حماس ليست إيرانية.. ولكنها أتقنت السياسة

تقلبات واضحة وتغيرات كبيرة شهدناها منذ سنتين ونيّف في طبيعة العلاقة بين حركة المقاومة الإسلامية (حماس) مع كل من سوريا وإيران، لا سيما في ظل ما شهدته الدول العربية من أزمات على المستويين الداخلي والخارجي، حماس تسير اليوم على خطى جديدة، وهي في طور تغيير مواقفها المعروفة تجاه حلفائها. في الرابع والعشرين من شباط 2012 تخلت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) عن نظام بشار الأسد وأيدت الانتفاضة الشعبية في سوريا، أتى ذلك بعد تصريحات أدلى بها الأستاذ خالد مشعل رئيس المكتب السياسي -الأسبق- للحركة، عندما قال: "من وقف معنا في الحق لا نقف معه في الباطل".

 

كسر العلاقة مع نظام الأسد

كانت تصريحات قادة حركة حماس لدعم المتظاهرين السوريين والتخلي عن مقراتهم في دمشق، مؤشراً على كسر الحركة في غزة علاقتها مع سوريا، وأظهرت نمط شراكات متغيّرة للتأقلم مع شرق أوسط متغيّر يشهد تحركات شعبية وثورات داخلية. بالرغم أن حماس كانت قادرة في السابق على التحالف مع القوى السنية، والاستفادة في الوقت ذاته من المعونات وكرم الضيافة من قبل القوى الشيعية في سوريا وإيران، إلا أن تقسيم المنطقة الطائفي المتنامي وضع المجموعة في موقع اضطرت فيه لاختيار أحد الجانبين، فمالت لإيران لضمان استمرار الدعم، ذلك بعد تخلي غالب الحكومات العربية عنها، وشح تبرعات الشعب السنّي لها، والتواطؤ العربي والدولي في دعم صمود الشعب الفلسطيني المحاصر في غزة.

 

إن إعلان حماس وقوفها إلى جانب الانتفاضة الشعبية في سوريا تسبب للحركة بانتقادات قاسية من جانب إيران التي تعتبر الحليف الوفي لسوريا والراعي للحركة في الوقت ذاته. التغيير في سياسة الحركة ومواقفها، بدأ عندما ألقى زعيم حماس في غزة إسماعيل هنية، كلمة أمام المصلين في الجامع الأزهر في القاهرة أواخر فبراير/ شباط 2012، أعرب فيها عن احترامه ودعمه لشعوب الربيع العربي، وحيّا الشعب السوري في سعيه لنيل الحرية والديموقراطية والإصلاح. هذه التصريحات لم تقتصر على هنية، إذ خاطب القيادي البارز في حماس، صلاح البردويل، آلاف المصلين الفلسطينيين قائلاً: "ليس هناك أي اعتبارات سياسية من شأنها أن تجعل الحركة تغمض عيناها عما يجري في سوريا".

 

النأي بالنفس عن الهيمنة الإيرانية
علينا ألا نقف عند التصريحات الإعلامية التي يدلي بها إخواننا في حماس، ولو فيه ما يجرحنا ويؤلمنا حقيقة، لأن المصاب جلل وواجبنا تغليب حسن الظن في إخواننا أولاً

الحركات والجماعات الإسلامية السنية في الشرق الأوسط -من ضمنها حماس- بدأت تنهض وتأخذ بزمام أمورها، وتنأى بنفسها عن الهيمنة الإيرانية، وهذا الأمر بدا واضحاً في نفي البردويل أن حماس تلعب دور الوكيل عن إيران في حال هاجمت إسرائيل المنشآت النووية الإيرانية. أوضح البردويل أن طهران ستدافع عن نفسها أمام أي هجمات محتملة من جانب تل أبيب، وأن حماس غير معنية بأي حرب بالوكالة في الأزمة النووية الإيرانية، مشيراً إلى أن حماس لا يمكنها السكوت أو إغماض العين عن سفك الدماء والمجازر التي تشهدها سوريا على أيدي قوات الرئيس السوري بشار الأسد. في الوقت ذاته كان هناك العديد من المسؤولين في حماس أصروا على أن سياستهم كانت محايدة ومؤيدة للشعب السوري، وليس ضد الأسد، السبب الأساسي لذلك هو أن هناك نصف مليون لاجئ فلسطيني يعيشون في سوريا، وقد يواجهون عواقب نتيجة "عدم ولاء" حركة حماس للنظام السوري، فهم لا يريدون تكرار غلطة الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات، وذلك إثر وقوف عرفات إلى جانب العراق في الأزمة التي وقعت بين العراق والكويت العام 1991، ما تسبب في طرد نحو نصف مليون فلسطيني من الكويت. بعد دعم حماس الانتفاضة الشعبية في سوريا، بات تعامل حركة حماس مع إيران مبهماً، وقال وقتها قادة حماس إن الحركة ليست لديها نية لمراجعة علاقاتها مع طهران لتستمر في تلقي التمويل.

 

تضييق سياسي وحصار اقتصادي

وأصر المسؤولون على أنهم لا يعتمدون على التمويل الإيراني بشكل تام، لا سيما وأن بردويل أشار إلى أن التمويل انخفض باطراد على مدى السنوات الماضية، وتم التضييق المالي والسياسي على حماس، ذلك بسبب دعم الشعب السوري الثائر. قال مسؤولو حماس في غزة إن الحملة السورية ضد الاحتجاجات الشعبية أجبرت قيادة حماس في دمشق على البحث عن قاعدة جديدة، وبرزت مصر، التي لديها معاهدة سلام طويلة الأمد مع إسرائيل، كمرشح لاستقبال مسؤولي الحركة، فيما ضغطت قطر من أجل التوصل إلى اتفاق بين حماس وفتح، للتعويض عن التمويل الإيراني الضائع.

 

لا شك أن سقوط نظام بشار الأسد فيه إضعاف لحزب الله وإيران، وحماس حركة براغماتية، لذلك بدأت باتخاذ خطوات في اتجاه التحالف السني بداية. عزز الربيع العربي حرية قادة حماس في غزة، وإمكانية جمع التبرعات، وفتحت مصر معبرها الحدودي لبعض سكان غزة في مرحلة تولي الرئيس المصري محمد مرسي، كما يعمل هنية على كسب ود الحلفاء مؤخراً خلال رحلاته الاولى الى خارج قطاع غزة منذ العام 2007، حيث زار مصر والخليج العربي وإيران. وقال محمود الزهار، أحد كبار قادة حماس: "يمكننا كسب ثمار هذه الثورات من دون التدخل، فالعديد من الدول التي رفضت قادة حماس تغيّر اليوم مواقفها".

 

تضحية حماس في سبيل نصرة ثورة سوريا
  
 

علينا ألا نقف عند التصريحات الإعلامية التي يدلي بها إخواننا في حماس، ولو فيه ما يجرحنا ويؤلمنا حقيقة، لأن المصاب جلل وواجبنا تغليب حسن الظن في إخواننا أولاً، ولأنه لا يستطيع أحد أن ينكر مساهمة شخصيات بارزة من الجناح العسكري لحماس في مساعدة الثورة بما لديها من خبرات متنوعة، وهذا كنت شخصياً شاهداً عليه وعن كثب مطلع العام 2013 في محيط العاصمة السورية.

 

عدم وقوف حماس في صف إيران والنظام السوري في الفترة بين 2012 و2016 مع ما عانته من قطع لدعمها من إيران، وتضييق سياسي عليها، هو أكبر تضحية تقدمها لثورتنا، لكننا أضعناها بمراهقاتنا وتخبطنا، كما أضعنا الكثير من الفرص الذهبية، فخسرنا ود حلفاءنا وزاد عدد أعدائنا وتناقص أصدقاءنا، ما زاد كم التضييق على أهلنا، فبالنهاية السياسة مصالح، والمصالح تجدها عند الأقوياء المنتصرين أصحاب المشروع، لا المتشرذمين المتصارعين الذين عجزوا عن تكوين مشروعهم بعد ثمان سنوات من الثورة.

 

مختصر الكلام.. علينا ألا نلوم حماس ولو أخطأت، فهي لم ترسل مقاتليها لمؤازرة إيران في سوريا أو العراق، كما أنها لم تقدم أسلحة ولا دعماً لوجستياً لمجرمي الحرب في سوريا، يجب اعتبار تصريحاتها أنها ناقوس الخطر الأخير، وإن فتح أي جبهة جديدة على حماس، أو محاولة إسقاطها والطعن المستمر بها، هو عمالة مجانية تقدم لأعداء الأمة، وزيادة في تفتت الصف السني المتفتت أصلاً، ومحاولات جرّ الحركة لجبهات جانبية وساحات مواجهة سياسية هي بغنىً عنها هو إضعاف لها، وبالتالي زيادة في تشرذم أهل السنة الذين صاروا أقلية في المنطقة، ينتهشهم القاصي والداني، ومساهمة في زيادة الانكسارات.

 

في النهاية.. أنا مواطن عربي سوري، أنتمي لثورة الحرية والكرامة، معنيٌ في الدفاع عن كل من يناضل ويكافح عن هذه الأمة، وأذب عنه وأنافح ما استطعت، كان هذا شخصاً أو حزباً أو فصيلاً أو دولة، لا أنتمي لا لحماس ولا للإخوان ولا لأي حزب سياسي آخر، وسيتم تصنيفي في جملة التصنيفات الجارية، سأشتم وأحارب وأهاجم كغيري -هذا لا يعنيني- فلأن أصنف في صف الثابتين على مبادئهم الراسخين في إيمانهم بقضيتهم، المتمسكين بحقوقهم لهو شرف عظيم أحظى به.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة