ارتواء الروح.. لهذا نصوم رمضان!

blogs رمضان

لماذا صيام رمضان؟ السؤال يتضمن بعدا مقصديا وحكميا، أي أنه يسعى إلى استجلاء المقصد والحكمة من صيام رمضان! وقبل خوض غمار هذه الإجابة نحتاج إلى تحديد وسيلة الإجابة على هذه (اللماذا)، لذلك يبرز سؤال آخر وهو: كيف نجيب أو بماذا نجيب على لماذا؟ فمن ثم ننتقل من سياق الإجابة المقصدية، إلى البحث عن وسيلة الإجابة على هذا المقصد، فتكون كيف سؤالا على الوسيلة، ولماذا سؤالا على المقصد، والثانية منوطة بالأولى، لكونهما تجمعهما علاقة الوسيلة بالمقصد.

والوسيلة التي سنتوسل بها في الإجابة على (لماذا) هي لغة الإيمان، لكون لغة الإيمان أعمق لغة وأوسع لغة وأدق لغة، وأوفى بالغرض المقصدي، نظرا لكون لغة الإيمان، تفصح عن أسرار الكون وتعبر بوضوح عن خلجات القلب وتطلعات الروح، فإذا كانت اللغة عموما هي مفتاح المخ-على حد تعبير علي عزت- فإن لغة الإيمان هي مفتاح كل حركة في الوجود، لكون الوجود والكون كله وُجد للخضوع لله وعبادته وحده لا شريك له، قال تعالى: "وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالاِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ"، "تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ۚ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ". ولكي يحقق هذا الإنسان حقيقة العبادة سخر الله تعالى له كل ما في الكون لخدمة الإيمان "وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ" ومن أعظم تجليات هذه العبادة، صيام رمضان. فما علاقة رمضان بلغة الإيمان؟

القول بلغة الإيمان يقتضي بمفهوم المخالفة لغة مخالفة أو قاصرة عن الإيفاء بالكشف عن المقصد وهي: لغة المادة، فلو أخضَعنا صيام رمضان على لغة المادة لوجدناه، ضرب من ضروب الهبل والهذيان واللامعقولية، إذ كيف لعاقل أن يعرض نفسه للجوع والعطش طوال شهر رمضان؟!، بل إنّ لغة المادة تصر باستماتة وتلح بقوة على الانغماس في الشهوات، والشهوات تختزل في النهاية في شهوتي البطن والفرج، وهما ضد الصيام، فمن ثم فلغة المادة تظل عاجزة على الإلمام بالمقصد الذي يتجاوز لغة المادة المتخلفة والعاجزة والقاصرة عن ترجمة تشوف الروح وتطلع الإيمان لنفحات هذا الشهر المبارك الكريم، وانخراطها فيه بجوامعها، بل لغة المادة تقف عاجزة عن تفسير هذا الميل النوراني للمسلم لشهر رمضان، لكون هذا الميل لا يخضع للمعادلة الرياضية الصارمة، ولا إلى القانون المادي الاختزالي التسطيحي الأحادي، الذي لا يحلل إلا ما يتم رصده ومعاينته وملاحظته. كل هذا اقتضى لغة غيبية، تتدفق نورا وتشع هدى وهي لغة الإيمان، لكون رمضان هو شعيرة المؤمن الذي تحلى بالإيمان، وبما أن التطلع والتشوف من لدن الروح فهذا يقتضي علاج السؤال في سياق الروح، بوسيلة لغة الإيمان.

بين الروح والمادة نفهم الصيام
في جوع وظمأ المادة، شبع وارتواء للروح، كأن الروح تتغذى على جوع المادة وترتوي بظمأ المادة. وهو ارتواء لا كباقي الارتواءات، نظرا لكونه غيبي نوراني يحقق الطمأنينة والسعادة والسكينة

الصيام: هو الإمساك عن شهوتي البطن والفرج بنية التقرب إلى الله، من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. إذا كان ما يتم ملاحظته بلغة المادة في تفاعل المسلم مع الصيام، هو: "الإمساك عن شهوتي البطن والفرج"، دون اعتبار للهدف العظيم وهو "بنية التقرب إلى الله". فتكون النتيجة بعدها هي: تجويع للمادة، وصدام مع ميولاتها. ولكن هذا لا يعني بالضرورة صرف نفس النتيجة للروح، وبيان ذلك كالآتي:

لو سلمنا بأن الإنسان مكون من نسقين نسق روحي ونسق مادي، فيلزم عن هذا أن لكل لغته ولكل ميولاته وحاجياته، وقد تبلغ هذه الكلية في بعض الأحيان إلى حد التناقض-ظاهريا- لكن في العمق متكاملان في إطار تصور الإسلام، ومن جملة مظاهر التناقض نجده في تفاعل الروح والمادة مع رمضان، فتفاعل المادة مع صيام رمضان يتحدد في الجوع والعطش، فتحتاج للشرب والأكل، حتى ترتوي من عطشها وتُشبع جوعها، لكن في جوع وظمأ المادة، شبع وارتواء للروح، كأن الروح تتغذى على جوع المادة وترتوي بظمأ المادة.

 

وهو ارتواء لا كباقي الارتواءات، نظرا لكونه غيبي نوراني يحقق الطمأنينة والسعادة والسكينة، وهذه النتائج الثلاثة خارجة عن لغة المادة، ولكن هذا التناقض الظاهري لا يبقى في تصور الإسلام إذ يعمل على تحقيق التوازن بينهما، وذلك من خلال تحديد زمن للصيام وهو "من طلوع الفجر إلى غروب الشمس"، وخارج هذه المدة قرر الإسلام جواز تلبية نداء المادة أكلا وشرابا وجماعا، لكن في إطار الروح، أي وفق الإسلام فلا نلبي حاجة المادة إلا بالمباح والجائز روحا أي شرعا، حتى لا نخضع الإنسان إلى مطلق اللذة والمتعة البهيمية فيصير كالحيوان، وفي نفس الوقت لا نخضع الروح إلى مطلق الرهبانية والتصوف المبالغ فيه "وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا" ومن خلال هذا المنطق، فالإسلام يهذب ويضبط حركة المادة والروح في نسق عميق متكامل، فينقشع التناقض، لكن الانقشاع يُفهم بلغة الإيمان فتأمل.

المقصد الحضاري في الصيام

هناك شعور جمعي عالمي، يدب في الجسد الإسلامي ليعبر عن حقيقة واحدة وهي: أن الكل خاضع للواحد الأحد، وأن جميع المسلمين ملبين لناء رباني واحد، والكل خاضع لأمر قرآني واحد. "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون". وهذا الشعور والإحساس الذي يعبر عن انتماء روحي ومشترك غيبي، نتيجة لصيام هذا الشهر المبارك، فترتفع جميع الفوارق المادية ليتمركز كل المسلمين على المشترك الغيبي، فتجده بسني وهركسي وأندنسي وماليزي وطنجوي ومكي،وأمريكي، تراه أشقر الشعر أزرق العين، أسودا أحمرا أبيضا طويلا قصيرا فيلسوفا عاميا مفكرا معلما طبيبا.. الكل تصدح حناجرهم بصوت الصيام ليسمع دويه في الوجود كله، الكل خاضع لنداء الإيمان والصيام، ليرتقي الكل في عالم الغيب، ويعرج الجميع في معارج الروح متجاوزا الانتماء المادي.

وهذا البعد الغيبي ينعكس على متانة العلاقات الاجتماعية فيصير الواحد في جسد الكل والكل في جسد الواحد، إذا اشتكى بسني، تداعى له سائر الجسد الإسلامي بالسهر والحمة، وهذا السهر والحمة لا يُعدل عنه إلا بعلاجه وإلا استمر العلاج، باستمرار الألم وحسبنا بفلسطين نموذجا. يا له من شعور عميق عندما نصطف في صلاة التراويح في سكينة وهدوء وفي خضوع مطلق للإله، ويزداد هذا الشعور عندما يكون المصطفين من أجناس مختلفة وبلغات متعددة وبثقافات متنوعة، لكن في هذا التنوع والاختلاف تجمعنا لغة واحدة هي: لغة الإيمان.

التفاعل الأخلاقي الذي ينبغي على المسلم أن يتحلى به في شهر رمضان، هو تفاعل ملائكي راقي، يتجاوز المنطق الإبليسي العفن في التعامل
التفاعل الأخلاقي الذي ينبغي على المسلم أن يتحلى به في شهر رمضان، هو تفاعل ملائكي راقي، يتجاوز المنطق الإبليسي العفن في التعامل
 
المقصد الأخلاقي

"إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" عندما تستقري جميع الآيات والنصوص التي اشتملت على المقصد والغاية من تشريع الصيام تجدها تشترك في مقصد واحد وهو: تحقيق مكارم الأخلاق، أي جعل من المسلم ملكا يدب في الأرض. ومن جملة تلك النصوص نجد: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ". هذه آية من بصائر الصيام في طريق الصائمين؛ لإدراك منبع الحكمة، والتعرف على سرِّ النعمة، فلعلّكم تتقون غاية عامة سامية جامعة مانعة لكل أفعال الخير ومن أعظمها التحلي بالأخلاق.

في الحديث المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلّم أنه قال "كُل عَمل ابن آدم له إلا الصيام؛ فإنه لي وأنا أجزي به، والصيام جُنّة، وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابّه أحد أو قاتله فليقل: إني إمرؤ صائم". فالحديث ينص بوضوح عن التفاعل الأخلاقي الذي ينبغي على المسلم أن يتحلى به في شهر رمضان، وهو تفاعل ملائكي راقي، يتجاوز المنطق الإبليسي العفن في التعامل، ليجعل من المسلم نورا يدب في الوجود حيثما حل وارتحل قائلا بلغة تتدفق إيمانا: إني امرؤ صائم، كأن بين الصيام والأخلاق علاقة تلازمية ونتيجة حتمية، وهي في الحقيقة الغيبية كذلك، لكن لن نفهمها إلا بلغة الإيمان، إذ أن الإنسان الملائكي هو إنسان قذف اللهُ النورَ في قلبه من خلال تفاعله الصادق المخلص الكامل مع الصيام، فيكون نتيجة الصيام هي: مسلم ملك يمشي على الأرض.

وفي حديث نفيس ثمين، نجد المقصد الأخلاقي منجليا بوضوح، فتأمل وأبصر، قوله صلى الله عليه وسلم "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه". في نص الحديث معنى مفاده: أن غاية الصيام ليست الامتناع عن الأكل والشرب فقط، وإنما الغاية والمقصد أسمى وأعمق بكثير من ذلك وهي غاية أخلاقية بالأساس تستجيب للغاية الكبرى التي أُرسل من أجلها الصادق الأمين وهي إتمام مكارم الأخلاق، فإن لم يدع الصائم قول الزور والعمل به فلا حاجة لله من صيامه، فالله غني عن صيامك مطلق الغنى لكن الإنسان مفتقر لصدقك وأخلاقك وقولك للحق غاية الافتقار.