هل سلوك المؤمنين يبرر الإلحاد؟

كتب أحدهم: "إن كان هذا هو سلوك علماء الدين وتلك هي أقوالهم، فيا مرحبا بالإلحاد". والْتَمس آخر الأعذار لشخصيات من الماضي والحاضر في إنكارها وجود الله تعالى، تعاطفا مع معاناتها المفترضة من سلوك مشين محسوب على مؤمنين في نطاقاتها الاجتماعية. وتحدّث ثالث عن فظائع تجري "باسم الدين"، مشيراً إلى شواهد ملموسة في الواقع وتفرض وطأتها على البشر.

 

من المألوف أن تبرِّر نزعات الإلحاد ذاتها بأخطاء "المؤمنين" على هذا النحو، أو بما تراه من سلوك محسوب عليهم، بينما يواصل بعض متحدثي البرامج "الدينية" إلهابَ ظهور المتديِّنين وتحميلهم المسؤولية الضمنية عن "خروج الناس من دين الله أفواجا"، حسب تعبيرات مسموعة.

 

سطوة الارتباط الشرطي

ليس نادرا أن يتحدث بعض المعلِّقين عن منسوب "التخلّف" في مجتمعات المسلمين، ثم ينتهون إلى تفسيره بالدين الذي "يعتنقه هؤلاء". ينزلق بعضهم بإعلان تذمّرهم من الواقع بالقول: "أيّ دين هذا الذي يأمرهم بالقتل؟ وأي ربّ هذا الذي يحضّ على التدمير والتوحّش؟"، تعالى الله عمّا يصفون.

 

وسواءً وقع إعلان "الإلحاد" على الملأ والتباهي بذلك تأسيسا على ما سبق؛ أم شكّل كلّ منهم حالةً اعتقادية بديلة تضع الإنسان في مركزها وتستبعد الخالقَ من التصوّر؛ فما لا يفوتهم غالبا هو تغليف المروق بعبارات بديعة تصادر العقل والضمير لصالحها من قبيل: "قرّرتُ أن أكون مختلفا"، أو "لن أخون ضميري بعد الآن".

 

تسويغ الاعتقاد الإلحادي بسلوك ذميم يتذرّع بالدين؛ يستدرج، بالمِثل، أحكاما تبرِّر المروق من القيم بدعوى السلوك الشائن الذي يتذرّع بها

لا يلحظ القوم أنّ الحكاية برمّتها ساذجة للغاية، وأنها مارقة من منطق الاجتماع وسنن التاريخ كما تتجاهل تأويل بواعث الإنسان كما يأتي في علم النفس مثلا. فهل اقتصر "التخلّف" على "مجتمعات مؤمنة" أساسا في حاضر البشرية وماضيها؟ وهل كان تحويل أوروبا بأسرها إلى أطلال عبر القرنين التاسع عشر والعشرين؛ امتثالا لتوجيه ربّاني بذلك؛ أم جرت تلك الفظائع المرعبة في زمن أعلن فيه نيتشه "موت الإله" تحضيراً لتأليه الإنسان؟

 

وهل يكون القتل مستساغا، بمنطق هذه السردية؛ إن تذرّع بقيَم "حداثية" يراها بعضهم مجرّدة عن الدين وبأساليب تنفيذ "معقلنة"؟ تتجاهل هذه الذرائع خبرات القتل الجماعي بطائرة بدون طيّار مثلا، تبعث بها دولة لا تعرف الله ولا تقيم وزنا لحياة القرويين المسحوقين في سفوح الجبال تحت قذائفها، لكنّ السردية تنشغل بسكِّين بدائية آثمة تحزّ رأسا في منطقة نائية؛ لأنّ هذه الأخيرة تبدو ملائمة لوصم المؤمنين جميعا؛ فكيف إن حملت توقيع "داعش"؟

 

ينعقد في هذه السرديات المألوفة ارتباط شَرطي بين الإيمان ومشاهد مزرية أو مرعبة، كما في التجربة الشرطية لبافلوف، ولهذا الارتباط الساذج سطوته على وعي البشر أيضا الذين قد يرون في مذيعي النشرة الجوية شخصيات غير مرغوبة، لارتباطهم في وعي المشاهدين بأنباء ومشاهد باعثة على التشاؤم؛ حَرّا وبردا وأعاصير وكوارث.

 

إنّ الارتباط الشرطي على هذا النحو بين السلوك والانتماء الاعتقادي لصاحبه؛ هو آصرة مُفتعَلة ومضلِّلة، ولا تنفك بطبيعتها الساذجة عن اللجوء إلى قوالب نمطية تنقدح منها أحكام مُسبَقة مشفوعة بتأويلات تعسفية. وما يغفل عنه القوم عادةً؛ أنّ تبرير الإلحاد بسلوك محسوب كريه على الإيمان يفرض استدعاء المنطق ذاته في الاتجاه الآخر، أي تبرير الإيمان بسلوك شائن محسوب على الإلحاد؛ كما حصل في جرائم قتل جماعية واعتداءات إرهابية وسلوكيات أنظمة من هذا اللون.

 

ثمّ إنّ تسويغ الاعتقاد الإلحادي بسلوك ذميم يتذرّع بالدين؛ يستدرج، بالمِثل، أحكاما تبرِّر المروق من القيم بدعوى السلوك الشائن الذي يتذرّع بها. وإن خاضت دول وجماعات حروبا تحت رايات "دينية" فصار عدوانها مادةً لتبرير القول بالإلحاد في خطابات رائجة؛ ألا يقضي منطق هذه الخطابات بتشديد النكير على الحرية واستقباح الديمقراطية ونبذ حقوق الإنسان؛ بعد أن وقع خوض حروب وشنّ غزوات واقتراف انتهاكات مريعة باسمها وتحت ألويتها؛ أم أنّ الوصمة مخصصة للدين والإيمان حصرا فيما يراها بعضهم نهاية التاريخ؟

 

منطق انتقائي تعسّفي وغير عقلاني الذي يقوم على عقد ارتباط شَرطيّ ساذج بين الاعتقاد وسلوك فردي أو جمعي، دون أن يلحظ أنّ السلوك يَصدُر هنا عن بشر لا عن ملائكة
 
التفسير الاختزالي للنزعة الإلحادية

إنّ التطوّع بتبرير اختزالي ملفّق للإلحاد بأنه ردّ فعل منطقي على سلوك يتذرّع بالدين أو يُحسَب عليه؛ هو حكم سطحي على حالة تتداخل فيها المؤثِّرات وتتضافر الملابسات، علاوة على أنّ الحالة لا تأتي في تمظهرها الفردي على ضرب واحد ولا تنتهي في منشئها إلى نقطة محددة قابلة للقطع بها أساسا بالنظر للتأثيرات التراكمية في بناء التصوّرات والقناعات.

 

يتجاهَل التبريرُ الأحادي للنزعة الإلحادية عواملَ ومتغيِّراتٍ شتى ذات أثر متضافر، ومنها على سبيل المثال وطأة المؤثرات التي تضخّها الصناعة الثقافية والإعلامية مثلا، من أفلام ودراما وأغانٍ وأعمال فنية ومواد إعلانية مشبّعة بنزعات مادية أرضية وثقافة استهلاكية جامحة، بما تطبعه من تأثيرات على وعي الأجيال، وهذا حتى مع تحييد التأثيرات الموجّهة بعناية من الدعاية العقائدية المضادة للإيمان وما تدفع به من مقولات وإيحاءات محبوكة.

 

وإن وقع الرضوخ لهذا المنطق؛ فلا أمل مطلقاً بتحرير العقول وانعتاق الوجدان من أيديولوجيا الإلحاد، لأنّ اللحى الآثمة والعمائم المدنّسة لن تنقطع عن المشهد، ويبقى انتظار تلاشيها تعلِّقا بالوهم، فسيبقى من بين المحسوبين على "الدِّين" مَن ليسوا خِياراً في معادنهم أو صالحين في سلوكهم، وهم ليسوا في هذا استثناء من عموم البشر على تنوّع مشاربهم.

 

لكنّ المنزع الانتقائي يطفح بتهافت المنطق الذي تُبنَى عليه أحكامٌ سطحية. فانتقاء حالة أو حالات مخصوصة من سلوك معيّن لا ينفي ما سواها أساسا؛ ولا يجعلها حالاتٍ سابغة أو معبِّرة عن الواقع ككلّ بالأحرى.

 

مأزق موضوعي مركب

أي منطق هذا الذي يتجاهل سلوكَ المؤمنين الحميد في أتون انشغاله بالاستدعاء الانتقائي الذرائعي لسلوك ذميم محسوب عليهم؟ يقع هذا المنطق في مأزقه الموضوعي المركّب، بمنح الانطباع بأنّ السلوك المُستقبَح هو وحده الممثل الحصري للإيمان؛ متجاهلا ما لا يخفى من سلوك حسن يأتي من محسوبين على "الإيمان" أيضا. ويقع في هذا المنحى تنميط الخطاب الديني المنبري بنماذج كريهة ومتشنِّجة تعمَى عن التنوّع الماثل في المشهد والتعدّد الظاهر في الأنماط، ومن المفارقات أن يأتي هذا التنميط من منابر دينية "مستنيرة"، وكأنها تسعى لمصادرة "الاستنارة" لذاتها وتقويض القيمة المعنوية لغيرها.

 

ينطوي هذا المنطق، في المقابل، على افتراض ضمني بأنّ سلوك المحسوبين على الإلحاد بريء من الزلل ومُنزّه عن القصور، أو يقع تأويل الزلل والقصور انتقائيا، ببواعث وملابسات معزولة تماما عن الإلحاد ويجري تفسيرها عادة بعزل الإشارة إلى النزعة الإلحادية لصالح استدعاءات أخرى نفسية واجتماعية وغيرها، في حيلة متذاكية تتحاشى تأويل السلوك بالاعتقاد الذي يحمله مقترف السلوك أو يُحسَب عليه.

 

مروق بعض أتباع الدين لا يقضي بفساد الدين ذاته، فمن بوسعه الزعم أنّ التوجيه يقضي وحده بحصول الامتثال له من البشر؟
 

يجري في السياق ذاته تفسير السلوك الطالح من خلال اعتقاد صاحبه "المؤمن"، بما ينصب أعواد المشانق المعنوية للمُعتقَد عينه وليس للإنسان الذي يحمله أو يُحسَب عليه. ولو وقع التسليم بهذا المنطق عموما؛ لما بقي حجر على حجر في منظومات القيم الإنسانية والأخلاقيات المجتمعية والمبادئ الدستورية؛ لأنها جميعا ستُساق إلى المقاصل بدعوى مروق أفراد ومؤسسات وأنظمة ودول تفخر بانبثاقها عن هذه القيم والأخلاقيات والمبادئ أو تعلن ولاءها لها كعقائد صارمة، لكنّ المنطق يشتغل انتقائيا في نطاقات محددة دون سواها.

 

إنه منطق انتقائي تعسّفي، وهو غير عقلاني أيضا، لأنه يقوم على عقد ارتباط شَرطيّ ساذج بين الاعتقاد وسلوك فردي أو جمعي، دون أن يلحظ أنّ السلوك يَصدُر هنا عن بشر لا عن ملائكة وأنه لا يجري في فراغ معزولا عن بواعث ومؤثرات وملابسات متعددة. فهل يجوز تسويغ آصرة الارتباط الشرطي بين الإسلام والمُوبِقات، مثل شرب الخمر، لمجرّد إقدام مسلم أو أوساط من المسلمين على معاقرتها؟

 

على أنّ التنبيه النبوي واضح في المسألة لمن قد يذهل عن المعيار أو يختلط عليه الأمر؛ ففي الحديث الذي جاء في الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه؛ أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن". فالإقدام على الكبائر والموبقات والفواحش لا يقع ممّن يحمل إيمانا كاملا، وإن لم ينفِ هذا الإيمانَ جملة. ويتأكّد في مواضع عدّة من كتاب الله تعالى اقترانُ الثواب بالإيمان والعمل الصالح معا.

 

غنيّ عن البيان أنّ مروق بعض أتباع الدين لا يقضي بفساد الدين ذاته، فمن بوسعه الزعم أنّ التوجيه يقضي وحده بحصول الامتثال له من البشر؟ أمّا قول بعضهم إنّ "أتباع محمد (صلى الله عليه وسلم) يفعلون كذا وكذا من الموبقات"؛ فهي حبكة مضلِّلة، لأنّ إتيان الكبائر والصغائر على النحو الذي يُزعَم هو مخالفة لتوجيه الإسلام والنبي الكريم وفق ما هو مقرّر، خلافا لانطباع مُغرِض أو منطق ساذج يحمِّل مصدرَ التوجيه مسؤوليةً ملفّقة عن سلوكيات الأتباع كافّة؛ أو اعتبار هذه السلوكيات برهانا على بطلان الدين ذاته؛ رغم أنه لا يقرّها أساسا.

 

عندما يمنح بعضهم نسخا متشددة، مثل "داعش" وأخواتها، امتيازَ تمثيل الإسلام على الأرض؛ فإنهم يعبِّرون بهذا عن نزوع انتقائي غير أمين
 
تبرير الإلحاد بالتطرف الديني

لا عجب أن يُذكي التطرّفُ نفورا من النزعة المتطرفة وأصحابها، وقد ينجرف بعضهم بإسقاط موقفهم النفسي من التطرّف على ما يحتجَ به المتطرفون أو يتذرّعون به من نصوص وأحكام. تلك حالة ذات وطأة على أجيال حائرة، لكنها لا تقوى على مصادرة تعدّدية المشهد الديني الإسلامي الواسع. وكيف تُحتكَر نسبة الدين إلى خندق المعتدي لمجرد غلوّه ومزايدته في التذرّع بالدين؛ ولا يُحسَب ضمن جمهرة ضحاياه الساجدين لربِّهم؟

 

للخطابات المتطرفة منطقها، والناس إن تطرّفوا مالوا إلى التستّر بالفضائل والتذرّع بالقيم العليا، فيلجؤون إلى استعمال الدين في مجتمعات "متديِّنة" مثلا، أو توظيف شارات أخرى مخصوصة في غيرها.

 

كان "التطرّف" الميداني في بلاد العرب والمسلمين أحمرَ الراية تقريبا في الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين، تحت تأثير مدّ يساري جارف عبر العالم. تزاحمت اللافتات، وقتها، مع رموز ومفردات وتعبيرات تنافست في المزايدة الماركسية أو الماوية أو اليسارية العمّالية؛ وإن كانت في معظمها قشرة زائفة. وقعت انتهاكات جسيمة وممارسات شائنة في ظلال تلك المرحلة، بدت جليّة في مناطق النفوذ المسلّح وتجارب الحكم المتذرعة بالمقولات الحمراء التي استلبت العقول وقتها. ثمة تناظُرات مع المشهد الراهن، لكن مع شطب المفردات السابقة لصالح صيغ وإيحاءات "دينية". ارتفعت رايات "إسلامية" مزعومة لتغليف ألوان التوحّش المشهود في الشاشات والمقاطع، وبات التشدد الميداني المنسوب إلى المسلمين والمتذرِّع بالإسلام واقعا مرئيا للعالم أجمع.

 

عندما يمنح بعضهم نسخا متشددة، مثل "داعش" وأخواتها، امتيازَ تمثيل الإسلام على الأرض؛ فإنهم يعبِّرون بهذا عن نزوع انتقائي غير أمين، يصادر المسلمين عموما لصالح نسخة "داعش" وما لفّ لفّها بغرض وَصمِهم بها. لا يقع الاعتراف بنحو مليار ونصف المليار من المسلمين والمسلمات في أقطار الأرض كافة، بينما تجري المصادقة على ادعاءات مضلِّلة تبثّها "داعش" والعصابات الطائفية المتشنجة، بأنها تصدر عن الإسلام الحقّ وتمتثل لتعاليمه بإخلاص. ولا يلتفت أصحاب منطق تبرير الإلحاد بالتطرف الديني؛ إلى أنّ جمهرة الأمة الإسلامية تنبذ "داعش" وأنّ علماء المسلمين شدّدوا النكير عليها وعلى فظائعها التي تخالف روح الإسلام وتمرق من تعاليمه؛ فمثل هذا يخدش سرديّتهم المكرّسة لتبرير أحكامها المُسبقة.

 

ثم إنّ رمي الإسلام بالمسؤولية عن جماعات التشدّد هذه، بدعوى تذرّعها بالنص وتأويلها الخاص له؛ يتجاهل أنّ الحالات المتشددة في المجتمعات البشرية على اختلاف ألسنتها وألوانها؛ ظلّت حريصة على شرعنة ذاتها من خلال التذرّع بمعتقدات أممها وقناعات مجتمعاتها وأوساطها وثقافاتها السائدة أو الفرعية وما تتبنّاه من قيَم عليا ونصوص مؤسِّسة ومُلهِمة. وما زالت حروب الحاضر الضارية التي تُهلِك الحرث والنسل تبرِّر ذاتها بمقولات أخلاقية حالمة، فهل يصحّ تحميل الشعارات القيمية مسؤولية عمّا يُقترَف باسمها؟

 

القائل بالإلحاد قد لا يكون ملحدا في جوهره، فلعلّه أراد التمرّد على المجتمع أو الانسلال من النسق أو الانعتاق من الثقافة السائدة أو إظهار المغايرة والتمايُز واستقلالية الشخصية

ثم إنّ المنطق الذي يستعمله بعضهم يقضي بتحميل "الربّ" – سبحانه وتعالى عمّا يصفون – أو المسيح عليه السلام، المسؤوليةَ الشائنة عن نهج متوحِّش لمجرّد أنّ "جيش الربّ" يتذرّع بالدين ويعلن أنه مُفوّض من السماء باقتراف ممارسات بشعة في أوغندا. ويقضي المنطق الساذج ذاته بأنّ الأسرة النبوية من أبناء إبراهيم عليه السلام ستكون مسؤولة عمّا تقترفه القاعدة الحربية الضخمة في فلسطين من جرائم حرب وحملات توسّع وسياسات عنصرية وانتهاكات جسيمة وتدنيس للمقدّسات، وهذا لمجرد تذرّعها بالنبي يعقوب "إسرائيل" واتخاذه اسما لكيانها الغاصب. أما كان للأبدان أن تنتفض عندما زجّ المتحدثون الأمريكيون ومسؤولو الاحتلال، في حفل افتتاح السفارة الأمريكية في القدس (14 مايو/ أيار 2018) بأسماء الأنبياء الكرام وكأنهم يباركون الانزلاق إلى خندق نتنياهو، ثم إنهم كالوا المديح لدونالد ترمب كما لو كان "المسيح المخلِّص"، بينما كان جيش القتل الجماعي يقترف المذابح على تخوم غزة؟

 

وما الذي تُبقيه هذه الحجج الواهية من قيمة الحرية؛ إن وقع تحميلها المسؤولية عن تذرّع الثنائي بوش وبلير بها في حملتهما المارقة التي أحرقت أقطارا في العالم الإسلامي في بواكير الألفية الثالثة؟ وهل يضير قيما نبيلة في شكلها، مثل الأمان والسلام والتقدّم، أن وقع استعمالها بضراوة في حملات البغي الأوروبية عبر القارات على مدى قرنين من الزمن؛ مما جرى من فظائع مديدة تحت مقولة "الاستعمار"؟

 

في قبضة تأويلات أحادية

تلتمس خطابات رائجة أعذارا لأعلام في العلم والفكر والفلسفة في بواعث اختيارهم مسلك الإلحاد. يستحيل من يُعَدّون "عمالقة" في هذه الخطابات؛ إلى كائنات عاطفية ساذجة تقزّمت في مواقفها وتدهوَرت في أحكامها. يجري تقديم هؤلاء في صورة مساكين محدودي الذكاء واجهوا متاعب وجدانية فاندفعوا إلى نزعات إلحادية بلا تمحيص، أو أنّ عقولهم الكبيرة اشتغلت بسطحية مُفرِطة في نسج القناعات. وقد تلتمس هذه الخطابات أعذارا لوجوه مخصوصة على هذا النحو وتحجب هذا الامتياز عن غيرها تحت تأثير تحيّزات انتقائية أو مسالك تبريرية أو تعاطف بتأثير النجومية والذيوع على النحو الذي حظي به الراحل هاوكينغ الذي ظلّ في مركز الأضواء.

 

ينسب بعضهم إلى فلاسفة ومفكرين وأدباء وقادة، خبراتٍ شخصية تلامس العاطفة، تفترض أسباب اختيار كلّ منهم مسلك الإلحاد. يُقال إنّ أحدهم قد ألحَد بزعم أنّ أباه باع دينه بدنياه، ومضى ثانٍ على النهج نفسه لأن والده اتّبع شهواته باستعمال الدين، وعمد ثالث إلى الإلحاد تحت تأثير ما عايشه من سلوك رجال الدين أو علمائه.

 

تخضع هذه التأويلات لمنطق السبب الأحادي الذي لا تبديل له، وهي تنسج، ضمنا، آصرةَ تعاطف مع الحالة الشخصية المرتبطة بمظلومية مفترضة، بما من شأنه تعطيل الحسّ النقدي في تأمّلها ومناقشتها، فالملحد يكاد يكون ضحية "المؤمن" في هذه السردية، ومن يستحقّ التعاطف فهي الضحية التي قد يشقّ على النفس مراجعتها وتمحيص مزاعمها.

 

وبصرف النظر عن دقّة ما يُروَى من حكايات رائجة في هذا الصدد؛ فإنّ هذه الأسباب النمطية التي يتم تقديمها عادةً في تفسير الإقدام على الإلحاد؛ تقتضي النظر والفحص من وجوه عدّة. فمن المألوف، مثلا، أن يباشر الشخصُ المعنيّ تأويلَ بواعث اختياراته ومبرِّرات سلوكه بسببٍ أحادي لا تبديل له، مع استبعاد تضافر أسباب أخرى محتملة. أما تشخيص السبب أو الأسباب الحقيقية الكامنة وراء اختيارات عقائدية فليس متيسِّرا، ولا يُقطَع بصحّة الزعم أو الاستنتاج الذي يأتي في هذا المقام حتى من صاحب الموقف ذاته أو ممّن يعرفونه. وتبقى هذه الأسباب تأويلا محتَملا وليس مقطوعا بها، وقد يكون الإتيان بها من صاحب الموقف أو مَن شايعوه بمثابة السردية التبريرية أو التجميلية للمسلك الذي اختاره.

 

وتتكرّس الذريعة حتى في بعض "الخطاب الديني المستنير" المبثوث في الشاشات والشبكات، عبر تحميل "المشايخ" المسؤولية عن "الإلحاد" بشكل شبه حصري، أو اعتبار النزعة الإلحادية مجرد ثمرة للتطرف الديني. لكن؛ هل يرى هؤلاء المُشفِقون على الحيارى أنّ النزعة الإلحادية قد تكون ضربا من التطرّف أيضا؛ أم أنها لديهم مُعفاة من الوصمة المخصصة للدين والمتديِّنين؛ فتحظى بحصانة من النقد؟

 

من المألوف أن يقع خلْطٌ في هذا الصدد بين مستوييْن من الخطاب؛ مستوى إرشاد أهل المنابر إلى الْتِماس الحكمة والموعظة الحسنة، ومستوى سبْر أغوار النزعة الإلحادية وإدراك ملابساتها بصفة وافية وأمينة. وإن كان مطلوبا ترشيدُ الخطاب العلمي والفكري والتعليمي والوعظي على نحو مستمر؛ إلا أنّ ذلك لا يسوِّغ تأويلات تعسفية تمنح الانطباع التبريري للنزعات الإلحادية بأنها جاءت حصرا بفعل قصور خطابات معيّنة مما هو ماثل للعيان.

 

والمفارقة التي تنطوي عليها هذه التبريرات أنّ بعضها يرسم صورتيْن متناقضتيْن لمَن يقول بالإلحاد؛ إحداهما صورة العقلاني الذي ينبغي مخاطبته بما يليق به علميا وفكريا وفلسفيا، وثانيهما له ذاته لكنها صورة الطيِّب الحائر العاجز عن التمحيص وتشغيل العقل تحت وطأة مظلوميّته في مجتمع من القُساة. وقد يتمّ حرمان "المتديِّن" من الصورتيْن معا في هذه الخطابات، فيُعَدّ هو المسؤول بقوْله وسلوكه عن إلحاد الملحد، ويكون هو الذميم في هذه السردية؛ مثلا عبر تلفيق صورة ذهنية منفِّرة بحقه، تشمل تنميطه في أوصاف تُعرَض بأشكال مُستقبَحة؛ من قبيل التشنيع على إطالة اللحية وتقصير الثوب، لكن دون مناقشة تفشِّي اللِّحى التي تمليها صيحات العولمة وشيوع تمزيق الثياب تحت وطأة تعليمات فوقية يمليها مصمِّمو الأزياء.

 

حشيشة اعتقادية
ينزع بعضهم إلى تبنِّي "الإلحاد" دون أن يقضي ذلك بأنهم "ملحدون" حقا في أعماقهم، فتكون بوابة انخراط في حالة رفض وتمرد في مواجهة ما يستشعرونه من هيمنة كهنوتية، وفوقيّة وَعظية

يزعم بعضهم أنّ ماركس مثلا قد ألحَد بتأثير نفوره من سلوك ديني صدر من محيطه الاجتماعي. قد يكون باعثٌ مفترَض كهذا حدثا رمزيا أو موقفا نفسيا أو قشّة قصمت ظهر صاحبها، فالمواقف المُسبَقة المتراكمة التي يحملها أحدهم في عقله ووجدانه كفيلة بدفعه إلى تأويلات داخلية مخصوصة واستصدار أحكام صارمة وتبريرها بمنطق قطعي تبسيطي؛ من قبيل القول إنّ فلانا ألحَد بسبب كذا.

 

قد تستدرج الخبرةُ الشخصية أصحابَها إلى مواقف انعكاسية مدفوعة بانجراف نفسي مثلا، وقد تتفاقم الحالة من بعدُ إلى قناعات اعتقادية تتأصّل تدريجيا في وعيهم بمجرد أن يحاصروا وجدانهم داخل صندوق الإلحاد، وقد يجري هذا عبر محاولة الشرعنة المنطقية اللاحقة للنزعات الاعتقادية التي جمحت بهم. يشبه الحالُ إقدامَ أحدهم على مفارقة دراسته الجامعية برمّتها إلى وجهة أخرى لمجرّد نفوره من وجه محاضر كئيب أو لانزعاجه من مواصفات قاعة الدرس المظلمة، على أن يباشر من بعدُ تأصيلَ موقفه بذرائع عقلانية وإن لم تكن هي الباعث على تصرّفه.

 

لكنّ القائل بالإلحاد قد لا يكون ملحدا في جوهره، فلعلّه أراد التمرّد على المجتمع أو الانسلال من النسق أو الانعتاق من الثقافة السائدة أو إظهار المغايرة والتمايُز واستقلالية الشخصية، وهو ما تُلحَظ أماراتُه لدى بعض الذين يتباهَوْن علنا بلافتة "الإلحاد" في مجتمعات تعلن التزامها بالإيمان. ويبقى من محفِّزات النزعة أن يسعى أحدهم للتماهي مع الصورة المجيدة التي ترسمها خطابات رائجة عن الملحد؛ باعتباره صاحب شخصية مستقلّة وقلب نابض وضمير يَقِظ وحسّ إنساني وعقل نقدي ونظرة فلسفية، وهي إيحاءاتٌ ذات سلطان على الوعي يبعث بها لحنُ القول المنبعث حتى من منابر وبرامج "دينية".

 

قد تأتي نزعة الإلحاد اختيارا عدميّ الطابع، أملته صدمات الوعي وإحباطات الواقع الطافح بالمآسي والإخفاقات. أو قد يُستَعمَل الخيار الإلحادي في المناوأة السياسية والمجتمعية فيكون إعلانا متطرفا عن مسلك نقيض لشارة دينية تُرفَع فوق الرقاب بالسطوة والقهر. وهكذا ينزع بعضهم إلى تبنِّي "الإلحاد" دون أن يقضي ذلك بأنهم "ملحدون" حقا في أعماقهم، فتكون بوابة انخراط في حالة رفض وتمرد في مواجهة ما يستشعرونه من هيمنة كهنوتية، وفوقيّة وَعظية، وصرامة والِدِية، وقسوة مجتمعية. تُمسِي المقولةُ الإلحادية بهذا الضرب من النزوع؛ حشيشةً اعتقادية تستلب وجدان متعاطيها وتهيمن على ذهنه، وقد يتأسّس وعيٌ إلحادي مُعَقلَن بموجبها بعد الإفاقة؛ إن حسم أحدهم تموضعه وأخذ يبحث عن مبررات لذلك.

 

ويبقى السؤال؛ هل كان على ماركس بهذا المنطق أن يؤمن لاحقا، إن أطال الله في عمره ليرى ما اقترفته جمهرة من أتباعه "الملحدين" الذين تذرّعوا به؟ أم أنّ منطق القائلين بأنّ السلوك يبرر الاعتقاد يعمل في اتجاه أحادي فقط؟ واقع الحال أن حصافة ماركس أسعفته في أن يتهيّأ ابتداءً لما قد يُحسَب عليه أو يُرمَى به تحت تأثير سلوك أتباعه من معاصريه ولاحقيهم؛ فجاءت قولته صريحة جلية: "هذا ما أعرفه فقط.. أنني لست ماركسيا".



حول هذه القصة

أعلن مسؤول حكومي إماراتي أن القانون الذي سيسمح للمستثمرين الأجانب بامتلاك 100% من رأسمال الشركات سيقتصر على صناعات محددة ضرورية للبلاد، مما يشي بأن هذا القانون قد يكون أكثر محدودية.

24/5/2018
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة