إبراهيم عيسى وأضرار الصيام.. كيف ألقى الشك على مشاهديه؟

مدونات - إبراهيم عيسى
مع حلول أول أيام شهر رمضان، خرج علينا المذيع "المصري" إبراهيم عيسى في برنامجه "مختلف عليه" على قناة الحرة "الأمريكية"، وهو يتحدث في ثقة عن بحثه وإطلاعه على مئات وآلاف المصادر التي تتحدث عن شهر رمضان وحكمة الصيام فيه. لكنه ظن أنه الوحيد الذي يبحث ويطّلع، وراح يقول أن أهم ما أجمع عليه الشيوخ و"من يروا في أنفسهم علماء" عن حكمة صوم رمضان هو شعور الغني بالفقير، والحفاظ على صحة الإنسان. ويا للفقر الفكري! وكم يصبح الإنسان عريانا -فكريا- عندما ينطق بكلمات أكبر منه، وأكبر من علمه بجوهر الأمور.

 
تلخيص حكمة صيام شهر رمضان في هذين السببين، يشير بوضوح إلى أن عيسى لم يطلّع على أية مصادر أو حجج فكرية وفلسفية عن الصوم، وإن كان اطلع، فظني أنه استمع لعدد مما يُعرفون باسم "شيوخ مواقع التواصل الاجتماعي"، الذين يترصد لهم كثيرون لاصطياد أخطائهم والهجوم على الدين من خلالهم، رغم إدراكهم جيدا بافتقار هؤلاء الأشخاص للعلم. وهذا بالفعل ما نفذّه عيسى، إذ اتخذ ما قاله سالفا قاعدة وشيّد عليها بناءه، قائلا إن كل الأبحاث العلمية أثبت عكس ذلك وأن الصيام يضر بصحة الإنسان، وزاد بأسلوب يهدف للتشكيك، مستغلا الفقر الفكري لأصول الإيمان لدى العامة: "الصيام ما هو إلا قرار سيادي من الله، فالله يأمر أن نصوم ونحن نطيعه ونصوم، ولا داعي للبحث عن أسباب للوصول إلى سبب الصيام، فالحكمة الحقيقة أن الإنسان عبدا لله ويطيعه وينفذ أوامره".

 
مع الأسف بهذا الأسلوب الرخيص، ألقى عيسى الشك وغياب الرؤية في قلوب مستمعيه من العوام، وطرح لديهم صورة ضالة عن الإله، وكأنه يريد أن يقول: "ماذا تحسبون أنفسكم؟! أنتم مجرد عبيد، ستنصتون لما يأمركم به سيدكم، المتحكم فيكم، دون فهم ولا مبرر، بل وأنتم تعرفون أن هذه الأوامر تضركم، وتقضي على حياتكم!".

 

أشعر أن الله فرض على الإنسان الصوم لكي يوجهه من جديد إلى طريق الحقيقة، قائلا له: ضع حدا لقوى الشهوة (الطعام، الشراب، الجنس) وقوى الغضب (الانفعال، الغضب، العنف)

كذب عيسى عندما حاول إظهار الإله في صورة الظالم، وكذب حين قال أنه أطلع على مئات المصادر، وقرأ واستمع لعشرات العلماء ممن تحدثوا وكتبوا عن رمضان، وكذب أيضا عندما برر حكمة الصيام بالإحساس بالفقير، والحفاظ على الصحة. ورغم ذلك، لا أختلف مع عيسى في عدم اقتناعه بفكرة من يروجون أن الصيام يجعل الإنسان يشعر بحال الفقير، وحقا لو كان كذلك فكان الأولى فرضه على الأغنياء فقط، وإعفاء الفقراء، كما هو الحال في قضية الزكاة. كذلك لا أتفق مع المهرولين وراء فكرة الإعجاز العلمي للنصوص والشعائر الدينية، ساعين إلى تبرير ها دائما بظواهر أو أطروحات علمية وطبية، لا علاقة بها في الحقيقة بشكل كامل مع جوهر النص أو الشعيرة. يقولون إن العلم أثبت أن الصوم يهدف إلى الحفاظ على صحة الإنسان، والتمر فوائده كذا وكذا، وبول البعير يحمينا من كذا وكذا!

 

لا أشكك في أقوالهم، لكني أرى أنها بعيدة كل البعد عن جوهر ما يسعون إلى إثباته، ولو صدقوا في بعض منه. ومن ينظر في الطبيعة الاقتصادية والجغرافية التي نشأ فيها النبي محمد وأصحابه، سيرى أن التمر هو طعام رئيسي لمواطني هذه الجزيرة، الخالية من مراكز التسوق، وشركات اللحوم والألبان. لذا فكان أمرا طبيعا اعتمادهم على التمور المنتج الزراعي الطبيعي بشكل كبير في وجباتهم. والأمر نفسه ينطبق على استخدامهم لبول البعير كعلاج لبعض الأمراض، لافتقارهم شركات الدواء المعروفة في عصرنا.

 
أمّا الصوم فهو أمر آخر في رأيي. وبالتأكيد قارئ هذه الكلمات يعرف أن النبي محمد لم يبتدع فكرة الصوم من نفسه، بل كانت معروفة لدى جميع الأقوام التي سبقته، لاسيما بين أصحاب الأديان السماوية الأخرى. أعتقد أن الصوم هو وسيلة فريدة أختارها الله للإنسان وحده كمخلوق فريد من بين سائر مخلوقاته، لإنقاذه من الغرق في أمواج الحياة الهائجة التي تحكم قبضتها على الإنسان، وتنحصر فيها قدرته على التحكم في أفكاره وتحركاته. زوّد الله – جل في علاه – هذا المخلوق الفريد (الإنسان) بثلاث قوى رئيسية للعيش بين هذه الأمواج، ومقاومتها وعدم السماح لها بإغراقه وطرحه أسفلها:

 

undefined

  

أولها: القوة الشهوية وهي لجلب المنافع وتتلخص في الحاجة للطعام والشراب والجنس وغيرها من الأمور المحركة لنفس الإنسان.

وثانيها: القوة الغضبية، وهي لدفع المظالم، وتتلخص في الطاقات الداخلية، والغضب والانفعال وغيرها.

وثالثها: القوة العقلية القلبية، وهي حرية الاختيار وتمييز الخير على الشر، والإنصات لخواطر القلب والضمير والوجدان، وتساعد هذه القوة الإنسان على اكتشاف طبيعة الأشياء، وعلى رأسها ذات نفسه، وما حولها من موجودات ومخلوقات داخل وخارج حدود إدراكه، ومن ثم تظهر له الحقيقة كما قدرها الله له.

 

أشعر أن الله فرض على الإنسان الصوم لكي يوجهه من جديد إلى طريق الحقيقة، قائلا له: ضع حدا -ولو مؤقتا- لقوى الشهوة (الطعام، الشراب، الجنس) وقوى الغضب (الانفعال، الغضب، العنف)، وعد إلى أصلك، انصت إلى ذاتك، افتح قلبك إلى ما حولك وتدبر، كفاك لهثا وراء المادة، أنت لست حيوانا يسير في قطيع، أنت مميز، أنت "إنسان".

اِعرف نفسك، اِعرف كونك، واِعرف ربك، كفاك عادات وتقاليد، حطم قيودك، أنت حر، أنت خليفة الخالق على هذه الأرض. لا تسمح بالمادة أن تسرق طريقك منك، أنت من ستسيطر عليها، وتجعلها في خدمتك حتى تصل إلى الحقيقة. أنت الأساس، لا حاجة إلى شيخ، ولا وليّ، ولا وسيط، النبي إنسان، وأنت إنسان، أنت الجوهر، الهدف هو أنت لا غيرك. نعمة الإيمان بوجود خالق، لا تعني مجرد عبادات صماء، أو أوامر حمقاء تعسفية، غير مبررة. ليس الهدف من أي عبادة أو شعيرة في هذه الدنيا هو العبادة أو الشعيرة نفسها. وليست الحياة محدودة كما تظنها أنت. إذا فكر الإنسان، وصام هكذا، فلن يلحق الصيام أضرارا به أبدا، وسينطلق في حياة لم يعشها أو حتى يتخيلها من قبل.

 
ورغم التزام غالبيتنا بفروض ومناسك شهر رمضان التي نسمعها من الشيوخ والعلماء التي أشار إليها عيسى في حلقته، لكني أشعر بأسى وحرقة في صدري عندما لا أرى أثرا من كل ما كتبت لدى غالبيتنا خلال أيام الشهر الكريم، حيث يصير شغلنا الشاغل هو ما سنتاوله في الإفطار والسحور، وتقليص ساعات العمل، وزيادة سعات النوم، وأدعية وصلوات نفتقر فيها الإحساس بالخالق. وهذا بالتحديد ما يدفع أمثال عيسى لنقد العبادة، بدلا من نقد تصرفاتنا وفهمنا لجوهرها.

لعل كثيرين لن يشعروا بما أقصد بكلماتي هذه، وأعذرهم فهم مقيدون وسط أمواج المادة، غافلين عن جوهر مهمتهم على هذه الأرض، لكني مع ذلك أدعو خالقي لي، ولهم، ولإبراهيم عيسى أن يضيء لنا جميعا طريقنا نحو حقيقة الأشياء.