هل استطاعت مسيرات العودة تحقيق أهدافها؟

تعزيز روح الوحدة الوطنية، وإعادة الاعتبار للقضية الفلسطينية، وكبح جماح صفقة القرن، وإيجاد طريقة جديدة للنضال الفلسطيني في غزة، وتحييد المواجهة العسكرية الشرسة، والبعد عن المناكفات السياسية الداخلية، والالتفاف حول مسؤولية الاحتلال الصهيوني عن مأساة الشعب الفلسطيني في غزة والضفة والشتات، وترسيخ حق العودة في نفوس الأجيال القادمة، كل هذه الأهداف وغيرها نجحت مسيرة العودة الكبرى في تحقيقها منذ أن انطلقت في 30 آذار من العام الجاري.

وهذا إنجاز كبير على طريق العودة والتحرير؛ لأنَّ الاحتلال الصهيوني عجز عن مواجهته ميدانيا وإعلاميا وأمنيا، فالميدان شهد إبداعا غير متوقع من التيار الشبابي الثائر في وجه الاحتلال- وهذه ميزة مهمة للعمل الشعبي غير المؤطر-وما صورة التخبط التي كشفت وجهه القبيح في قتل الأطفال والنساء والرجال، والصحفيين، وبعض طواقم الإسعاف، إلا انعكاسا واضحا عما نزعمه، وخصوصا بعد أن نجح لفترة كبيرة في تسويق دعايته الأخلاقية والديمقراطية المزيفة في الإعلام الغربي ومؤسساته المتعددة.

ولم يستطع أيضا تمرير روايته الإعلامية الكاذبة رغم امتلاكه ماكنة إعلامية قوية في العالم الغربي؛ لأنَّ الصورة والفيديو والوحدة الميدانية أصدق من الكلام الماكر الذي يعمل الصحفيون المحترفون على تمريره بين المجتمع وشرائحه المختلفة، كما أنَّ الحالة الأمنية الوهمية على طول السلك الفاصل كُسرت، وكشف الشباب الثائر حجمها الهش الذي حافظ الاحتلال على هيبتها لسنوات كبيرة. 

هناك حالة عجز أخرى تمثلت في موقف الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية والقانونية ذات العلاقة بمحاسبة إسرائيل على جرائمها البشعة في وجه المتظاهرين السلميين

حالة العجز المركبة لدى الاحتلال الصهيوني لم تثنه من خلق الأكاذيب المستمرة، ومحاولة خلط أوراق المسيرة السلمية، واستغلال بعض السقطات الإعلامية، أو تضخيم بعض الوسائل السلمية، أو الزج باسم حركة حماس في حراك غزة السلمي بطريقة شيطانية، تعكس مدى عجزه عن مواجهة الرأي العام بحق الشعب الفلسطيني في العودة، والعيش بسلام، سيما وأنَّ الاحتلال قد وافق على قرار الأمم المتحدة 194 القاضي بحق المهجرين الفلسطينيين عام 1948 بالرجوع إلى قراهم ومدنهم المحتلة.

وأيضاً هناك حالة عجز أخرى تمثلت في موقف الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية والقانونية ذات العلاقة بمحاسبة إسرائيل على جرائمها البشعة في وجه المتظاهرين السلميين، سيما وأنَّ اتفاقية جنيف الرابعة عام 1949 تنص بوضوح على ضرورة حماية المتظاهرين السلميين في وجود الاحتلال، وهذا أمر خطير جداً؛ لأنه يسحب بساط القوة من تحت أقدام أصحاب التعقل والحوار، والمقاومة السلمية، وضبط النفس، ويقوي نظريات العنف والتطرف الفكري والسلوكي؛ لذلك وجب على هذه المؤسسات أن تتحمل مسؤولياتها الأخلاقية والقانونية، حتى لا تساهم في بناء العقل غير السوي.

في ظل هذا المشهد من الاشتباك الجديد مع الاحتلال يبقى الحرص الدائم، والمسؤولية الوطنية الوثابة تجاه سلوكنا النضالي ينطق بالمراجعة الدائمة، والتصويب المستمر، مما يدفعنا للتساؤل عن مسار مسيرة العودة الكبرى بعد مجزرة 14 مايو التي قام بها الاحتلال من أجل سحب غزة نحو مربع المواجهة العسكرية؟ 

قبل شهر تقريبا من تاريخ المجزرة الصهيونية شاركتُ مركز مسارات للدراسات السياسية لقاءهمم النخبوي حول مسيرة العودة، وتم الحديث بعمق عن شكل ومضمون يوم 14 مايو، وكانت الخلاصة إلى أنَّ المقاومة السلمية تحتاج إلى وقت كبير لتراكم العملية النضالية التي بإمكانها أن تحدث تصدعا داخل الكيان الصهيوني، وأن تستنهض الساحات الفلسطينية الأخرى، فضلاً عن التبني الرسمي الفلسطيني، والدعم الدولي والإقليمي لها؛ لذلك كان أغلب الرأي يتمركز حول الحشد الكبير الذي يمثل وعيا كبيرا، واستفتاءً عظيما يرفض تصفية القضية الفلسطينية بأشكالها المختلفة، وأن نراكم صور النضال السلمي حتى نحقق العوامل التي من شأنها تحقيق هدف العودة المؤكدة.

لكي تستمر مسيرة العودة الكبرى بزخمها الكبير، وجب على الهيئة الوطنية تجلية الهدف المرحلي للحراك الشعبي بشكل مستمر، وعدم رفع سقف الهدف المراد تحقيقه
 

أعتقد أنَّ هذه التوصيات وغيرها وصلت إلى قيادة الهيئة الوطنية لمسيرة العودة، والدليل أنها تبنتت التوصيات شكلا ومضمونا، إلا أنَّ المحتل الصهيوني ارتكب مجزرة أراد بها كسر الإرادة الفلسطينية التي لا تعجز عن خلق وسائل متجددة لمواجهة مكره المتغطرس، فكانت ردة فعل الهيئة الوطنية باستمرار الحراك رغم الصدمة التي حدثت نتيجة أكثر من ستين شهيدا وألفين جريح، كما أنَّ المقاومة الفلسطينية ترجمت وعيا كبيرا تجاه المجزرة، فضبطت سلاحها، وانتصرت على عدوها مرتين.

هذه جملة من الإيجابيات والتحديات التي تواجه الشعب الفلسطيني في حراكه الشعبي العظيم، ولكي تستمر مسيرة العودة الكبرى بزخمها الكبير، وقوتها المؤثرة، وجب على الهيئة الوطنية تجلية الهدف المرحلي للحراك الشعبي بشكل مستمر، وعدم رفع سقف الهدف المراد تحقيقه مرحليا -الواقعي-، وذلك من خلال انسجام الخطاب الإعلامي السلمي مع الإجراءات الميدانية، حتى لا نقع في فخ تحطيم أحلام الناس المحاصرة لأكثر من 12 عاما في قطاع غزة، ويجب الحفاظ على روح الوحدة الوطنية وتعزيزها، من خلال الثقة المتبادلة، وتوسيع مساحة المشاركة الفاعلة للشباب ودوره في صنع القرار وتقرير المصير، كما يجب العمل على استنهاض الساحات الأخرى للمشاركة في مسيرة العودة، والعمل الجاد والمستمر على تعزيز صمود الناس، وذلك من خلال احتضان أسر الشهداء والمصابين، وعدم تركهم للإعلام الذي ينهش في إنجازات المسيرة وأهدافها الاستراتيجية.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

اتهمت الهيئة الفلسطينية المستقلة لملاحقة جرائم الاحتلال في غزة، الاحتلال الإسرائيلي باستخدام أسلحة محرمة دوليا ضد المتظاهرين السلميين المشاركين في مسيرات العودة الكبرى على حدود قطاع غزة الشرقية.

الأكثر قراءة