يا صاحبي.. هكذا هي الحياة!

blogs تأمل

تطرح الحياة أحدنا أرضًا بطريقةٍ مدوّية يسمعُ صداها في نفسهِ زمنًا طويلًا، تكبُر مخاوفه ويقتات القلق عليه دون قوّة منه ولا حول، يمضي منتصب القامة، واثق الخطي، مشرق الابتسامة، وفي الصّدر ما في الصّدر من همومٍ تختلج. تحتشد الآن في عقلي الكثير من الدّوائر، الكثير منَ الصّور، والكثير من الّذي لا يُحكى والمفضوح في عينّيّ، كل شيء يبدو أمامي دائريّا، الطرق التي تنتهي من حيث بدأت، الخيبة، التّرقب، والكثير من خبايا الوجدان.

 

كنت أسير في صباحاتي الهادئة دون أن يفضي سيري ذا إلى وصولٍ ما، إلى غايةٍ محدّدة، أو إلى نقطةٍ أصبو إليها، وكأنَّ السّير بات ديدني الرّفيق؛ كنت أُطالع ساعة هاتفي بين حينٍ وآخر خشية أن يسرق السّير قدميّ وأن تلسعني عقارب الزّمن بعد فواته، فإذ بي ذات اختلاسة نظرٍ تقع عينِي على رسالةٍ قد وصلتني حديثًا: "لقد بدا من الواضح عليكِ انتفاء الرّوح منكِ لولا مداخلاتك الجيدة". تردّدت كثيرًا قبل أن أكتب، ولكنَّ سطوة الكلمات كانت أقوى من انكفائي هذه المرّة، فكتبتُ:

"يا صاحبي لا مزيد من الكلام عندي ليُحكى، إنّما يحتشد في حلقي فيضٌ عارم من السّكوت، ولولا قناعتي بأنَّ الإصبع الثرثار لا يُحدث ركاما من ندم لمَا كتبت! إنَّ مشكلتي الدّائمة تكمن في أنّني أشعر كثيرًا، وأتوغّل في أزقتي الدّاخلية بإفراط، أُلامس جراحاتي وأتسلّل عبر ثقوبي الكثيرة، أتقلّب بين عتمة وضوء، أدوس على مواطن فتور الهمم منّي حتى أرديها هالكة، وتشمخ النفس في سماوات الطّموح رغمًا عن أنفِ ألفِ قيد.

لا أعلم الحكمة مما يجري لكنّي أؤمن بوجودها، لا عليك فلن يفدك التّحديق في عينّيّ شيئًا، ولا تفجع لحال بحر العسل فيهما وقد صار شجنا عميقًا لا قعر له ولا حدّ!

يا صاحبي إن الحياة لا تفتأ تفقد قيمتها ويخبو فتيلُها كلّما داست بظلاميّتها وبطشتها على كلِّ هدفٍ سامٍ ومعنًى نبيل، وشرّدت أخيارها وأقصتهم عن مرابعنا، ولكنّي أعلم يقينًا أن حياة المؤمن لا تلبث أن تعج بالمحكات، بمعتركات الحياة التي تكاد تطرحه أرضًا لولا إيمان متعامق في النفس بأن العزة للمؤمنين وأنَّ خير العاقبة للصّابرين، وقد صدق الحق في كتابه الجليل لما قال:"وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ". وكفى بكتاب الله مواساة عظيمة لنكباتنا المتتالية.

هذه الحياة في حقيقتها قد تفقدك كل شيء جميل، كل مذاق شهيّ، وتذوي منها كل اللّذات، أما حياة المؤمن الوقادة فما تلبث أن تكسر هذه العوائق وهو الكادح والمخلوق في كبد، وإنّني أؤمن باتّقاد روحي لا انتفائها، هذا الإيمان حريٌّ بأن يبصرني الطّريق جيّدا ويقتات عليه قلبي، تلك المضغة التي يقتات عليها الخوف السّحيق ليالٍ مديدة.

يا صاحبي لا تذهل من خوفي رغم كل ذلك، ولكن ثق أن من ضري بالأحلام لا يهنأ وإن تقلب في نعيم، جبلنا على السير، أن نطأ شوامخ الجبال ونواصي القمم، هكذا حريّ بكلّ من رغب في الرّفع من شأن دينه مادام حيّا، وأسأله -جلّ وعلا- أن يوفقنا لذلك. يا صاحبي أنا لا أعلم الحكمة مما يجري لكنّي أؤمن بوجودها، لا عليك فلن يفدك التّحديق في عينّيّ شيئًا، ولا تفجع لحال بحر العسل فيهما وقد صار شجنا عميقًا لا قعر له ولا حدّ! لا تحاول فإنك ما إن تسبر غورًا حتى تفجع بأغوارٍ متتالية لن تزدك إلا حيرة دون أن تصل لدليل.

يا صاحبي تمرُّ بي هذه النوازل فتغرقني في أسًى شفيف يُحيلني إلى طيف بلا أثر، وأخالك رأيتني على هذه الحالة حينما كتبْتَ إليّ ما كتبت، واعلم يا صديقي أنّها للقلب كالزاد، نزداد محنًا فنزداد صلابة، وكأن هذا الرّأس يأبى أن يطأطئ أبدًا ما خلا لحظة ركوعه وسجوده لله. يا صاحبي أعلم أني ضقت ذرعا بكل شيء، بربّك قل لّي! ما الجدوى من كوني ذكية؟ من فصاحتي الهشّة التي يمتدحها الآخرون وأمقتها في نفسي؟ ما الجدوى من جودة إلقائي الّذي يروق لك ولا أحبّه وكل هذ الخواء المقيت يتفشّى في عالمنا!؟ إن قلقي من كل شيء وعلى كلّ شيء يكاد يفوقني قوة، ولا رادّ لشرّه إلا الله، فادعهُ لي في خلواتك فإنه يعلم السّرَّ وما يخفى".