كيف ساهمت وسائل التواصل بعزلتنا الاجتماعية؟

صار العالم قرية صغيرة.. وذلك لما اقتربت أخبار العالم، بوجود وسائل تنقل الخبر البعيد وتصف المشهد كأنه رأي العين، لما ظهرت الفضائيات والتي كانت تمثل نقلة مهمة في ربط العالم بعضه ببعض. قديما كانت الأخبار تنقل عن طريق القادمين من بلدانهم، يُسألون ما الأخبار؟ فكانت مصداقية الخبر وصحته، بصدق ونزاهة ناقله، فكانت تلك الوسائل لما ظهرت في زمانها (الفضائيات والإذاعات) محدثة طفرة كبيرة في تداول الأخبار وربط المجتمعات، والذي بدوره كان سببا كبيرا في تداخل كثير من العادات بين تلك المجتمعات. فكان حقاً أن يقال: "صار العالم قرية صغيرة" إذ التشبيه بالقرية الصغيرة التي يجتمع ساكنوها في الصباحات يتداولون أخبار قريتهم وتمتزج عاداتهم وتقترب علاقاتهم.

بذلك التطور الكبير في وسائل التواصل والتي كانت إلى عهد قريب متمثلة في الفضائيات، تحقق جزء كبير من تعارف الأمم ونقل ثقافاتها، تمثل جليا قول الله تبارك وتعالى (وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا). ثم تسارعت خطى التطور والإنجاز فابتكرت وسائل وأنتجت برامج زادت من إمكانية نقل الخبر وتبيين الحدث وفاعلية التفاعل والتعارف، كانت أصغر في حجمها وأدق في الحدود لمستخدميها، فظهرت مثلا مواقع الفيس بوك، واليوتيوب، والواتساب والإنستغرام والتيليغرام إلى غير ذلك كل حسب ترتيبه، فأندفع الناس فراداى وجماعات للاشتراك فيها وامتلاكها، إذ ظهرت فاعليتها بسرعة تداولها، فكانت أكثر جمعا للمعلومات في الوقت الوجيز وأكثر انتشارا في الأوساط المختلفة.

ينبغي على الأسر أن تضع لأبنائها ضوابط لاستخدام وسائل التواصل داخل البيت فوقت الجلسات ينبغي أن يبتعد الناس عن زحمة الاتصالات غير المهمة وغير الضرورية

قال الأول: لكل شيء إذا ما تم نقصان، كل امر إذا ظن الناس أنه بلغ تمامه تدركه المنقصات، والإفراط واحد من تلك المنقصان، فكل أمر إذا كان فيه إفراط كانت عواقبه غير محمودة ونتائجه غير مرضية، هذا الإفراط لما كان في ما نتحدث عنه وهو "وسائل التواصل" كان لذلك أثر ملحوظ وقصور مضبوط، فالمتأمل في أحوال الناس حوله والذين غالبهم يستخدم هذه الوسائل يلحظ إفراطاً عند كثيرين، في المنزل، في العمل، في جلسات السمر، حتى في أمكان ما ينبغي أن يحدث فيها ذلك كالمستشفيات وغيرها، لو تأملنا في جوانب هذا الإفراط وأخذنا أمثلة مما ذكر سابقا يتضح جلياً أثر ذلك فيصبح الاقتراب اغترابا.

وأد اللقاءات

في الماضي كان الاجتماع في الأسرة من الأمور التي تشتهى، إذ يجتمع أفرادها بقلوبهم وعقولهم وأبدانهم، فيظهر تأثير الكبير على الصغير وتتناقل الأجيال معارفها وخبراتها وموروثاتها في جلسات هادئة تغمرها فيوضات من العاطفة، وأمل في أن يتشرب الصغار ما خاضه الكبار من تجارب في الحياة.

وفجأة.. وئدت تلك الجلسات ومتعة الاجتماعات بالإفراط في استخدام هذه الوسائل، فصارت غالب الجلسات بالأبدان وتجتمع الأفئدة في أماكن أخر. تجتمع الأسرة على طاولة واحدة الأبدان في مكان واحد لكن الهموم مختلفة، فتجد الأب في دردشة مع زملاءه الذين فرقهم السعي وراء المعيشة، والأم تخاطب صديقاتها للاستعداد للطلعات والتجهز لبعض الحفلات، الأبن يناقش مع أصدقاءه متى يلتقون ليتسامروا، والبنت تتجول في مجموعات عرض الأزياء وآخر صيحات الكريمات، ثم ينفض المجلس وكأن شيئا لم يكن، ثم تأتي الشكاوي من الوالدين بعد زمان أن الأبناء لم يعودوا كسابقهم وأن الزمان تغير وأن وأن… وكذلك قل مثلها في أجواء العمل وجلسات السمر، الناس تجتمع بأبدانها لكن تختلف بقلوبها وبهمومها.

الإشكال أن أجيالاً ستأتي لا تجد أمامها إلا هذه الوسائل، فتكون هي بمثابة المربي والموجه الذي تستقي منه الخبرات ويزود بالمعلومات لأن أجيالاً سبقوهم أفرطوا في استخدامها. فما الحل؟ كل أمر له توسط لا إفراط ولا تفريط، فالتفريط في استخدام هذه الوسائل يؤخر الإنسان عن أمور كثيرة ويبعده عن التواصل لمعرفة كل جديد، كما أن الإفراط فيها يفوت على المرء كثيرا مما ينبغي أن يدركه في زمن يضيع مع هذه الوسائل.

في ظل كثرة المنصات وتشعب موضوعاتها، تخير لنفسك المفيد القيم منها وأقتصد حتى لا يُتسهلك وقتك وتُهدر صحتك، وأضبط لذلك برنامجناً تحفظ فيه لكل ذي حق حقه
 
أعيدوا التواصل بترشيد وسائل التواصل

لو أعاد الناس التفكير في أمر هذه الوسائل، وما تستهلكه من أوقات، ثم كان التفكير الجاد في أن يرشد استخدامها، حتى لا تضيع أوقات، وتُقطع صلات. ينبغي على الأسر أن تضع لأبنائها ضوابط لاستخدام وسائل التواصل داخل البيت فوقت الجلسات ينبغي أن يبتعد الناس عن زحمة الاتصالات غير المهمة وغير الضرورية. كذلك ينبغي متابعة الأسر للأطفال الصغار في استخدامهم لهذه الوسائل لأن كثرة تعلقهم بها وإدمان استخدامهم لها قد ينعكس ذلك على مستقبلهم وتحصيلهم مما ينذر بوجود أجيال لا تعرف سواها.

فتخير النافع المفيد

في ظل كثرة المنصات وتشعب موضوعاتها، تخير لنفسك المفيد القيم منها وأقتصد حتى لا يُتسهلك وقتك وتُهدر صحتك، وأضبط لذلك برنامجناً تحفظ فيه لكل ذي حق حقه، بيك، عملك، صحتك، اجتماعياتك، فتكون بذلك قد جمعتك بين التواصل مع البعيد ولم يفت حق التواصل مع القريب، لأن العمر يمضي، وعمر المرء وقته، فإن أهدر وقته فقد أهدر عمره، ويتحسر على فواته حين لا ينفع ذلك.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إن الولايات المتحدة "شريكة لإسرائيل في المجزرة" التي ارتكبتها مؤخرا في غزة، مشيرا في هذا الصدد إلى تداعيات نقل السفارة الأميركية إلى القدس المحتلة.

كشفت صحيفة واشنطن بوست الأميركية عن معلومات جديدة تتعلق باعتقال الناشطة السعودية لجين الهذلول، مشيرة لوجود تعاون وثيق بين الرياض وأبو ظبي بعمليات قمع الناشطين والناشطات المطالبين بالتغيير في المملكة.

الأكثر قراءة