في ذهنك وإن مات، اللوحات الجميلة تَظلُ تُعرضّ باستمرار ولا نَكلُ ولا نَملُ، لأن الجمالَ ثُقبُ بداخلنا، لنتأمل الطبيعة ذاتها، فهي لوحةُ بريشة الملك تبارك وتعالى، منظر إلهي جميل من صنع مبدع الأكوان، منظر تلتقى فيه السماء بالأرض بالنبات بالحيوان، تشعر وكأن هذا أكبر برهان على أن الله واحد أحد، تشعر وكأنك تريد الارتماء في أحضان الطبيعة.

 

الجمال التام لن يكون في الدنيا أبدا، الجمال لا يمكن أن يوصف، إن محبتك لله تقتضى أن تراه في ما خلق سواء كان بشرا أم نباتا أم جماداً

ولكن لو حضنتك الطبيعة والجمال فلن ترتوي كذلك، لنتأمل نظرة العاشق للمعشوق، إنه يراه جمالا اخر من نوع خاص، كلما تأمل العينين لا يشبع، لذلك العاشق لا يشبع من معشوقه وإن كان معه، فهذا أيضا في لوحة الجمال العشق، يتمنى العاشق أن يتجاوز عشقه إلى شيء اخر، أن يجوز هذا الجمال الإلهي الى مرتبة أعلى ترحمه من طمعه.

 

لماذا ندمع عند الشعر الآخذِ! لماذا نبكى إذا بكت المرأة! دموع المرأة في ذاتها جمال لأنه كلما زاد انهماره فكلما زاد تأثيره وقيمته، إن تلك الدموع تكوى قلب الرجل، فيتمنى لو يجعلها تمكث في عينيه لتستريح هي ويبكي هو، الجمال يجعل البدن يقشعر ويخشع، الله هو الذى جعلنا نخضع لهذه المشاعر الداخلية، لماذا أصحاب الأصوات الجميلة يجعلونك نقشعر و تسمو من داخلك! إننا مع الجمال لا نقوم إلا بمجاز ليس إلا، نتمنى أن نتخطاه برمي أنفسنا كلية فيه، ولكن لا نتخطاه أبدا.

 

الجمال فلسفة كبيرة لا تُدَرسُ في الكتبِ، إن الله تعالى دل على نفسه من الجمال "الذى أحسن كل شيء خلقاً" ألا نبصر! إننا دائما وأبدا ناقصون، والجمال يثبت لنا ذلك، فالجمال التام لن يكون في الدنيا أبدا، الجمال لا يمكن أن يوصف، إن محبتك لله تقتضى أن تراه في ما خلق سواء كان بشرا أم نباتا أم جماداً، الله يُرى في رحمتهِ وجماله وعلمه، و من يتمتع بالجمال هم ذوي البصيرة، بصيرة القلوب، فليس الكل سيرى الزهرة بين النبات صورة فاتنة في العين، فالحيوان أكل العشب لن يراها إلا صورة في معدته، والمرأة ليس الكل ينسحر بعيونها وبسمتها وخُلقها وخَوفها وحُزنها، هناك من لن يرى سوى جسدها وخصرها وأنها الة لإنتاج البشر كالبهائم، إن الجمال فنُ كالوردة الزاهية المتأنقة، عليك أن تعرف كيف تقطفها دون أن يؤذيك الشوكُ، يجب أن نلتقط تلك اللطائف في كل المشاهد الكلية.

أختم حديثي بأن الجمال ماء لا نرتوى منه ولا نستطيع أن نحصره في شيء مهما كان، و ما ذكرته آنفاً ليس الا قطرة في بحر لا ساحل له، فالجمال منذ الأزل لا يزال يحتاج لوصف الشعور، لا يندثر بارتقاء العلوم أو تطور التكنولوجيا، وإن الذى بقى مؤثراً فينا منذ قرون ينحصر في الجمال.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.