الاتفاق النووي.. كيف انتهت اللعبة بين إيران وأمريكا؟

blogs إيران

في أول يوم من الاحتلال الأمريكي لبغداد عام ٢٠٠٣ بدأت أعمال السرق والنهب للمصارف والمؤسسات الحكومية، وقد كانت عفوية تقوم بها الأفراد في البداية ولكنها سرعان ما تحولت إلى عمليات منظمة تقوم بها عصابات تم تشكيلها بأيام قليلة. أذكى عصابة كانت تلك التي تستخدم سيارات حديثة مسروقة ورجال مجهزين بأسلحة خفيفة وقنابل يدوية وقاذفات صواريخ لفتح الأبواب الخارجية للمصارف ويرتدي عناصرها أقنعة ضد الغازات والدخان، هذه العصابة رأيتها بأُم عيني من بعيد أنا ومجموعة من الناس المحاصرين بسبب إطلاق النار العشوائي الذي حدث في الشارع بداية الاحتلال حيث قامت هذه العصابة بتفجير باب (مصرف الرافدين) في وسط العاصمة بغداد ودخل عناصرها لجلب الأموال والمدَّخرات.

ولأن كل ذكي هناك من هو أذكى منه، جاءت عصابة أخرى أكثر ذكاءً ودهاءً منها على نفس المصرف ولكن بعدهم بدقائق قليلة وقد يكون الأمر مدبَّراً سلفاً، انتظرت العصابة الثانية لدقائق أخرى حتى تكمل العصابة الأولى سرقتها بالكامل ثم قامت بتصفية عناصرها بعد خروجهم من المصرف وأخذ جميع المسروقات منهم دون عناء أو تعب وبلا تفجير أو اختناق.

تذكرت هذه الحادثة وأنا أرى ما يحدث في المنطقة بين أمريكا وإيران، فأمريكا سمحت لإيران بالخوض واللعب في المنطقة كيفما تشاء لتحقيق مآرب لا يعلها إلا الله ثم القابعون في البيت الأبيض، فقد انتشرت ميليشياتها في العراق واليمن لتزعزع أمن المنطقة ولتهرع دول الخليج الغنية إلى أمريكا وإسرائيل للخلاص من ذلك، وتم السماح بل وغض الطرف عن تدخل إيران وميليشيا حزب الله في سوريا والذي كان ظاهره حماية المقدسات وباطنه التوسع الفارسي ولكنه في النهاية يصب بالمصلحة الأمريكية الإسرائيلية المتمثلة بمنع سقوط بشار الأسد الذي لا غنى عنه الآن ولا يوجد بديلاً له كي يحل محله في الوقت الحاضر ومقاتلة التنظيمات المتطرفة وغير المتطرفة ومنعها من الوصول إلى الحد الذي من الممكن أن تؤثر فيه على الأمن القومي الإسرائيلي.

الإدارة الأمريكية حصلت على وثائق مهمة ومحاضر تحقيق تابعة لجهاز المخابرات العراقي ومديرية الأمن العامة سابقاً وأشرطة فيديو تثبت تورط إيران في اغتيال المرجع الشيعي محمد محمد صادق الصدر

أما وقد أدَّت إيران وميليشياتها ما عليها من مهامٍ في المنطقة فقد وجب التخلص منها وجني ثمار ذلك والاستمتاع بتقاسم المكاسب التي حققتها إيران في المنطقة، فمشكلة إسرائيل مع العرب وليس مع إيران ومتى ما حصل التقارب بين العرب وإسرائيل انتفت الحاجة الإسرائيلية الأمريكية إلى إيران وعملائها في المنطقة، فالطموح الإمبراطوري الفارسي في المنطقة كان ولازال خير أداة لتحقيق هذا التقارب. لكن وللأسف، لو حصل جدلاً أن قامت إسرائيل بضرب إيران بقنبلة نووية ولو ردَّت إيران وأمطرت إسرائيل بآلاف الصواريخ الثقيلة في عقر دارها، سنجد أيضاً من يتكلم عن المؤامرة التي حيكت بينهما وعن المسرحية التي لا تنطلي عليه لأنه فطحل سياسة.

هناك مشروع إيراني في المنطقة ومشروع أمريكي إسرائيلي مضاد له ولكنه يستخدم المشروع الإيراني حتى يصل إلى المرحلة التي لا بد له من القضاء عليه لأنه في النهاية مضاد له، فوقت المسرحيات واستخدام العرب انتهى ولم يعد للعرب وزناً في موازين القوى المتناحرة الآن وليس لهم موقعاً من الإعراب في المنطقة الآن إلا أن يقوموا بالمشاهدة والتصفيق ودفع الفواتير وما كان مطلوباً منهم تم إنجازه وأصبح الكلام بين الكبار الآن والوضع العربي الذي لا يمكن التنبؤ بمستقبله بات تحصيل حاصل بفضل هوان حكامهم..

آخر مستنقع ستقع به إيران بعد انسحاب أمريكا من الاتفاق النووي معها هو الوضع العراقي الحالي أي ما بعد الانتخابات التي أثبتت فشلها بمشاركة وصلت قرابة الـ ٢٠٪‏ بعد عزوف أغلب العراقيين عنها وتم إيصال نسبة المشاركة بعد التزوير العلني والموثق بمقاطع الفيديو إلى ٤٠٪‏ تقريباً، الإدارة الأمريكية غير مقتنعة تماماً بجدوى الانتخابات في مثل هذه الظروف ولكن ضغوطاً سعودية مورست وساعدت على إجرائها في موعدها بحكم اتفاق مسبق بين السعودية وحيدر العبادي سبق وإن تحدثنا عنه بالتفصيل في مقالنا السابق، إضافة إلى انحراف البوصلة السعودية باتجاه السيد مقتدى الصدر في محاولة لسحب البساط من تحت المرجعيات الشيعية المرتبطة بإيران في العراق.

 

ستبدأ مرحلة جديدة في العراق والمنطقة تعيد رسم الخارطة السياسية والعسكرية وبناء تحالفات إقليمية تسير وفقاً لما جاء في (صفقة القرن) فيما يخص وضع العراق
ستبدأ مرحلة جديدة في العراق والمنطقة تعيد رسم الخارطة السياسية والعسكرية وبناء تحالفات إقليمية تسير وفقاً لما جاء في (صفقة القرن) فيما يخص وضع العراق
 

ولكن الرهان على السعودية محفوف بالمخاطر وهذا ما أثبتته التجارب مع رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري الذي خسر معقله في بيروت والرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح في أيامه الأخيرة والذي خسر حياته ثمناً لرهانه هذا، بالإضافة إلى أن التجارب في السنتين الأخيرتين في العراق أثبتت أن خشية السيد مقتدى الصدر من إيران وعملائها في العراق تتغلب على شعوره بالأمان بين الملايين من أنصاره وقد كشف عن ذلك بنفسه في أحدى خطبه أمام المتظاهرين في ساحة التحرير وسط العاصمة بغداد عندما قال أنه يمكن أن يتعرض للاغتيال في أي لحظة.

لمَ لا وقد سبق لإيران أن قامت باغتيال أبيه السيد محمد محمد صادق الصدر عام ١٩٩٩ عندما بادرت حكومة الرئيس الراحل صدام حسين واتفقت معه على سحب البساط من المرجعيات الإيرانية في العراق كونه المرجع الشيعي العربي المجتهد الوحيد في المنطقة فقام وبالاتفاق مع الحكومة بالعودة لإقامة صلاة الجمعة بعد أن كانت المرجعيات الشيعية الإيرانية ترفض إقامتها وأسس لما يسمى بالحوزة الناطقة وأحدث شرخاً كبيراً في الصف الشيعي بين الشيعة العراقيين العرب من جهة والمؤيدين والمرتبطين بإيران من جهة أخرى، لم تكتفِ إيران بتصفيته فقط بل أشاعت بين الأوساط الشعبية العراقية وخصوصاً الشيعية منها أن الحكومة العراقية هي من قامت بتصفيته لكسب تأييد شيعة العراق لها وجعل الموضوع برمته لصالحها.

الإدارة الأمريكية حصلت على وثائق مهمة ومحاضر تحقيق تابعة لجهاز المخابرات العراقي ومديرية الأمن العامة سابقاً وأشرطة فيديو تثبت تورط إيران في اغتيال المرجع الشيعي محمد محمد صادق الصدر وباعتراف منفذيها وقد تطفو هذه الحقائق على السطح متى ما يكون الوقت مناسباً. كل المؤشرات تقول أن الحكومة القادمة في العراق ستكون تابعة لإيران رغم بعض التغييرات كما حدث في لبنان وسوف تسقط هذه الحكومة مع أول قذيفة تسقط على إيران لأن الحديث حينها لن يكون عن ميليشيات عراقية غير منضبطة تدافع عقائدياً عن إيران ضد أمريكا وإسرائيل وإنما سيكون عن حكومة رسمية ارتضت لنفسها أن تكون مدافعة عن نظام الملالي في المنطقة ومدفعاً بيده. 

سبق لأمريكا أن ضربت قرارات مجلس الأمن والفيتو الروسي وتوصيات الأمم المتحدة واعتراضات الاتحاد الأوروبي بعرض الحائط واحتلت العراق، فلنقِس على ذلك ومن هنا ستبدأ مرحلة جديدة في العراق والمنطقة تعيد رسم الخارطة السياسية والعسكرية وبناء تحالفات إقليمية تسير وفقاً لما جاء في (صفقة القرن) فيما يخص وضع العراق.