الوطن العربي والتغيرات الاجتماعية.. أي مآلات للأجيال الناشئة؟

blogs أب

منذ بضعة أسابيع، جاءتني دعوة من مدرّستي البروفسورة في الجامعة اللبنانية رجاء مكي لحضور ندوة بعنوان "الأب الرمزي بين المنع والتحول"، ولمدة أكثر من 6 ساعات، ناقش وحاضر عدد من الأساتذة اللبنانيين والأجانب، مآلات التحولات الاجتماعية في خضم تحوّل أدوار الأب من مسؤول في المجتمع إلى شريك في المسؤولية إلى جانب المرأة.

 

كانت التساؤلات والإشكاليات تتطاير يمنةً ويسرى، بين سرد تاريخي وغوص في كلاسيكيات النظريات المؤسسة للعلوم النفسية والاجتماعية، كان لا بد من إيصال فكرة ووجهة نظر ملموسة، هو أن العالم يتغير بتغيّر دور "الأب" -أي الرجل- في هذا العالم الجديد الذي أصبح معالمه وضوابطه كلها تستند إلى مقاييس تكاد تخالف الماضي والتقليد، فأي تغييرات اجتماعية نلتمسها وهل من مقاربة مع الأطر الغربية؟

إننا اليوم في نهاية العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين، نشهد إنتاجية وبزوغ الجيل الذي استحكمته الثقافة الرأسمالية بداية تسعينيات القرن الماضي، إذ ساهم فيما يعرف بـ "طفرة العولمة" بتغيير كبير في دينامية الشعوب الشرقية المستحدثة، فقد صنعت العوامل المستجدة في تحويل المرأة إلى كيان فريد بذاتها يساهم بشكل محوري في عملية الإنتاج والاستهلاك.

 

لا بد هنا من ربط التغيرات الاجتماعية كظواهر "الجنسانية، العنوسة، الطلاق والخيانة" إلى تغيّر صورة الأب الرمزي في هذه المجتمعات، فليست الصورة ما تحكم فقط، بل أيضا الوظيفة!

وبغياب تام لأي ثورة ملموسة يثبت مناصفتها للرجل، كان دورها الجديد كتحصيل حاصل للظروف المتعاقبة. أن المرأة التي استحدثتها الثلاثون سنة الماضية أصبحت اليوم نصف المجتمع، كعنصر منتج ومساهم في المؤسسات والشركات والبيوت، وهنا جوهر القضية، ففي كل الدراسات التي خيضت لتفنيد معضلة "التفكك الأسري" تبين أن المرأة العاملة ومسؤولياتها الجديدة تساهم بشكل ملحوظ في تفشي ظاهرة التفكك الأسري السابقة الذكر، فبين رجل غير قادر على التفرد في مسؤوليات البيت الاقتصادية، وأيضا غير قادر على خلع عباءة التقليد بصفته الرب الحاكم لأسرته، تتفشى ظواهر الاختلاف والتناكف في البيئة الواحدة.

 

لا بد هنا من ربط التغيرات الاجتماعية كظواهر "الجنسانية، العنوسة، الطلاق والخيانة" إلى تغيّر صورة الأب الرمزي في هذه المجتمعات، فليست الصورة ما تحكم فقط، بل أيضا الوظيفة! وظيفة الضبط الاجتماعي الذي يمثلها الأب كحامل للقيم والمثل المجتمعية وأيضا كانعكاس لهذا المجتمع. فالعلم يقول أن الرجل هو صنيعة بيئته، أما المرأة فهي صنيعة نفسها، بمعنى أخر أن الرجل هو ضابط الإيقاع للاستقرار الثقافي في هذه المجتمعات، ما يعزز الضبط الاجتماعي ويخلده، وكل المؤشرات تدل على ذلك، إذ يتصدر الدين والقيم والتراث مقدمات الضبط الاجتماعي.. وفي سؤالي لأحد دكاترة العلوم الاجتماعية في الجامعة اللبنانية عن سبب "الانفجارات الاجتماعية"، أوضحت باقتضاب بسببين:

 

الأول غياب دور الأب والثاني غياب القيم والأخلاق، وبرأيي أن السبب الثاني نتيجة حتمية للسبب الأول المذكور، بالتأكيد لا يعني ذلك أن المرأة معززة للدمار الأخلاقي والقيم ولكن هي ثورة بحد ذاتها على كل ما هو تقليد وعلى كل ما هو ذكوري، وهو ما تترجمه كل الحركات التي تنادي بالحد من "الذكورية" التي انحصرت في مجتمعات محدودة ما زالت تعمم على مجتمعات أخرى بشكل مضلل حتى اليوم (نذكر مثالا الذكورية الموجودة في المجتمعات الريفية الجنوبية في لبنان وهي قد تعمم عن قصد أو عن غير قصد على كامل المجتمع اللبناني).

إن ما هو ظاهر لنا اليوم، يفسره البعض على أنه مؤامرة غربية على الشرق (الشرق الأوسط الجديد) وأخرون يترجمونه على أنه نتيجة الابتعاد عن الدين والقيم المثلى، لا بد هنا من إعطاء الرصيد الكامل للتحولات الجذرية في البناء الاقتصادي للمجتمعات، وهو ما ذكرناه في بداية النص. فما بين الفرضية الأولى (دور الغرب) والفرضية الثانية (الدين والقيم المثلى)، نجد أنها تنضوي في خانة النتائج أكثر من كونها أسباب، فالرجل كأحد الضوابط الاجتماعية الركيزة تتأثر القيم الدينية الجماعية به، وكذلك القيم الغريبة، فإن ما نخوضه اليوم قد خاضه الغرب منذ مئتي سنة حينما ثار على الدين والبطريركية وهو جوهر محتوانا. في النهاية، وفي عمق هذا العالم الرقمي المتجدد، لا يسعنا أن نسأل سؤالا محوريا: هل كل تقليد ذكر وكل تجديد أنثى؟