والله متم نوره

blogs فلسطين

"أنا لا أعرف ما هي الأسلحة التي سوف تكون في الحرب العالمية الثالثة ولكن الحرب العالمية الرابعة ستكون بالعصي والحجارة" هذا ما قاله يوما ألبرت أينشتاين، لكن عن أي حرب عالمية ثالثة يتحدث أينشتاين ونحن لا زلنا لم نغادر مرحلة الحرب الباردة التي نقلتها روسيا وأمريكا علنا إلى حلبة تدعى الشرق الأوسط فاستهلكتا فيها ما لذّ وطاب لهما من دماء العرب في إطار كوميديا تراجيدية يصلح فيها قول الماغوط "كل طبخة سياسية في المنطقة أمريكا تعدها وروسيا توقد تحتها وأوروبا تبردها وإسرائيل تأكلها والعرب يغسلون الصحون".

عن أي حرب عالمية ثالثة يتحدث ونحن أيضا لا زلنا ندور في الحرب العالمية الكبرى التي يحرّكها اليهود ضدّ الإسلام مذ بشّرهم عيسى بن مريم برسول يأتي من بعده اسمه أحمد. ولعليّ استنادا على ما يحدث في بلاد المسلمين وما آل إليه واقعهم قد أجيب أينشتاين وأخبره أن الحرب العالمية الثالثة التي تقصدها تدار بأسلحة نفسية تقوم على صناعة الخوف والرداءة والطاقة السلبية في بلاد الإسلام وتوريثها. إنّه حقّا الوهن ها نحن نعيشه، فالناس يلهثون خلف الدنيا وجلهم عن الآخرة غافلون.

في الحرب النفسية التي شنّت على أرضنا يغرسون الحزن ويزرعونه في كل بيت مسلم، يزرعون الرداءة في كل ركن، والعجيب أنّ الطالح والصالح يتقاسمانها حتى لا نكاد نفرّق بينهما حاشى المصلحين. أيّ سياسة محكمة هذه التي تجعل نسب الاكتئاب والاحتراق النفسي والقلق والضغط وغيرها من الأمراض النفسية في ارتفاع؟ أيّ سياسة هذه التي نجحت في التضييق على الفرد من كل الجهات، فنشرت الجوع والفتن والأمراض والبطالة والجهل والتضليل، مسّت المجتمع بجميع مؤسساته التربوية والدينية والاقتصادية والسياسية وغيرها، فلم يعد المعلم معلما ولا الإمام إماما ولا طالب العلم طالبا إلا ما رحم ربي.

 

أيّ سياسة هذه التي تحارب الشريعة الإسلامية بالمختصين فيها، فتجد المكلف بشؤون الدين أوّل من يحارب الدين ويبعد الناس عنه!

أي سياسة هذه التي تضع الإنسان غير المناسب في المكان غير المناسب عمدا، أيّ سياسة محكمة هذه التي تخطّط سنويا لغلق اختصاصات جامعية وفتح أخرى لا تمتّ للعلم بصلة وتوجّه الطلاب عكس رغباتهم حتى يسود الكره والترقيع ويختفي الإخلاص في العلم والعمل، وتعمل على غرس الغباء في الطفل وتحرير المرأة لتتعدى حدود الله. أيّ سياسة تخويف هذه التي جفّفت القيم والمعاني السامية في الحياة ورسّخت الرداءة والأخلاق الفاسدة فصارت معتادة وعادية في مجتمعات لم تعد تستحي.

 

أيّ سياسة هذه التي تحارب الشريعة الإسلامية بالمختصين فيها، فتجد المكلف بشؤون الدين أوّل من يحارب الدين ويبعد الناس عنه! أي سياسة هذه التي تحاول طمس الهوية الإسلامية والعربية في أوطاننا بل حتى تاريخنا، فأخذت تشوّه صفحاته وتنشر الإلحاد داخلنا. أي سياسة هذه التي تغسل الأدمغة وتقتل روح الحب والعمل والتربية في قلوب الناس فقضت على أخلاقهم وسهّلت لهم طريق الضلال.

 

أي سياسة محكمة هذه التي تزرع البلادة النفسية داخل الشعوب عن طريق تقنية التعزيز حتى تصبح أخبار الموت عادية. أيّ فنّ هذا الذي يكمّم الأفواه ويرصف حجارة الجهل ويملأ الفراغات بالمطبلين ويوجّه خطب الجمعة ويقيّد الحريات ويسجن دعاة الحق ويعلّي الطواغيت؟ وأذكر هنا قول أحدهم "إذا أعطي المسلمون الحرية في العالم الإسلامي، وعاشوا في ظل أنظمة ديمقراطية فان الإسلام ينتصر في هذه البلاد، وبالدكتاتوريات وحدها يمكن الحيلولة بين الشعوب الإسلامية ودينها" فيا لها من سياسة ناجحة ومتقنة!

لقد صدق صدام حسين يوم قال "إن الصهيونية المسيطرة على مقدّرات العالم اليوم لا تسمح بظهور قائد عربي مسلم يحبّ أن يسير على خطى أجداده من القادة التاريخيين العظماء، بل تريد القادة العرب والمسلمين مجرّد موظفين صعاليك يسهرون على حماية المصالح الصهيونية في بلادهم مقابل حفنة من الدولارات، تماما كما يُعلف الحمار تمهيدا لتكليفه بمهمة شاقّة". كيف لا ولم نعد نربّي بل نشكّل بالطاقة السلبية والأنانية والدلال أو العنف أطفالنا فدمرناهم.

 

كم من أم وأب يحلمان اليوم بتنشئة قائد يبعث الأمة من جديد؟ كم من أم وأب يسهران اليوم لأجل هذا الهدف، لأجل أن تعلو راية الإسلام؟ القائد المسلم الذي يخشاه أعداء الإسلام فقال فيه بن غوريون "إنّ أخشى ما نخشاه أن يظهر في العالم العربي محمد جديد"، فكم من دكتاتور ينام اليوم في مهده بفسادنا ونحن نحاول إرسال آخر إلى لحده.

وعليه، ليتنا نعود إلى الله، ليتنا نؤمن بقوله تعالى "وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ" ليتنا نعالج أوضاع مجتمعاتنا بالعودة إلى تعاليم ديننا، ليتنا ندرس الإسلام كما درسه أعداؤه وأعرّج هنا على ما قاله مونتجومري وات "إذا وجد القائد المناسب الذي يتكلم الكلام المناسب عن الإسلام، فإن من الممكن لهذا الدين أن يظهر كإحدى القوى السياسية العظمى في العالم مرة أخرى." ليتنا نعود ونكفّ عن التكفير والتصنيف والكسل والتخاذل وتوجيه أصابع الاتهام لبعضنا البعض.

 

إنّنا نشهد نوعا من الردة، ارتداد عن الحق يجسده الرئيس والمرؤوس ومن يسمون أنفسهم علماء، فأخذوا يحلّلون ويحرّمون كيفما شاءوا 
إنّنا نشهد نوعا من الردة، ارتداد عن الحق يجسده الرئيس والمرؤوس ومن يسمون أنفسهم علماء، فأخذوا يحلّلون ويحرّمون كيفما شاءوا 
 

إنّ حالنا يذكرني كثيرا بقصة عرضها أستاذ علينا في الجامعة عن فتاة قُتلت في الشارع أمام جيرانها في إحدى المدن الأمريكية فلم يقم أحد منهم بإبلاغ الشرطة وحين قام باحث بدراسة السبب وجد أن كل فرد كان ينتظر من الآخر أن يتصل واعتقد كل واحد منهم أن جاره اتصل. هكذا هو حالنا نسمع أخبار الظلم وننام لست أدري أنفعل لأننا متأكدين أن هناك من يسهر على نبذ الظلم وإرساء الحق أو لأننا لا نكترث!

يستيقظ المسلمون يوميا متأكدين أن الساعة غير آتية متناسين قوله تعالى "إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا" يعتقدون أن حياتهم في مأمن ولن تقوم الساعة حتى تتوفر لهم جميع علاماتها فتجدهم يصبرون أنفسهم بالأجيال القادمة فيتهاونون، يبصمون بالعشرة على قول مائير فيما يتعلق بانتصار المسلمين "هؤلاء المسلمين ليسوا من نراهم الآن، ولن يتحقق ذلك إلا إذا رأينا المصلين في صلاة الفجر مثلما يكونون في صلاة الجمعة".

 

فيا أسفاه، يقرّون بخطاياهم ويتغافلون عن قول ربنا "إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا" لاسيما مع عدد المعتنقين المتزايد للإسلام في زمن الردّة عنه. إنّنا نشهد نوعا من الردة، ارتداد عن الحق يجسده الرئيس والمرؤوس ومن يسمون أنفسهم علماء، فأخذوا يحلّلون ويحرّمون كيفما شاءوا كأنهم لم يقرؤوا "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَٰلِكَ فَضْل اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ" فكم من مبطل للحق نسي أنّ الله متمّ نوره!