هكذا يساهِمون في تدمير المجتمعِ الجزائري

مدونات - الجزائر

كل دساتير الجزائر تنص على أنّ الدين الإسلامي هو دين الدولة وأنّ اللغة العربية هي اللغة الوطنية والرسمية للجزائر وكذلك كل الأدبيات والوثائق الرسمية وقوانين الدولة الجزائرية، ولكن في الواقع لا شيء من كل ذلك. تبقى الجزائر استثناءً من دول العالمِ الذي لا يحترم قوانينه ودستوره بل وتعمل حكوماته على طمس معالم كيانه الثقافي واللغوي وتدمير المناهج التعليمية لأجيال الغد، وجر البلد إلى مستعمرته السابقة وبمال الشعب الجزائري. وإلا فما معنى ترسيخ لغة المستعمر في كل نواحي الحياة بالرغم أنّها لغة ميتة ليست لغة علم ولا تكنولوجيا ولا مستقبل.

يتحمل النظام الجزائري الجزء الأكبر من هذه المأساة وتبذير المال العام في نشر ثقافة ولغة المحتل. إن الأموال التي تصرف على إحياء لغة المستعمر وثقافته تكفي بناء جامعات ومعاهد علمية تنتج لنا نخب حقيقية للجزائر، تكفي لبناء مدن ذكية وسكنية كبيرة لشعب يسكن الأكواخ والمغارات. يمكننا القول أنّه اجتمعت عدة عوامل أدَّت إلى تدهور القيم المجتمعية التي كان المجتمع الجزائري يفتخر بها على رأسها: 

 

1 – ضعف الوازع الديني‮ ‬وسيطرة الجانب المادي،‮ ‬حيث تمّ‮ ‬الفصل بين الدين والالتزام بتعاليمه في‮ ‬حياة الناس،‮نجدها عند الطلاب وحتى الأساتذة والمعلمين تجدهم يقارنون الواقع المادي‮ ‬المزري‮ لهم بحالة أصحاب الثراء والأموال‮.‬وهذا يعتبر انسلاخ عن التوجهات الجوهرية لميدان عملهم.
2 – ‬تخلي الأسرة عن ممارسة دورها التربوي‮ ‬وحمَّلت المسؤولية للمدرسة وحدها لتواجه مصير الأجيال،‮ ‬فتكالبت عليها ضغوطُ‮ ‬المجتمع بكل مؤسساته وأطيافه‮ فكان النظام الجزائري هو المتسبّب في ضياع دور الأسرة في تربية الأجيال.

 

إذا كانت المدرسة هي‮ ‬رافعة لواء إصلاح منظومة القيم داخل المجتمع،‮ ‬وستبقى،‮ ‬فقد آن الأوان لإعادة النظر في‮ ‬المناهج والمقررات الدراسية لما لها من انعكاسات على هذه المنظومة

3 – ‬مسؤولية وسائل الإعلام بكل أنواعها،‮ ‬إذ لم تعُد محتويات الكثير منها ذات توجّه أخلاقي‮ ‬بِنائي‮ ‬بل تجاري‮ ‬محض ومهدِّم للآداب‮ ، وهذا الذي يحدث في شهر رمضان المبارك في قنواتنا الجزائرية من برامج تدعو إلى تفكيك الأسرة وتضييع بوصلتها.
4 – عدم مواكبة المجتمع الجزائري للعولمة الإيجابية المجتمعات،‮ ‬وأصبح شبابها ‬يعيش في‮ ‬أوساط مخالفة لقِيَمنا وعاداتنا،‮ ‬فاتخذ نماذج أخلاقية وقدوات لا ترتبط بنا لا من بعيد ولا من قريب،‮ ‬ولك أن تتأمل في‮ ‬تسريحات الشعر ونوعية وشكل ملابس طلابنا وطالباتنا‮ في مدارس وجامعات الجزائر.

 

5 – ‬تخلي‮ ‬بقيّة مؤسسات المجتمع الأخرى عن دورها التربوي‮ ‬كالمسجد ودور الثقافة ومراكز الشباب وغيرها‮.
6 – ‬تبني‮ ‬الكثير من القائمين على رسالة التدريس طرائق عمل بالية وعقيمة في‮ ‬تعليم القيم والأخلاق؛ إذ تُقدَم للأجيال كمعارف مباشرة وجوفاء،‮ ‬بدل أن تكون ممارسات حيَّة تُشاع في‮ ‬الحياة المدرسية وينتقل بريقها وأثرها خارجها إلى شتى مجالات الحياة،‮ ‬فليس التعلم أن تَحفظ الحقائق عن ظهر قلب بل أن تعرف كيف تفكر وماذا تفعل ؟

7 – ‬إشكالية العلاقة بين التلميذ والأستاذ والإدارة المدرسية،‮ ‬إذ لم تعد الأخلاق هي‮ ‬الحاكمة لتلك العلاقة في المنظومة التربوية في الجزائر،‮ ‬بل أصبحنا أمام علاقات صراع وتمرُّد وعنف ظاهر وخفي،‮ ‬وتخلى الجميع عن الانضباط فتخرّج في‮ ‬هذه المدارس جيلٌ‮ ‬من الفاشلين والمنحطين والمشاغبين،‮ ‬إلا من رحم ربك‮.‬

  undefined

 

8 -فشل القائمين على إعداد مناهج التدريس وبرامج الإصلاح طرائق عمل بالية وعقيمة في‮ ‬تعليم القيم والأخلاق؛ إذ تُقدَم للأجيال كمعارف مباشرة وجوفاء،‮ ‬بدل أن تكون ممارسات حيَّة تُشاع في‮ ‬الحياة المدرسية وينتقل بريقها وأثرها خارجها إلى شتى مجالات الحياة،‮ ‬فليس التعلم أن تَحفظ الحقائق عن ظهر قلب بل أن تعرف ماذا تفعل بها؟‮.‬

  
وللخروج من هذا الوضع المجتمعي ‬المتأزم،‮ ‬لابد أولا أن‮ ‬يقتنع القائمون على منظومة الحكم في الجزائر بإمكانية التغيير والتعديل،‮ ‬فعملية إعداد مجتمع إيجابي تحتاج إلى وقت طويل وصبر كبير،‮ ‬وأن نتعاون كلنا على حمل راية الإصلاح،‮ ‬خاصة الأسرة،‮ ‬لأن هذه الرسالة أهمّ‮ ‬من أن تُترك في‮ ‬أيدي‮ ‬المعلمين وحدهم قصد ضبط سلوك أبنائنا وبناتنا وكفِّهم عن الممارسات التي‮ ‬تتعارض مع قيَم المجتمع وأصالته‮.‬

 
وإذا كانت المدرسة هي‮ ‬رافعة لواء إصلاح منظومة القيم داخل المجتمع،‮ ‬وستبقى،‮ ‬فقد آن الأوان لإعادة النظر في‮ ‬المناهج والمقررات الدراسية لما لها من انعكاسات على هذه المنظومة بما‮ ‬يجعل الفضاء المدرسي‮ ‬مجالاً‮ ‬لغرسها والتشبّع بها فكريا والتقيد بها سلوكيا‮.‬ وقبل ذلك،‮ ‬ينبغي‮ ‬الاهتمامُ‮ ‬بإعداد وتكوين المعلم في المدرسة والإمام في المسجد والموظف في الإدارة ،‮ ‬خاصة تلك الحشود الكبيرة من الطلبة الجامعيين بما‮ ‬يمكِّنهم من أن‮ ‬يكونوا منارات للعلم ومصابيح‮ ‬يَهتدي‮ ‬بها الجميع،‮ ‬فاعلين لمجد جزائر المستقبل ،‮ ‬ولا‮ ‬يرضى الواحد منهم بأن‮ ‬يبقى في‮ ‬موقف المتفرج أمام هذه المآسي‮ ‬وكأنه ذلك الضمير الغائب أو الذي‮ ‬لا محل له من الإعراب‮.‬
 
فإذا تهاون صنّاع القرار في‮ ‬أداء مهامهم واستسلموا للأمر الواقع،‮ ‬وفرَّط القائمون على شؤون التربية والتعليم في‮ ‬الاهتمام بركن التكوين،‮ ‬فنحن أمام منعطفٍ‮ ‬خطير‮ ‬يسير بالبلد نحو نَفقٍ‮ ‬مظلم،‮ ‬لأننا نحيا اليوم في‮ ‬عالم لا‮ ‬يسعُ‮ ‬إلا الأقوياء ولا مكان فيه للمهازيل الضعفاء‮.‬

 

أملنا أن نعيش ذلك اليوم الذي‮ ‬نرى فيه جودة راقية للتعليم في الجزائر وقد خرَّج أجيالا واعية مقدامة في‮ ‬طلب العلم،‮ ‬جادة في‮ ‬خدمة الجزائر،‮ ‬متمسكة بتلك القيم الأصيلة والنبيلة‮ التي جاء بها بيان أول نوفمبر 4591م.