هكذا تكلّمَ حُجّة الإسلام.. أبو حامد الغزّالي

أبو حامد الغزّالي، أو كما هو معروف بحُجّة الإسلام، إمام أشعري شافعي كبير وقامة فارعة، وهو أحدْ رجالات التصوّف ومن العمالقة أيضاً، وقدْ قال هذا الغزّالي: طلبنا العلمَ لغير الله، فأبى العلمُ أنْ يكونَ إلّا لله! وسنعود لما قاله هنا، وسنبيّن أيضاً لماذا قاله؟ رحل الإمام الغزّالي إلى نيسابور ولازم الإمام الجويني حينذاك، وأخذ عنه معظم العلوم وقدْ برعَ فيها أيضاً، إلى أنْ قال الإمام الجويني له -وهو أستاذه- عندما ألّف كتاب (المنخول في علم الأصول): (لقد دفنتني وأنا حيّ، هلّا صبرتَ حتّى أموت)! دعوني أوضّح شيئاً فيما يتعلّق باسم هذا الإمام، فهناك منْ يقول أنّ اسمه الغزالي -بتخفيف الزاي- نسبةً إلى بلدة غزالة في مدينة طوس، وهناك منْ يقول الغزّالي -بتشديد الزاي- نسبةً إلى حرفة والده والذي كان يعمل في الغزلْ! وقدْ قال ابن خلكان: أنَّ الأصح تسميته بالغزّالي، وهذا هو المشهور. 

والآن، كيف تكلّم هذا الإمام الأوحد، وهذه الحُجّة، وكبداية، بدأ أبو حامد التدريس في المدرسة النظامية في بغداد، في زمن الخليفة المقتدي بأمر الله العباسي، وأُعجبَ الناس بهذا الإمام، لفصاحة لسانه وغور أسباره في العلم، وقد أشارَ الإمام الجويني لهذا أيضاً، فقدْ قال أنّه بحرٌ مغدق! وأخذَ عنه العلم كبار من الأئمة، كعبد القادر الجيلاني، أبو بكر بن العربي، وابن عقيل، وفي هذه الأثناء سيطرَ العُجبْ على إمامنا الغزّالي، ورأى أنَّ هذا العلم مقصده الشهرة والعجب والخيلاء أمام الناس، الأمر الذي أدّى به للرحيل إلى دمشق، ومنْ ثمَّ إلى فلسطين، وليقضي في عزلته هذه ما يقارب الأحد عشر عاماً، والتي ألّفَ فيها أعظم كتبه، ألا وهو (إحياء علوم الدين).

بعدَ فراغه من عُزلته، واستقراره على علم التصوّف، قال جملته الشهيرة، والتي ذكرتها في بداية المقال، فمقصد العلم في بداية حياته لم يكنْ لله! ولكنْ العلم أبى أنْ يكون إلّا لله بعد سنين من العزلة ومراجعة وتهذيب للنفس، وقدْ رجعَ بعدها إلى بغداد، ولم يلبث فيها إلّا القليل، حتّى رجع إلى نيسابور، وقدْ صنّف مؤلفاتٍ عدّة، في الردّ على الباطنية (الإسماعيلية) وبيان كفرهم وبُطلان حُججهم.

كانَ أبو حامد الغزالي رافضاً لعلم الفلسفة جملةً وتفصيلاً، ومع ذلك قيل فيه: (أنَّ الإمام الغزّالي التهمَ علوم الفلسفة، وعندما أراد أنْ يتخلّص منها لمْ يقدرْ)

تكلّم الإمام أبو حامد في الكثير من العلوم، ومنْ أهمّ ما قال -في نظري على الأقلّ- هو تشديده على أنْ يبتعد العوام عن علم الكلام والفلسفة، فقدْ قال في كتابه (المُنقذ من الضلال): أنّ اشتغال العوام في علم الكلام، هو أشبه بالانتحار، وأنّ اشتغالهم بالمعاصي والشهوات، هو أفضل لهم من الخوض في علوم ستؤدّي بهم إلى الكفر والهاوية. درسَ الغزّالي الفلسفة في سنتين، وألّف كتابه الألمع (تهافت الفلاسفة)، وردَّ في هذا الكتاب على تشعيباتهم، والتي تتمثّل في أزليّة العالم، صفات الله، والقضاء والقدر، وقدْ كفّر في هذا الكتاب فلاسفة عِظام كابن سينا، وقدْ كفّره في قوله بإنكار العناية الإلهية على غرار أرسطو، وقال عن نفسه في هذا:

 

(ثم إني ابتدأت بعد الفراغ من علم الكلام بعلم الفلسفة، وعلمت يقيناً أنه لا يقف على فساد نوع من العلوم، من لا يقف على منتهى ذلك العلم، حتى يساوي أعلمهم في أصل ذلك العلم.. فشمرت عن ساق الجد في تحصيل ذلك العلم من الكتب.. ثم لم أزل أواظب على التفكّر فيه بعد فهمه قريباً من سنة أعاوده وأردده وأتفقد غوائله وأغواره، حتى اطَّلعت على ما فيه من خداع، وتلبيس وتحقيق وتخييل، واطلاعاً لم أشك فيه)، وقال أيضاً: (فابتدرت لسلوك هذه الطرق، واستقصاء ما عند هذه الفرق مبتدئاً بعلم الكلام، ومثنياً بطريق الفلسفة، ومثلثاً بتعلّم الباطنية، ومربعاً بطريق الصوفية).

كانَ رافضاً لعلم الفلسفة جملةً وتفصيلاً، ومع ذلك قيل فيه: (أنَّ الإمام الغزّالي التهمَ علوم الفلسفة، وعندما أراد أنْ يتخلّص منها لمْ يقدرْ)، ولهذا دائماً ما يُقال أنّه فيلسوفُ على رُغمه، وهو بالفعل كذلك، فيلسوف إسلامي على قدرْ عالي جدّاً، ولا يُطاوله رأسٌ منْ بين أقرانه، وإنْ قيل أنَّ ابن رشد قدْ نسفه نسفاً في كتاب (تهافت التهافت)، ولا أظنَّ هذا البتّة، والكلام في الكتابين يحتاج مُصنّفات لتبيان ما قيل من الطرفين. 

مرَّ أبو حامد في مراحل فكرية عديدة، في شكٍّ تارةً، وفي يقينٍ تارةً أخرى، ويقول هنا: (فلم يكن علمُ الكلام في حقّي كافياً، ولا لدائي الذي كنتُ أشكوه شافياً)، وكما أسلفتُ سابقاً أنّه انتهى لعلم التصوّف، ليقول: (وانكشفت لي في أثناء هذه الخلوات أمور لا يمكن إحصاؤها واستقصاؤها، والقدر الذي أذكره لينتفع به أني علمتُ يقيناً أن الصوفية هم السالكون لطريق الله تعالى خاصةً وأنَّ سيرتهم أحسن السير، وطريقهم أصوب الطرق، وأخلاقهم أزكى الأخلاق).

إحياء علوم الدين منْ أعظم كتبِ الإمام الغزّالي، وقدْ وصل فيه المدح إلى أنْ قالوا: (منْ لم يقرأ الإحياء فليس من الأحياء)، تناول فيه كل ما يزكّي النفس من عبادات توقيفية، وروحانيات صوفية تزكيةً للنفس وتهذيباً لها، ومما يُأخذ عليه هو ضعفه في علم الحديث، وإدراجه للكثير من الأحاديث الموضوعة في كتابِ الإحياء، ولعلّه افتدى نفسه عندما قال: (أنا مزجّى البضاعة في الحديث)! وهذا يُعطينا الدليل أنَّ العالم مهما وصل من العلم، فلنْ يحتوي جميع العلوم، فهذا ضربٌ من ضروب المستحيل.

كتاب "إحياء علوم الدين" للإمام أبو حامد الغزالي" (مواقع التواصل)

كانَ يعوّل على العلوم الشرعيّة فقط، ولكنْ لم يُحرّم طلب العلم في الطب والهندسة مثلاً، ولكنْ كانَ يقول أنَّ في العلوم الشرعية النجاة في الدنيا والآخرة، وأنَّ الطالب لها سيصل أعلى المنازل قاصداً وجه الله ومتتبّعاً خُطى رسوله الكريم-صلّى الله عليه وسلّم-.

روى أخوه أنّه في صباح يوم الاثنين، توضأ أبو حامد، ومنْ ثمَّ طلب كفنه وقبّله، ووضعه على ركبتيه وقال: (يا مرحباً بالدخول على الملكْ)، ليتوفّاه الله بعدها، وتفارق روحه جسده الشريف، وقدْ كانت وصيته لبعض أصحابه قبيل وفاته: (عليكم بالإخلاص)، وظلَّ يكررها حتّى مات.

هكذا تكلّم أبو حامد، في وفاته، وفي حياته، ولمْ يسعَنا في هذا المقال البسيط إدراج كلَّ ما تكلّم به هذا العملاق، ولكنْ حاولنا أن نذكر بعضاً من آثاره على أمته، ولعلّنا نلحظ كيف أنَّ الإخلاص سيطر على هذا الإمام، وكأنّه كان الرقم المستحيل في حياته، فقدْ قال: (فأبى العلم أنْ يكونَ إلّا لله)، وعند موته أيضاً (عليكُم بالإخلاص)! رحمَ الله حُجّة الإسلام، وغفر له، رحمَ الله إماماً فيلسوفاً ذبَّ عن هذا الدين الحنيف بكلّ ما أتاه الله من علم، وتركَ لنا من العلم ما لا نستطيع استيعابه حتّى! فقدْ كان الفقيه، المتكلّم، والفيلسوف! البارع الأوحد فيه، لنأتي نحن في أيامنا هذه وبكل ما تحمله من انحدار، سقوط، وضياع، لنكتب عنه لعلّنا نرتقي به ونقول: (هكذا تكلّمَ أبو حامد الغزّالي)! 



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

أعلن النظام السوري تعرض مواقع عسكرية له في البادية السورية (شرق) لغارات شنها طيران التحالف الدولي، مما أسفر عن أضرار مادية، لكن مسؤوليْن عسكريين أميركيين نفيا أي علم لهما بالقصف.

الأكثر قراءة