عنف وخصومات.. كيف أفسدنا أخلاقيات الشهر الكريم؟

BLOGS خناق

لعل شهر رمضان من أعظم الشهور وأفضلها في الشريعة الإسلامية؛ لأنه مناسبة للتقرب إلى الله بعبادة الصوم التي هي ركن من أركان الإسلام؛ ولأنه الشهر الذي أنزل فيه القرآن؛ وفيه ليلة هي من أفضل ليالي السنة كلها، ليلة القدر. فيه يسمو العبد بروحه؛ يروضها على الزهد والفقر والقناعة والمسكنة؛ ويمرنها على الصبر والحلم وكبح جماح النفس وشهواتها. فيقاسم الفقير فقره؛ والمحروم حرمانه؛ والمسكين مسكنته؛ ولعله بذلك يقدر أثر نعمة الله عليه فيشكر؛ ويعلم رحمة الله به فيذكر؛ ويرى فضل الله فيحمد الله عز وجل.

كما يفعل الحاج الذي يتجرد من مخيطه مرتديا رداء لا يستر إلا الضرورة من جسده؛ متساويا في ذلك مع الفقير والمسكين؛ والمعدم الذي لا يجد ما يسد رمقه. إلا أن العبد لن يكون بهذا الإحساس تجاه البؤساء والمحرومين في الأرض؛ وبهذا الوعي بفضل الصوم وأهدافه؛ ما دام يصوم تقليدا واتباعا للسائد دون معرفة بميزة الصوم ولا غاياته؛ بل وحتى دون قناعة راسخة. مثل هذا لن يكون صومه سوى إضرابا عن الطعام ليوم كامل؛ ولن يكون صيامه إلا جناية على الناس؛ حيث يظل النهار بطوله يتهدد الناس ويتوعدهم بالويلات؛ متذرعا بأنه صائم؛ خصوصا إذا كان ممن ابتلوا بالتدخين أو ما شابهه.

لسنا نحاكم النيات؛ ولا نقلل من شأن تعبد الناس؛ ولكن بعض الظواهر تدعونا إلى هذا الزعم وتؤكده لنا؛ حيث يصادفنا أشخاص يكونون أكثر استعدادا للخصومة وهم صائمون

ولا يخفى على أحد عدد الخصومات التي تحدث يوميا لهذا السبب؛ في الأسواق والأحياء السكنية؛ والمساجد والمؤسسات ومجامع الناس عموما. فكم من واحد خرج من بيته للتسوق أو للصلاة في المسجد؛ أو لحاجة يقضيها؛ وإذا به يعود قاتلا أو مقتولا؟! لا لشيء؛ إلا لأن قاتله كان صائما؛ أو لأنه كان صائما؛ وكأن من يصوم تحل له دماء الناس وأعراضهم وأموالهم!

لن أكون مبالغا إن قلت مثل هاته الأحداث تقع يوميا داخل المجتمعات وبوتيرة متزايدة؛ ليس بين أيدنا أرقام تحصي ذلك؛ ولكن يكفي أن كل واحد منا ربما كان حاضرا يوما على نموذج ما، من هاته النماذج التي تنقل الصوم عن مقصده الشرعي الذي ليس سوى تهذيب النفوس وتزكيتها وكسر شهواتها؛ إلى مجرد إضراب إجباري عن الطعام؛ دون إخلاص نية؛ ولا احتساب أجر عند الله.

لسنا نحاكم النيات؛ ولا نقلل من شأن تعبد الناس؛ ولكن بعض الظواهر تدعونا إلى هذا الزعم وتؤكده لنا؛ حيث يصادفنا أشخاص يكونون أكثر استعدادا للخصومة وهم صائمون؛ حتى غدت ثقافة راسخة في بعض الأوساط وعند بعض الأشخاص؛ إذ قد يكون لك معه في سوى رمضان رد فعل معين؛ لا ينفعل له؛ ولا يلتفت إليه؛ وإذا حدث وفعلت معه نفس الفعل في رمضان؛ تلقى منه الويلات؛ وينالك منه ما الله به عليم.

من ينظر إلى أحوال الرعيل الأول من صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم وتابعيهم- في التدين؛ يجد فرقا كبيرا؛ وبونا شاسعا بين تدينهم وتديننا؛ حيث كان تدينهم مؤسسا على الصدق والإخلاص والحرص الزائد؛ بينما تديننا يكاد يكون مجرد تقليد واتباع صوري لا روح فيه؛ إذ لم يمنعهم صومهم ولا تعبدهم من العمل والجهاد والضرب في الأرض. علما أن إمكاناتهم كانت ضئيلة وزادهم كان قليلا؛ على عكسنا تماما حيث يكثر عندنا كل شيء إلا العمل المثمر والتطبيق الجاد.

إننا أمة ننخدع للمظاهر، نهمل الجوهر ونهتم بالمظهر؛ صار كل شيء عندنا يقوم على المظاهر؛ صار تديننا مظاهر؛ عبادتنا مظاهر؛ كل شيء؛ حتى سياستنا وفكرنا
إننا أمة ننخدع للمظاهر، نهمل الجوهر ونهتم بالمظهر؛ صار كل شيء عندنا يقوم على المظاهر؛ صار تديننا مظاهر؛ عبادتنا مظاهر؛ كل شيء؛ حتى سياستنا وفكرنا
 

وما زلنا نبعد النجعة ونبتعد؛ حتى غدت المظاهر عندنا سيدة الموقف؛ حيث ننام عن الفجر ونتخلف عن الصلاة في المسجد لليوم كله؛ حتى إذا جاء العشاء انكببنا على المساجد نملأ ساحاتها وطرقاتها نبغي صلاة التراويح؛ موهمين من يرانا أننا من سكان الجنة؛ متجاهلين أن ما نمنا عنه في اليوم كان فرضا وواجبا لا يقوم الإسلام إلا عليه؛ ولا يستقيم الصوم إلا به؛ وأن ما نسارع إليه وننكب عليه ليس إلا سنة؛ لا تقوم مقام الفرض ولا تبلغ درجته.

ألم نقل إننا أمة ننخدع للمظاهر؟ نهمل الجوهر ونهتم بالمظهر؛ صار كل شيء عندنا يقوم على المظاهر؛ صار تديننا مظاهر؛ عبادتنا مظاهر؛ كل شيء؛ حتى سياستنا وفكرنا. وإذا كان ذلك كذلك؛ فليس بغريب أن يكون صومنا صوريا؛ وحجنا صوريا؛ وزكاتنا صورية؛ وكذا صلاتنا. وليس بغريب أن يطغى على أفعالنا وسلوكاتنا مظاهر العنف والشدة؛ التي تنفر ولا تقرب؛ وتقصي ولا تدني. إذا كنا متناقضين في تديننا؛ فليس بغريب أن نرتكب الحماقات ونغلفها بغلاف ديني؛ ويكون فعلنا حينئذ هو عينه فعل أولئك المغرضين المتاجرين بالدين؛ الذين يفسدون ولا يصلحون؛ يخطؤون ولا يصوبون؛ يبعدون ولا يقربون؛ ثم يعلنون أنهم ناجون وسواهم هالك؛ وأنهم مهتدون وسواهم ضال؛ موزعين الجنة على من أحبوا؛ والنار من أبغضوا؛ جاعلين من أنفسهم خالقا للكون ومدبرا له؛ دون حياء من الله ولا وجل.