رمضان وهزيمتنا الحضاريّة!

مدونات - مسلمون في رمضان صلاة مسجد مصر

لا شكّ أنّ رمضان في الموروث الثقافي للأمة قد ارتبط بمخزون حضاري هائل، يشتمل على مجموعة من الإنجازات والفتوحات التي تقبع، غير آمنة، في مصادر التاريخ، والتي باتت، اليوم، عُرضةً لتحريف المفاهيم وقلب القيم رأسًا على عقب. الأمة المهزومة سياسيًا وعسكريًا والتي لم يمر قرنٌ على تحرر بقعتها الجغرافية الممتدة من الاستعمار الغربي، والتي تكسّرت وحداتها في بقاع متجاورة لكنها لا تحمل الودّ لبعضها بعضًا، هذه الأمة عادت لتضع بيدها قيد الاستعمار حول جيدها ومعصمها وانضمت طائعة إلى حظيرة المستعمَر الثقافي، وما يترتب على ذلك مما نراه في واقعنا مما لا يحمد حاله عاقل..

 

فالآلة العسكرية الغربية لم تعد بحاجة إلى أن تضرب وهناك من يضرب عنها، يمدّها بمدد من داخل معسكر الشرق مرجفوه الذين ارتفعت أصواتهم النشاز وسط فوضى الأصوات، واستشرفت رؤوسهم فانبروا يعيثون في الأرض فسادًا، فما عدت ترى إلا رموزًا تتهاوى، وأقنعة تتكشّف، وثوابت تُستهدَف، ومؤسسات دينية، كما يسمونها، تحاكم إلى اللامنطق، وباتت الفوضى شعار المرحلة، أما أولي النهى والرأي فقد استُهدفوا وحوصروا بتهم شتى، ولم يعد مرحبًا بهم، بل سجن يوسف مكان خيرتهم، والإقصاء عن التأثير مكان البقية، والتخوين والدس على بقيتهم شغل المرجفون الشاغل وهمهم الذي يقضّ مضاجعهم.
   

هذا الشهر إنما هو فرصة حقيقية لاستحضار وتمثّل النصر لا الهزيمة، وهو ميدان لشحذ العزيمة هو ضوء يضاف إلى أنوار من مثله وسط هذه العتمة الباهرة

البكاء لا يفيد، فاللبن قد سكب، لكن الضرع ما زال موجودًا والخيريّة لن تزول، وهو ما يعول عليه القابضون على الجمر في مشارق الأرض ومغاربها! أما الهزيمة الحضارية التي أصابت العامة وانتهكت محرماتهم ورمتها بسوء فهي مما ينبغي أن نقف معه مليًا، فإرث النبوة إنما يقع على كاهل العلماء والدعاة لا يزيله قيد ولا يمحوه تهديد، إنما هو رصيد يضاف إلى مسيرة الكفاح الطويلة التي مرّت بها مسيرة خلافة المصلحون على الأرض مقارعًة لمن يفسد فيها ويسفك الدماء. والبيت الداخلي بمكوناته من عموم أفراد هذه الأمة تظهر عليه أعراض المرض ولا يدرك أصحابه حقيقة مرضهم، لذا فهم يطلبون الدواء من مصدر الداء، لا من صاحب الدواء.

 

وهذا ما ينبغي لكل مصلح أن يأرق لأجله، مغتنما بركات هذا الموسم الرباني الذي ولا شك أنه باب رباني مفتوح، يعيدنا إلى موروث العزة بسجلاته التي لم تمسّها يد التحريف، فيبحث في مصادر التشريع عن وسائل التثبيت، للذين تزعزعت مفاهيمهم مع تقلّب الأحداث وتشويهها، علّ الرؤية تتضح لمن تشوشت أفكارهم، ويصفو شيء من كدر النفوس التي حشد جيش شياطين الإنس والجن لها ما حشد! ويستخلص من أزمات الأمة في تاريخها دروس النجاة، وأسباب الهزيمة، ثم يعمد وإخوانه إلى سبل النجاة بالأمة، مستنقذين ما يمكن إنقاذه، متخذين الأسباب مستعينين في ذلك أبدًا بالله، فما أسوأ أن تمر علينا حقبة التاريخ ونحن على هذه الحال فتكتبنا صفحاته فيمن استُبدِلوا ولم يُستَعملوا!
  
لذا ينبغي استغلال هذه الفرصة الربّانية في علاج الواقع المأزوم المهزوم، والذي يرشح بالتحديات ولايبشّر بخير، من كل مصلح ما زال يملك أن يُسمع صوته، فيبث الأمل في النفوس التي أحبطت فارتكست وانتكست شاعرة بالهزيمة، آيسة من الفرج، مائلة إلى التعلل بالضعف المادي والمعنوي للأمة، ما زاد خبالنا خبالًا، وإنما كان عليها أن تستمد العزّة من ربها ثم تاريخها في هذه الشهر خاصة والذي صيّر النار نورًا والمِحن منحًا.
  
لذا فهذا الشهر إنما هو فرصة حقيقية لاستحضار وتمثّل النصر لا الهزيمة، وهو ميدان لشحذ العزيمة،، فلا يستقلّن مصلح دوره، ولا يستخفضنّ صوته، إنما هو ضوء يضاف إلى أنوار من مثله وسط هذه العتمة الباهرة، والأمة بحاجة إليه، فيعيد لها اعتزازها بإرثها، ويثبّت في الأذهان مفاهيم النصر باعثًا الهمة في نفوس افراد الأمة، وهو ليس كلامًا تحشى به صفحة هذه المدونة، ولا هو تنظير يضاف إلى التنظيرات، إنما قد أُتينا من باب أننا نعلم ولا نعمل، ونعمل بما لا نعلم، وكان حال من قبلنا أنه يعمل بما يعلم، ولا يعمل بما لا يعلم بل يترك الفنّ لأهله ويسد ثغره فلا تؤتى الأمة من قبله.