شعار قسم مدونات

رمضان الخير أشرق..

مدونات - مسلم
رمضان، باب الراحة الذى لا بد منه، بعد احد عشر شهرا قضاها المرء في جهاد العيش، مقيد النفس ومتأسد الشهوة ومعظم الهوى، لينبت جذور الخير في قلوب عامة المسلمين، ويسقى البر الظمآن، ويرجع الروح إلى منبعها الأول الطيب النقي البريء الأقدس، لنبرأ فيه من الذنوب التي وضعتها الحياة على كاهلنا، ونطهر من رجس الشيطان، ونتزود من الحق والخير والجمال والنعم وأنفس الشيم، مما يهبنا بعض الدرع لنحتمي به من فتنة الدنيا ومحنة الناس، ان رمضان شعر للروح بالتأمل، وتوفيق وثيق بين القلب والدين، وشعور بمحبة الناس أجمعين، وتأليف القلوب المتنافرة، وتليين ما صلب من الرحمة، وعبادة القلب بالشعور، ونفحة من السماء بهلالها الذى يشبه ابتسامة الأحبة، ونجومها التي تستشعرها معرض جواهر تتزين منه الحور العين لعتقاء هذا الشهر الفضيل، وتعم الملائكية بين البشر فتكاد تشم أنفاسها بيننا، شهر تفيض أيامه بالسرور وتشرق لياليه بالنور، يغمرنا فيه فيض من الشعور الديني اللطيف، يجعلنا بين يقظة القلب ونشوة الاخاء ونقاء التسامح وترقرق الترحيب وعذوبة البسمات ورقة الرحمات، ترى الأقوام مجتمعة يتأملون في عظمة الله، يتأملون بكثرة، ويستمعون بكثرة، البشاشة على الوجوه وزاد الحب ينسى المرء زاده من طعامه وشرابه، حتى ليتمنى أن يطول بقائه صائما. 
 

النساء يوزعن الود على المنازل ويتبادلن الحلوى مع الجيران، وكأن هلال الشهر يجبر القلوب على الارتسام بهيئته، والأطفال بفوانيسهم في الميادين والطرقات كأنهم موضع اللبنة بهذا الشهر، تتقرب الألسنة مع القلوب إلى الله بالذكر والصدقات وقراءة القرائن، والمساجد الخالية تمتلئ، وتستبشر بالوجوه الخيرة، وكأنها اغتسلت من رياح الشهر، والمآذن المتألقة بالمصابيح، والاجتماعات المتأنقة بالتسابيح، تسير على نور الله وكلمته في الأرض.. وما أروع المدن في صمتها عند الإفطار! وجلبتها عند السحور! وضجتها لحظة انطلاق المدفع! في هذه الشهر ترتبط أعضاء الأسرة أعظم الارتباط وتتواصل وتتعاطف وتتشاطر الهموم والأفراح، وبين أفراد الأمة يعم التزاور والتالف والود.

 

في بيوت القرى خاصة، تدر ثديان الخير لبنها، وتغدق سحب النعم، وتنتشر أملاك الوصال، هنالك تتملك البيوت شعور تقى هادئ خاشع، فلا تكاد تطرق طبلة أذنك لغوا من حديث ولا عنفا في جدل أو خصومه

رمضان يعيد إلينا صورة العزة، تشعر وكأن عهد الإسلام المنتصر مصبوغ بهذا الشهر، الذي لو استمر به المسلمون على ما هم عليه، لتغير الكثير والكثير. ولكن إذا كان في أمتنا من يستقبل رمضان بلسان طويل ووجه حانق وتعبير جاف، فهما الشيطان المغوي الذي يقيد من صيام النهار وقيام الليل، والمسلم المزيف من لأصحاب المقاهي والمطاعم التي تعمها الكساد ورمضان هو المسؤول، وأصحاب الحانات كذلك فالسكير لا يشرب في رمضان، والمقامر لا يلعب، وهناك الذى لا يجد في رمضان متنفسا لشهواته، ومبرئا لنزواته، وقيدا لغرائزه، فهو يرميه بكثرة الصعوبات والمشقات وشل الحركة وتدهور الصحة، كأنه ليس من أمتنا، فيتخذ لنفسه رمضانا اخر فيبيح لنفسه النظرة والكلمة القبيحة والأكلة الدسمة والكأس المثلجة والسيجارة السميكة، ولا يكلفه شيئا الا أن يجامل الغير ريائا، بجعل عشاءه بعد طلقة المدفع، فهذا ما يتحمله بدنه، واذا كان هناك من قارئ أو ذاكر أو ساق على الافطار بين البيوت، فان في بيت هذا وأمثاله أصواتا من الغناء وألوانا من الحرام وأهازيج الرقص، ويصبح همه في حياته أن يعيش ويلعب، وكأننا خلقنا لنعيش صعاليق، أو لننجب ونتكاثر وتكون تلك وظيفتنا الرسمية فقط كالبهائم، ولا تميزنا خصيصة من الفردانية والانسانية، ولا شعيرة من عقيدة، ولا منبرا من الدعوة إلى الله.

 

في بيوت القرى خاصة، تدر ثديان الخير لبنها، وتغدق سحب النعم، وتنتشر أملاك الوصال، هنالك تتملك البيوت شعور تقى هادئ خاشع، فلا تكاد تطرق طبلة أذنك لغوا من حديث ولا عنفا في جدل أو خصومه، وإذا أخطأ أحد رافعا صوته مغلظا ألفاظه، ما يلبث حتى يقبل الرأس ويستغفر ويندم ويقول " أسنغفر الله.. اللهم انى صائم "، ان رمضان يرجع النفس نقية كقطرة ماء الكوثر، وطاهرة كفطرة الطفل، فلا تسمع عن قتل أو سرقة أو زنا أو شهادة زور أو خصام، ولا نقترب من منكر، وأنعم بالجلال وسمو السماء فيزداد الجمال، حين ترى فاسد الأمس عابد اليوم، ومن بيته إلى المسجد نظيف الثوب، نقى القلب، بسام الثغر، متلألأ الوجه، مستنير العبادة، رقراق المحبة، مستفيض الذكر، مستطير الفرح، متصلا بالله فوق سبع سماوات.

 

إن رمضان بيننا كأنه رجل له حياة وعمر وشخصية ومنظر، نذكره قبل قدومه بشهرين ونعد له عدته ومتاعه، ونهيأ أنفسنا وأسبابنا، فمرحبا بأفضل ضيف وأرحب مسكن، وأهلا وسهلا.