سيدي الرئيس.. لست مدعواً على الإفطار

عندما تنظر لموضوع ما من جانبك الخاص وتقوم بتكوين رأي عنه فهذا الرأي لا يتعدى أن يكون منوط بك وحدك، ولا يستلزم الإجماع عليه، تبقى الكرة محصورة في ملعبك إلى أن تصل إلى ملعب الخصم وتحاول استردادها حينها ستتغير نظرتك ستبدأ بالعدوانية لتثبت أحقيتك لها، إلى أن تتضح لك الصورة كما يراها غيرك من منظورهم الخاص. النظرة الشاملة الفاحصة للأمور هي ما نحتاج إليه فالقصور في النظر لن يؤدي سوى إلى رأي مبتور لا يمكن الاستناد عليه، متعصب إن أردت القول، صلب قد يكسر وليس بلين كي يعصر، ولا يحتوي على المرونة كي يحقق قوانين الفيزياء، صحيح أن لكل فعل رد فعل مساوٍ له في المقدار ومضاد له في الاتجاه، ولكن هذا لا ينطبق على الإعلانات التي تستأثر برأي الأغلبية الساحقة إلى صفها.

  

سيدي الرئيس لست مدعواً على الإفطار في القدس، نأسف فالأوضاع الأمنية غير مستقرةٍ تماماً هناك وحرصاً على سلامتك لك أن تبقى في بيتك الأبيض الناصع، مؤكد أنك قد اعتدت البياض الناصع ولكننا لانزال نراه رمادياً لذا لا يجب أن نجر عليك ويلات هذا الرمادي، سيدي الرئيس نعم ستعود أمي من الطابور وسيجبر القلب المكسور، لطالما كان كذلك له خاصية البرء الذاتي فليس هنالك علاج كالسنين لا يبرء الكسور فحسب بل يخمد نيران القضايا التي كانت مشتعلة يوماً ما وتتحول الحروب إلى حرب باردة من جهة ومشتعلةٍ من جهةٍ أُخرى.
 

لا تضعوا الملح على الجرح ما لم تكونوا متأكدين أنه قد يطهره، وبعض الكلمات لا تعدوا أن تكون مسكناً للألم لكنها حتماً لا تقوم مقام الدواء

سيدي الرئيس الأطفال لا ينسون لك أن تتذكر هذا جيداً، فذاكرتهم عصيةُ على المحو، لك أن تتخيل من عاش طفولته بين زورق ومخيم يجر ذيول الموت أينما راح في ثراه ومن عاشها بين أم وأب ومنزل جميل وباص يحمله كل يوم إلى المدرسة، الأطفال لا ينسون هم فقط يتمنون دائماً مستقبلاً أفضل، سيدي الرئيس ليس ذنبي أنني ولدت أنطق الشهادة كي يحكم عليّ بالإبادة، ليس ذنبي أنني قررتُ أن أنتمي لغير ما تنتمي إليه، ليس ذنبي فأنا لا أملك موازين الكون كي أنصب عليها العدل، ليس ذنبي فأنا لا أملك أن أغير شيئاً كتب حتى قبل أن أُولد، سيدي الرئيس حقاً سيأتي يوم ونفطر في القدس ولكن حتماً عندما يأتي ذلك اليوم وأكون قد كبرت وطبعاً لم أنس لن أدعوك على الإفطار، فقط سأنتشل بيتي من الدمار وستعود أمي من الطابور بقلب ملتئم فرح وسعيد، ولن أبكي بعد اليوم فلم أعد خائفاً فلا دخان أو نيران تشتعل في سريري وليس هناك ما يتربص بي إن نطقت الشهادة أو ذهبت إلى كنيسه فأنا حر كما تعلم والأرض كلها موطن لي.
 
"سيدي الرئيس" لا أعلم حقاً إن كنتُ مع أو ضد هذا الإعلان، صحيح أنه كمن يضع الملح على الجرح والجبيرة عله يشفى الكسر، يذكرك بالنكبات التي حلت ويعطيك أملاً بأن الخلاص قادم لا محاله، وتظل مشتتاً بين ما كان وما سيكون، سيرى الأطفال هذا الإعلان وربما يحفظونه عن ظهر قلب ويظلون يرددونه، هو يعطي أمل لكنه لا يعطي حل، للإعلام دور كبير في تكوين أفكار وآراء المجتمع ولكن نصف الرؤية لا توصل إلى الهدف بل تبقيك مشتتاً بين الممكن وغير الممكن.

 

وبين انقسام الرأي لمن رحبوا بفكرة الإعلان ومن أنكروها لا يمكنك إلا أن تتخذ موقفاً محايداً فأنت ترى أن الاثنين على حق فكل يأخذ الأمر من وجهة نظره، وإن تحدثت عن نفسي فقد أعجبني الإعلان خصوصاً بعد الأوضاع الأخيرة ونقل السفارة الأمريكية إلى القدس لجعلها عاصمةً لإسرائيل، ورغم إنكارنا لهذا الأمر وعدم اعترافنا به بقيت الأوضاع على حالها، قام العالم وقعد عند إعلان القدس عاصمةً لإسرائيل واستغل المستعمر انشغال الوطن العربي بالإعداد لشهر رمضان ليخط نكبة جديدة يلحقها بسابقتها، وراح ضحاياها أطفال وشباب من غزه ونزفت فلسطين وحدها قبل دخول الشهر الكريم، لذا كان الإعلان كشهادة استنكار لكل ما يحدث في العالم الإسلامي أجمع وفي فلسطين خاصه.

 

لا تضعوا الملح على الجرح ما لم تكونوا متأكدين أنه قد يطهره، وبعض الكلمات لا تعدوا أن تكون مسكناً للألم لكنها حتماً لا تقوم مقام الدواء.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة