الخلوة مع الله.. أقرب أنيس في الغربة

blogs الحجاب

بدأت قصتي في عامي العشرين، وذلك بعد موافقة والديّ للسفر وإتمام تعليمي في مصر، كنت أعلم أن الأمر لن يكون سهلًا، وأني سأمر بلحظات أعجز فيها عن إيجاد سعادتي، ولكني كنت أظن أن الأمر كله أو غالبيته سيكون بسبب بعدي عن أهلي واشتياقي لهم ولهفة الحنين للوطن والأحباب، حتى تبين لي أن الأمر ليس بمطلقه هكذا، نعم هو جزء عسير من مسيرتي لكنه أهون الأسباب!

وبما أني أعلم بأن من يحفظ الله يحفظه وأن الفرصة إن أتت قد لا يأتي غيرها أبدًا فأعيش بقية حياتي ندمًا وألمًا لضياعها لذا أقدمت على خطوة كبيرة كهذه، تركت دراسة عامين كاملين في أحد جامعات وطني الحبيب، لم آبه لعمري الذي مضى، لم ألق سمعي على كل من حاول تثبيطي وكل من حاول التقليل من هدفي ومسعاي، ولولا لطف الله بي لما استطعت تحمل كلماتهم الموجعة. ففي أحد الأيام كنت على شفا حفرة من أن استسلم لهم وأتراجع حتى سمعتُ قوله سبحانه: "وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ ۖ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ"! فأي مواساة تلك وأي رحمة نزلت على قلبي فأحيته من جديد! فأعود للطريق أكثر ثباتًا وأكثر عزمًا وأقوى إرادة من ذي قبل.

حتى أتى يوم السفر يوم مغادرة البيت الذي حضنني في أشد أوقاتي صعوبة، يوم مفارقة والديّ، وإخوتي الذين نشأت بينهم ومعهم، أسررت عبراتي عنهم فكل ما أريد أن يروه مني أني قوية وثابته حتى في أشد الأوقات ثقلًا على القلب ألا وهي لحظات الفراق، فلا يوجد أصعب ولا أجهد على القلب من فراقِ من نحب، غادرتهم وأنا مثقلة الكاهل منكسرة الروح، حتى حسبت أنني تركتهم بجسدي دون روحه، وحال قلبي بأنه لا يريد الرحيل، ولكن أيجدي التراجع الآن بل هل هو خيار صحيح! قطعًا لا، لم يكن أمامي إلا أن أكمل الطريق وألا ألتفت لآلامي، الآن وجب عليّ تجاهلها، فمن يريد المجد حقًا لا يبالي بالجراح، ومضيت في سبيلي الذي قدّرته على نفسي بأمر ربي. 

في غربتك ستعلم كم كنت بعيدًا عن ربك، ستعلم أنك لم تتحرك إلى الله سوى بضع خطوات قليل، وأن كل خلواتك تلك لم تشعر بها كما المطلوب

ومضت بضع أيام من سنين غربتي، كان الأمر في بدايته أشبه بالصدمة لم أكن أشعر بشيء لا شوق ولا غربة، لا شيء إطلاقًا، لربما حينها حاولت التأقلم مع من حولي ليتسنى لي استغلال وقتي على أحسن وجه أو أنها كانت بداية مجهولة ليتضح لي فيما بعد أن الغربة أكبر من كونها اشتياق لقد فاقت كل مشاعر الحنين، إنّما الغربة هي غربة الروح عن ربها وما دون ذلك هيّنٌ لا يذكر، ويا لوحشة الدرب حين انقطاع الاتصال بخالق هذه الروح، وأي درب ذاك الذي نسير فيه إن لم يكن الله هو المبتغى الأسمى والهدف الأول ولم يكن هو نورنا ومؤنسنا فيه. 

في غربتك ستعلم كم كنت بعيدًا عن ربك، ستعلم أنك لم تتحرك إلى الله سوى بضع خطوات قليل، وأن كل خلواتك تلك لم تشعر بها كما المطلوب، سيأتي عليك ليلك ويغيب عنك كل من حولك وتجلس حائرًا وحيدًا ترقُب السماء تنتظر إجابة عن كثيرٍ مما يجول في خاطرك، وتخاطب الله بكلمات أكثر صدقًا وطلبًا للجواب، تسأله بحرقة أن من لي سواك يا الله دُلني أين الطريق أنر بصيرتي، كم من سؤال يَشغُل بالك في تلك اللحظات وكم من دمعة ستُذرف لحيرتك وتوهانك.

وفي غربتك وقتك محسوب عليك أكثر من أي وقت مضى، فلا وقت للجلوس والنحيب وستدرك أن عليك البكاء واقفًا ولو على قدم واحدة، إذا فلابد من حل ولابد من نهاية لشتاتك، فيأتيك لُطف الله من جديد لتقرأ قوله سبحانه: "وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ" فأنّى لك أن تبحث عن ما يأرقك ويشغل بالك بعيدًا عن كتاب الله، فيكون هو مؤنس وحشتك ورفيق دربك ونور قلبك، وهاديك السبيل، فتدرك أن كل حياتك قبله كانت في ظلام ليلٍ حالك هو أشد وطئةً على قلبك حتى تتخذ الكتاب وكيلًا وحسيبًا فيكون لك أقوم قيلًا، أي أكثر ثباتًا في الخير، فهو إعلان لسيطرة الروح وإيثار للأنس به والخلوة معه، وحين يتجلى القرآن في حياتك استعد وافتح له قلبك "إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا" قول ثقيل في الميزان وثقيل الأثر في القلب، ليتبين لك الرشد من الغيّ. "خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ" ليأتيك الله طُهر وعفة ونظافة قلبك ونفسك، فتواجه به مصاعب الحياة وما فيها من فتن.