المعركة الخفية.. حقيقة العلاقات التركية الإسرائيلية

blogs تركيا

في الوقت الذي يعلن فيه وزير الاتصالات الإسرائيلي، في مشهد مخز ومعيب، تلقيه دعوة رسمية لزيارة إحدى الدول العربية، تقوم تركيا بطرد السفير الإسرائيلي في أنقرة من أراضيها ردا على الإرهاب الإسرائيلي في غزة. كما رصدت عدسات الكاميرات في المطار ما يمكن وصفه بأنه إهانة متعمدة للسفير المطرود من خلال تفتيشه وإجباره على البقاء مع بقية المسافرين في قاعة الانتظار العامة وليس في صالة كبار الشخصيات كما هي العادة. هذه الخطوة الشجاعة لم تكن مفاجئة لنا لأنها تأتي في سياق متكامل من المواقف التركية الحادة المعترضة على سياسة إسرائيل العنصرية وإرهابها المنظم ضد أبناء الشعب الفلسطيني.

إن السياسة التركية الخارجية في المنطقة عموما ومع إسرائيل على وجه الخصوص تطرح الكثير من التساؤلات التي ربما تصل لنوع من الريبة والشك حول حقيقة العلاقة التركية الإسرائيلية اليوم. ففي الوقت الذي تقيم تركيا فيه علاقات دبلوماسية وتجارية جيدة مع إسرائيل (قبل طرد السفير مؤخرا) تصدح عاليا بالرفض للسياسات الإسرائيلية وتصفها بالعنصرية والإرهابية.. فهل هذا نوع من النفاق كما يحلو للبض تسميته؟ سنحاول فيما يلي تقديم إجابة تحليلية ومنطقية على هذا السؤال.

حسنا قد يبدو هذا نفاقا للوهلة الأولى، ولكن المتمعن في التطور التدريجي للمواقف التركية تجاه قضايا المنطقة منذ وصول حزب العدالة والتنمية للحكم عام 2002 يستطيع أن يدرك طبيعة اللعبة. دائما ما نستحضر التجربة الجدية الأولى لقادة العدالة والتنمية في بدايات حكمهم لتركيا عام 2003 عندما طلبت الولايات المتحدة نشر قواتها على الأراضي التركية واستخدام أجوائها من أجل غزو العراق.

 

في الحقيقة مثل هذه الطلبات كانت بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية طلبات روتينية جدا لا تحتاج حتى لعناء التفاوض مع الحكومة التركية من أجل تمريرها. فتركيا كانت بالفعل دولة تابعة بشكل شبه مطلق للسياسات الغربية عموما والأمريكية خصوصا. إلا أن المفاجأة هي أن الحكومة التركية الجديدة لم توافق على الطلب ولكنها لم ترفضه، بل قامت بتحويله إلى البرلمان للتصويت عليه. ومن المعلوم بأن البرلمان آنذاك كانت أغلبيته المريحة من العدالة والتنمية.

 

بدأ التوتر في العلاقات التركية الإسرائيلية عام 2009 بعد الهجوم على غزة. وكلنا نذكر الكلام القاسي الذي وجهه أردوغان للرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز خلال قمة دافوس

وكانت المفاجئة المدوية عندما رفض البرلمان التركي الطلب بفارق عدة أصوات فقط علما بأن حكومة العدالة والتنمية كانت قد طلبت من أعضاء البرلمان آنذاك التصويت لصالح الطلب الأمريكي، فكانت تلك برأينا مسرحية سياسية موفقة استطاعت الحكومة الجديدة من خلالها تجنب تنفيذ الإملاءات الأمريكية من جهة وعدم إثارة حفيظة الأمريكان من جهة أخرى. فالحزب الحاكم الجديد كان يدرك جيدا في ذلك الوقت عدم امتلاكه لكثير من أوراق القوة التي تمكنه من الصمود إذا ما قرر الغرب إزاحته كما فعل في مرات سابقة من خلال الانقلابات العسكرية التي أطاحت بعدد من السياسيين المخضرمين كنجم الدين أربكان وعدنان مندريس.

لماذا نذكر هذه القصة.. لأن فيها تحليلا لطبيعة السياسة التركية. فالسياسة التركية لم تكن قائمة على مبدأ الشعارات والعنتريات الفارغة، بل كانت سياسة واقعية تتعامل مع الأمور كما هي. أما بالنسبة للمحافظة على علاقة تجارية ودبلوماسية جيدة مع إسرائيل فقد كان هذا ضروريا لأسباب براغماتية. فإسرائيل هي المختبر الذي يحدد من خلاله الغرب، والولايات المتحدة على وجه الخصوص، من هو الجيد الذي يجب دعمه ومن هو السيء الذي تجب إزالته. لذلك فالإبقاء على علاقات جيدة مع تل أبيب كان ضروريا في الوقت الذي كان العدالة والتنمية فيه بحاجة ماسة لترسيخ دعائمه في الداخل التركي وزيادة رصيده الشعبي والإمساك بزمام القرار السيادي في الدولة، بما فيه المؤسسة العسكرية.

بدأ التوتر في العلاقات التركية الإسرائيلية عام 2009 بعد الهجوم على غزة. وكلنا نذكر الكلام القاسي الذي وجهه أردوغان للرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز خلال قمة دافوس. ازداد التوتر خلال العام 2010 وخصوصا بعد قتل الجيش الإسرائيلي لعدد من المتضامنين الأتراك القادمين لكسر الحصار على غزة على متن السفينة الشهيرة مافي مرمرة، وقد انتهت هذه الأزمة الحادة إلى طرد السفير الإسرائيلي من أنقرة وتجميد التعاون العسكري بينهما. وعلى الرغم من التوتر السياسي الحاد بين البلدين، إلا أن العلاقات الاقتصادية والتجارية بقيت قائمة بينهما ولهذا أسبابه الواقعية.

فبما أن السياسة هي فن الممكن، فرد الفعل التركي في طرد السفير وتجميد التعاون العسكري (وليس قطعه أو إيقافه نهائيا) والمطالبة باعتذار رسمي وبتعويضات للضحايا هو أقصى ما يمكن أن تصل إليه تركيا في إطار رد الفعل على العنجهية الإسرائيلية. إن تجاوز هذا الحد من خلال قطع العلاقات التجارية والاقتصادية يخرج في الحقيقة عن إطار رد الفعل ويدخل فيما يمكن أن يسمى إعلانا للحرب. فهل من مصلحة تركيا إعلان الحرب على إسرائيل المدعومة من معظم دول العالم الغربي وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية. إن من شان ذلك أن يدخل تركيا في معركة ليست متكافئة وتتجاوز قدراتها ولا تحقق مصالحها.

في الحقيقة، وعلى الرغم من ذلك، فإن رد الفعل التركي هذا لوحده كان كافيا لإشعال معركة شرسة بين تركيا من جهة وبين دول العالم الغربي من جهة أخرى. هذه المعركة تدور فصولها في الخفاء رغم كل التصريحات الإعلامية التي تتحدث عن التحالف والعلاقات الاستراتيجية مع تركيا بوصفها عضوا في الناتو. لقد أصبحت تركيا منذ ذلك الوقت هدفا لكل المخططات القذرة التي تستهدف زعزعة استقرارها والإطاحة بحكومتها المنتخبة أو حتى العمل على تفتيتها. الشواهد والأدلة على ذلك كثيرة جدا يمكن أن نلخص بعضها فيما يلي:

2013: احتجاجات ميدان تقسيم التي تحولت من الاعتراض على قطع بعض الأشجار إلى الاعتراض على سياسة الحكومة وانتشرت إلى عدة مدن تركيا دون أسباب حقيقة واضحة. كانت الأيادي المشبوهة واضحة في هذه الاحتجاجات وما رافقها من ضخ إعلامي هائل كان هدفه زعزعة الاستقرار والإطاحة بالحكومة.

2014: دخول تنظيم الدولة إلى عين العرب كوباني والتغطية الإعلامية الكثيفة التي تحرض الأكراد في تركيا ضد حكومتهم بحجة عدم تدخلها لحماية الأكراد في عين العرب. ولا بد من الإشارة هنا إلى أن تنظيم الدولة جاءت ارتاله العسكرية إلى كوباني من الرقة أساسا قاطعا مسافات طويلة في أراض صحراوية دون أن يتعرض لهجوم طائرات التحالف التي لا تغادر سماء سوريا. تم التعامل مع هذه الأزمة بحكمة وانتهت أيضا بالفشل.

تركيا ليست في وارد فتح جبهة علنية لمواجهة إسرائيل ومن ورائها الولايات المتحدة، وفي المقابل فإن إسرائيل ليست أيضا في وارد التخلي عن مصالحها في تركيا
تركيا ليست في وارد فتح جبهة علنية لمواجهة إسرائيل ومن ورائها الولايات المتحدة، وفي المقابل فإن إسرائيل ليست أيضا في وارد التخلي عن مصالحها في تركيا
 

2016: محاولة الانقلاب الفاشلة والتي شهدها العالم أجمع. هذه المحاولة التي لعب فيها الخارج دورا محوريا واضحا، كانت المثال الأبرز والأهم الذي يثبت العداء الغربي للحكومة التركية وسعيه للإطاحة بها مهما كلف ذلك من ثمن. وتجدر الإشارة هنا إلى أنه رغم امتلاك تركيا لأدلة تضير إلى تورط الولايات المتحدة في هذه المحاولة (صرح عنها عدد من المسؤولين الأتراك وتناولتها عدد من الصحف التركية)، إلا أن تركيا لم تقطع علاقتها مع واشنطن. وهنا نعود إلى المربع الأول الذي يفسر لماذا لم تقطع تركيا علاقاتها مع تل أبيب.

لم تتوقف المعركة الخفية عند هذا الحد، فهناك حرب مالية واقتصادية تدور رحاها في الخفاء، كما أن الدعم الأمريكي اللامحدود لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي في سوريا بحجة محاربة داعش هو أيضا دليل إضافي ذو قيمة على وجود إرادة أمريكية غربية لتقويض حكم العدالة والتنمية. فمحاربة داعش أصبحت نكته سمجة لم تعد تنطلي على طفل صغير، والهدف الأساسي وراء دعم واشطن لهذا الحزب الكردي هو مساعدته على تشكيل كيان انفصالي في الشمال السوري يكون ركيزة مهمة للنيل من تركيا وتهديد أمنها.

 

وهذا ما يفسر في الحقيقة حدة الموقف التركي تجاه هذا الدعم والذي تم ترجمته من خلال عمليتي درع الفرات ومن ثم غصن الزيتون اللتان استطاعتا أن تقضيا على هذا المشروع وإرساله إلى سلة المهملات. وفي نفس الإطار تماما يندرج الدعم الأمريكي السري لتنظيم استفتاء كردستان العراق عام 2017 تمهيدا لانفصال هذا الإقليم وبالتالي جعله منطلقا للتفتيت الذي يراد له الوصول إلى تركيا. إلا أنه أيضا باء بالفشل.

في المحصلة يمكننا القول بأن العلاقات التركية الإسرائيلية هي اليوم في أسوء حالاتها، إلا أن كلا من الطرفين ليس قادرا على إعلان المواجهة للطرف الأخر. فتركيا ليست في وارد فتح جبهة علنية لمواجهة إسرائيل ومن ورائها الولايات المتحدة، وفي المقابل فإن إسرائيل ليست أيضا في وارد التخلي عن مصالحها في تركيا. لذلك تبقى الخطوط الخلفية للتواصل التجاري هي الضامن لعدم تجاوز هذه النقطة الحرجة التي لن تفيد تركيا ولن تحقق مصالحها. إنها براغماتية السياسة.