صلاح المثابر.. ظاهرة تعري تعصبنا القبلي القومي مجدداً

مدونات - محمد صلاح

في عالمنا العربي وتحديداً في القرون الثلاثة الأخيرة و"يا للأسف " قلما برزت ظواهر أدبية أو فنية أو اجتماعية أو علمية أو رياضية وتخطى تأثيرها الشرق الأوسط حتى الوصول لمصافي الظواهر العالمية .أسباب عديدة منعت التميز والإبداع في قلب بيوتنا وأحيائنا ومدننا ومجتمعاتنا خلال القرون الأخيرة الماضية حتى يومنا الحاضر يأتي في مقدمتها الحروب والاستعمار العسكري والاقتصادي والفكري إضافة للتعصب القبائلي والقومي والانغلاق على الآخر وليس آخرها إنتاج أنظمة عربية قمعية مستبدة ديكتاتورية إبان سقوط الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى وانتهاء النظام النازي بعد الحرب العالمية الثانية وما نتج عنها من قمع لروح الشاب العربي وسلخ أي محاولة للتفرد والتميز والتقدم والخروج عن المألوف. لست هنا بصدد تحليل الواقع العربي المؤلم على مر السنين ولا بصدد تفنيد دور الأنظمة الاستعمارية وما تلاها من أنظمة ديكتاتورية في قتل أحلامنا جميعاً كشباب عربي بل بصدد نقد ذاتنا وانجرافنا مع أهواء وأهداف الظلاميين سواء كانوا حكاماً أم أنظمة أم قبائل أم تنظيمات دون مقاومة أو ثورة على الواقع.

 

"لن أعيش في جلباب أبي" هي العبارة الرسمية التي وضعها النجم المصري العالمي محمد صلاح نصب عينيه ليكسر الانبطاح المعشعش في جيلنا ويتمرد على الواقع وينتقل من مراهق عربي متفرج على أساطير الساحرة المستديرة عبر شاشات التلفزة يَسعد بشراء قميص يرتديه لنجمه المفضل الإيطالي توتي أو البرازيلي رونالدو أو الفرنسي زيدان إلى حديث الساعة والعالم أجمع بل ليصبح أيضاً محط إعجاب وتقدير نجومه المفضلين عبر تصريحات يومية متناثرة هنا وهناك تملأ منصات التواصل الاجتماعي.

 

لا بد ومن المنطق بمكان أن يصبح صلاح مثالاً يحتذى به للشارع العربي من محيطه إلى خليجه مثالاً في التواضع مثالاً في الإنجاز مثالاً في التحدي والصبر مثالاً في التمسك بالمبادئ مثالاً بالالتزام الديني والانفتاح

أبو مكة المصري العربي المسلم أو ما شئت أن تسميه يفصله 90 دقيقة عن التربع على عرش المستديرة فنهائي دوري أبطال أوروبا الذي سيقام في العاصمة الأوكرانية كييف في 26/05/2018 وسيجمع بين ناديي ليفربول بقيادة صلاح وريال مدريد بقيادة البرتغالي رونالدو سيكون نقطة الفصل ففي حال انتصار الريدز الإنكليزي سيتوج صلاح رسمياً بلقب أفضل لاعب في العالم بحسب معظم المحللين المختصين بالشأن الرياضي وبالتالي تحقيق أول إنجاز عالمي للعرب على مر تاريخ رياضة كرة القدم.
 
صلاح الذي جمع المجد من كل أطرافه بعد سبعة شهور فقط على انتقاله من الدوري الإيطالي للدوري الإنكليزي حظي بمحبة واحترام الجماهير الرياضية الإنكليزية والعربية والعالمية وخاصة بعد تحقيقه لجائز أفضل لاعب بالدوري الإنكليزي الممتاز وجائزة هداف الدوري بـ 32 هدفاً محطماً أرقام قياسية عديدة أهمها عدد الأهداف في موسم واحد بـ31 هدفاً لكل من البرتغالي رونالدو والأروغوياني لويس سواريز والانجليزي آلان شيرار .سبعة شهور كانت كافية لصلاح ليقول لنا جميعا كشباب عربي: "العيب كنتيجة مقسوم بين سياسات أنظمتنا المليئة بالعفن والدم وبين كسلنا وتقاعسنا وانبطاحنا والاستسلام للفشل دون مجرد المحاولة".

 

صلاح الذي خرج من مصر أم الدنيا كلاعب مغمور قبل تسع سنوات بعد رفض نادي الزمالك ضمه لصفوفه من نادي المقاولين العرب لم ينتقل لنادي بازل السويسري إلا بعد اختبارات أداء وهذه الاختبارات لا تشمل المحترفين بل لاعبي الدرجة الثانية والثالثة والرابعة وبالتالي فإن الإيمان العميق لدى الفرعون المصري بأن الفشل والمحاولة مجدداً والصبر على المصاعب والثقة بالنفس هي أساس النجاح جعله يتخطى العقبات بسرعة قياسية ويتنقل بسلاسة بين دوريات سويسرا وإيطاليا وإنكلترا حتى الوصول إلى ما هو عليه اليوم من شهرة وإبداع واحترافية وفن ومهارة.. إلخ.

  

محمد صلاح (الجزيرة)
محمد صلاح (الجزيرة)

 

في ظل كل ماذكرته سابقا لا بد ومن المنطق بمكان أن يصبح صلاح مثالاً يحتذى به للشارع العربي من محيطه إلى خليجه مثالاً في التواضع مثالاً في الإنجاز مثالاً في التحدي والصبر مثالاً في التمسك بالمبادئ مثالاً بالالتزام الديني والانفتاح سوياً مثالاً في التمرد مثالاً في المجازفة مثالاً في اللامستحيل. ولكن الحقيقة الملموسة تبدو مغايرة على أرض الواقع وبتعبير أدق على مساحات العالم الافتراضي من يتابع السوشيل ميديا جيداً سيرى أن صلاح لم يوحد الشبان العرب على حبه واتخاذه رمزاً أو ملهماً يجب الاقتداء به لكسر الواقع المزري الذي نعيشه.

 

اترك المقال الذي تقرأه حالياً لثواني معدودة افتح تطبيق تويتر ابحث عن صفحة محمد صلاح الرسمية اقرأ التعليقات لأي منشور أو صورة للاعب وستفهم سريعاً ما أردت إيصاله. هذه التعليقات المشينة المليئة بالعبارات العنصرية والتعصب المناطقي والقبلي والسياسي والديني ما هي إلا وليدة "اللاشعور واللاوعي" لكل شاب نشأ وتربى في هذه البيئة العربية الممتلئة بالأمراض الفكرية المغذاة بشكل متعمد من قبل الأنظمة الاستبدادية للبقاء في الحكم "إلى الأبد" واللعب على حبال "فرق تسد". صلاح ليس أداة لتلميع صفحة النظام المصري الانقلابي وليس رسولاً جديداً بعثه الله عز وجل للدعوة للإسلام وتحسين صورته التي يشوهها المتطرفون وداعميهم في الغرب وليس قائداً عربياً سيحرر فلسطين من أيدي المحتل الصهيوني وبالمقابل من غير المعقول والمقبول إن كنت أمازيغياً أو كردياً أو شركسياً أو أرمينياً أو مسيحياً أو شيعياً أو يهودياً أو علمانياً أو ملحداً تقطن الوطن العربي أن تكره صلاح وتلقي عليه الشتائم والإهانات لأنه ببساطة مواطن عربي أو مسلم أو سني.

 

من فرقهم المستعمرون والساسة والعسكر وتجار الدين ومتعصبو القوميات البغضاء يجب أن توحدهم الرياضة ومن أجمل وأنقى وأطيب من صلاح لنجتمع على محبته ونتخلص بشراسة من وحل التعصب والطائفية والعنصرية التي أوصلتنا لمصافي دول العالم الرابع وربما ستغرقنا أكثر مستقبلاً.