هل تصبح المقاومة السلمية أداة ضاغطة على الاحتلال؟

ليس غريبا على أحد أن الشعب الفلسطيني قضي عقود من الزمان مهجراً ملاحقاً مطارداً تنتهك حقوقه المشروعة والمكفولة دوليا، تغتصب أرضه، تدنس مقدساته، يقتل أطفاله وشيوخه، وترمل نسائه، يحرم شبابه الحرية خلف القضبان هناك في السجون الإسرائيلية يمنع شبابه من الحياه على يد آلة البطش الصهيونية، يصارع الموت في كل لحظه لكنه لن يموت ولن يستسلم، ولن يرضخ لشروط هنا أو املاءات هناك، عهدته المعمورة رافعاً رأسه يقدم الشهداء بفخر، ويزفهم زفة العرس مع غصة في القلب تلخص مسيرة الفراق، يخرج أسراه من السجون رغم عدوانية السجان، ليرفعهم على الرؤوس والمقل، يداوي جرحاً غائر أصاب شبابه وهو يدافع عن وطنه وهو يبتسم، ابتسامة العزة وليس اللامبالاة ابتسامة الفخر وليس الخوف والهوان، ابتسامة المنتصر وليس المهزوم والمتقهقر.

 

منذ أكثر من مئة عام والصراع الإسرائيلي الفلسطيني في سجال ما بين جولات وصولات تتطور منظومة المقاومة ومكوناتها بتطور آلة القتل والإرهاب الصهيونية، كان لزاماً عليها أن تواكب هذا التطور لتوقف نزيف الدم المتواصل في انتهاك الأرض وقتل الإنسان، فكانت المقاومة هي السبيل الوحيد في مخاطبة هذا المحتل، وكان وجود المقاومة ضمن أهداف واستراتيجيات وأبجديات فصائل العمل الوطني والإسلامي الفلسطيني يعطي الشرعية والقوة لها فكانت، حركة تحرير وحركة مقاومة ولجان مقاومة وجبهة تحرير وحركة جهاد وهي مقاومة من منظور إسلامي بحت، لكن الشاهد هنا هل المقاومة التي يعتمدها الشعب الفلسطيني حققت له ما يصبو إليه أم أن الواقع فرض مجموعة من التفاصيل قد تضبط إيقاع المواجهة.

 

المقاومة الفلسطينية أشكالها وأنواعها
تطورت المقاومة المسلحة في غزة بشكل ملموساً حتى وصل الأمر لصناعة الطائرات بدون طيار والتي تستخدم لأغراض استطلاعية وأمنية وأطلقت عليها كتائب القسام الجناح العسكري لحماس طائرة أبابيل

تتعد أشكال المقاومة وأنواعها بتعدد المفاهيم والأدوات والآليات والاستراتيجيات المستخدمة فكانت المقاومة التي اعتمدها الشعب الفلسطيني والذي زاوج فيها ما بين المقاومة المسلحة مع ضعف الإمكانات، والمقاومة والسلمية والتي تنوعت ما بين المقاطعة والإضرابات والعصيان المدني وكسر منع التجول واغلاق الطرق أمام آليات الاحتلال وهو ما كان يطلق عليها "المتاريس" ومقاطعة المنتوجات الإسرائيلية، والمقاومة من خلال الإعلام وفضح الممارسات بحق الفلسطينيين في كل مكونات حياتهم، حتى انتقلت المقاومة الفلسطينية إلى تعزيز مفهوم المقاومة المسلحة كونها الأقسى في التعامل ومواجهة المحتل، وهي التي تسبب الضرر المباشر والسريع له.

 

وكان تطور المقاومة المسلحة في غزة بشكل ملموساً حتى وصل الأمر لصناعة الطائرات بدون طيار والتي تستخدم لأغراض استطلاعية وأمنية وأطلقت عليها كتائب القسام الجناح العسكري لحماس طائرة أبابيل، وحسب ما أعنت القسام عن وجود أنواع متعددة منها إضافة للسلاح الاستراتيجي للمقاومة وهو الأنفاق التي شكلت شبحاً يقض مضاجع المستوطنين في غلاف غزة، وتعتبر المشاهد التي عرضت خلال الحرب الأخيرة على غزة عام 2014م بعد اقتحام مجموعة من المقاومين لبعض المواقع العسكرية انطلاقا من هذه الأنفاق قوة الردع الحقيقية للاحتلال الإسرائيلي .

 

المقاومة السلمية ومدى القوة

منذ انطلاق مسيرات العودة الكبرى في قطاع غزة من خلال خمسة ميادين ومخيمات للعودة انتشرت على حدود قطاع غزة، من رفح جنوباً حتى بيت حانون شمالاً، ساعدت هذه المخيمات على تعزيز مفهوم المقاومة السلمية لدى بعض الشباب المنتفض في وجه الاحتلال على حدود القطاع، ولكن السؤال هنا لماذا يعتبر تقبل المقاومة السليمة ليس بالأمر السهل، ولعل الأهم هنا أن من يقود الميدان هم الشباب من ولدوا وترعرعوا في فترة كانت المقاومة المسلحة هي الخيار الوحيد في قطاع غزة وكانت الفصائل والأحزاب تعتمد على هذا النوع من المقاومة لطبيعة التعامل التي يفرضها الاحتلال الإسرائيلي مع سكان القطاع.

 

بات الشباب إلى حد كبير غير مقتنع ببعض أساليب المقاومة السليمة كونها لم تلبي رغباته التي صقلت شخصيته خلال الفترة السابقة، وجاء يبحث في مخيمات العودة وبين جنبات المقاومة السليمة على طرق وآليات قد يقدم من خلالها نماذج من الممكن أن تسبب الضرر المباشر للاحتلال ولجنوده المتمركزين على الحدود فكانت الطائرات الورقية الحارقة، وكان استخدام إطارات السيارات للتعمية عن القناصة والتقدم للسياج الفاصل في مناورة لاقتحام الحدود، إضافة لبعض الأساليب التي أخذت منحنى سلمي بحت.

 

تصبح المقاومة السليمة أداة قوية وضاغطة على الاحتلال في حال أصبح لدينا عقيدة راسخة بأهميتها ودورها في الدفاع، وإيصال الصوت ورفض الظلم
 

تعتبر المقاومة السلمية أداة قوية من أدوات المقاومة وهي تحقق إنجازات قوية وقد يلمسها من يقاوم بها بعد فترة من الزمن فهي لا تؤتي ثمارها بشكل سريع، وتعتبر بعض التصريحات التي يطلقها الاحتلال الإسرائيلي بين الفينة والأخرى حول الاستنفار في صوف الجيش واستدعاء قوات جديدة للحدود والآليات الجديدة التي يستخدمها ضد المتظاهرين من الغاز المسيل للدموع وغاز الأعصاب من خلال الجنود أو من خلال الطائرات التي تحمل قنابل الغاز إضافة لعمليات القتل المتعمد بالقنص في الأجزاء العلوية من الجسم والاجزاء السفلية أيضا، إلى جانب استهداف الصحافة والإسعاف والأطفال والنساء والشيوخ.

 

كل هذه الأعمال والتصرفات كانت ناتجة عن ردة الفعل التي تصدر عن جنود الاحتلال في رسالة توضح مدى استفزاه من الحشود التي تحتشد في الميادين والسعي بكل طاقته لدفعهم واجبارهم على مغادرتها. ويعتبر تنوع أساليب المقاومة السلمية وتعدد أدواتها مصدر قوة لها كيف لا وهي التي تفرض واقعاً جديداً قد يغفل البعض عنه الأمر الذي لا يدع مجال للشك أن الاحتلال أصبح منزعجا من هذا الأسلوب، ويسعى بكل قوته لعسكرة العملية وحسم المعركة عسكرياً بقتل أكبر قدر ممكن من المدنيين العزل وهدم البيوت والمنشئات التجارية وغيرها من أجل إيصال رسالة الإرهاب التي يحملها.

 

تصبح المقاومة السليمة أداة قوية وضاغطة على الاحتلال في حال أصبح لدينا عقيدة راسخة بأهميتها ودورها في الدفاع، وإيصال الصوت ورفض الظلم والسعي لفرض واقع جديد، نحن لا نقبل المذلة والمهانة، نحن شعب لنا أرض سنعيدها بكل الطرق، وليسمع كل العالم أننا سنرجع يوما.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

اتهمت الهيئة الفلسطينية المستقلة لملاحقة جرائم الاحتلال في غزة، الاحتلال الإسرائيلي باستخدام أسلحة محرمة دوليا ضد المتظاهرين السلميين المشاركين في مسيرات العودة الكبرى على حدود قطاع غزة الشرقية.

الأكثر قراءة