شعار قسم مدونات

وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا..

مدونات - رجل وحمار

وفي البَدء وقبل التعريج على لُبِّ الحديث وقبل تفريغ ما امتلأتْ به جُعبَةٌ ازدرتْ أنْ تعيشَ بصمتٍ راضيةً بما ظُنَّ أنَّه من صنيع الأقدار لا بُدَّ من القول: اللهمَّ اغْنِنا بحلالكَ عنْ حَرامك، وبفضلكَ عمَّنْ سواك، واجعلنا أئمةً هداةً بأمرِك وَاهْدِنا لفِعْلِ الخيرات، واجعلنا لكَ عابدين، وأمَّا بعدُ يا رمضان..

 

في البداية حين أدركتْ النَّفسُ وجودَكَ أوّل مرةٍ شَقَّ عليها ذلك وأحسَّتْ بثِقَلكَ، وبطَبْعِها أمَّارةً بالسوء فوسوستْ لأحدهم بالعصيان ومخالفة أمرِك كفريضة، ولكنْ حينَ أدركتْ مَعناكَ بَعْدَ وجودكَ، أدركتْ فيكَ جوع الفقير، وحاجةَ المسكين، وصبرَ العائز، ومُصابَ المَعدوم، ومشاقةَ المريض، أدركتْ فيكَ الإخلاص، وعرفتْ فيكَ الانعتاق، وأبصرتْ فيكَ سُموَّ الروح، وحينها ومنكَ كان المُنطلَق اختلطتْ وانعجنتْ بكريم القرآن، فذاقتْ فيكَ حلاوة الإيمان.. 

 

فيكَ نالَ ذلك العبدُ الفقيرُ إمامة الصلاة، لتُبرهنَ للنَّاس كيفَ تَرفعُ ذكرَهم بما وضعَ الله فيكَ من فضلٍ وفضيلة، وفيكَ عاش آخرُ بين صفحات القرآن، تلاوةً وتفكُّرًا، فأدركَ أنَّ الصيامَ فيك أعمقُ من امتناعٍ عن طعامٍ وشراب، بل هو التجرُّدُ لله دون سواه، فنُّ الطاعة وذائقةُ العبادة، وفيكَ فكَّ ثالثٌ قيودَه، وعرفَ أنَّ العبوديّة لله حريَّةٌ أخرى أتمُّ وأكملُ مِنْ سواها، وفيكَ اطمأنَّ القلبُ، وسكنتْ السكينةُ النَّفسَ، وهُذِّبت الجوارحُ، وفيكَ أفِلتْ نجومُ أصنام البشر، وسطعتْ شمسُ التوحيد لله وضّاءةً بالهدى الربّانيِّ، بيِّناتٍ من الهُدى والفرقان، فلا أوحشَ الله منكَ يا رمضان!

 

سئمنا استجداء الشفقة من سوق الغرب محاولين أنْ نريهم حداثة مقيتة هشة ضعيفة، نعم؛ توجيه الرسائل الإنسانية عمل جميل ولكن دون إذلال وتحقير للذات العربية والإسلامية

ولأنَّ رمضان شهرُ القرآن فكان لا بُدَّ لنا مِنْ وقفةٍ مع القرآن، مع إطلالةٍ من قَلبِه تهدينَا لننظرَ بعينِ الفاحص لحالٍ ما زالتْ منصوبةً بحكم قواعد اللغة، مُعلَّقةً بحكم قواعد السياسة، ولأنَّنا -وبكلِّ فخر- أصحابُ النِّعَم والثروات، -وبعد الاطلاع- فكانتْ نافذة سورة النحل نافذة فذَّة لسبر أغوارِ النَّفسِ الهائمة على وجهها، السائحة في أرجاء الكون تبحث عنْ هُويَّةٍ بلْ عن وجودٍ، بعدَ أنْ قسَّاها طول الأملِ بلا طائل، فسورةُ النِّعَمِ تحدَّثتْ عمَّا أعطى اللهُ وما وَهَب، فكان مِنْ جُملَتِهِ ما جاء في الآية الثامنة: "وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً ۚ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ".. وقدْ نبَّهني صاحبي يومًا فقال لي: ما خُلقتْ إلا لتُركبَ يا أخي وزِينَة، لا لتُناقشَ ولا لتُجادل، لا لِتقرِّرَ مصيرَها ولا لتُحاور، لا لتتحدَّى ولا لتُغيِّر، لتَحْمِل دونَ أنْ تَعْقِلْ، ولتصمتَ وتسكت، فإنَّ أنكرَ الأصواتِ لصوتُ الحمير!

 

أصلُ الحكاية قديم، تاجرٌ يهوديّ يشري حميرَ إحدى القرى الغنيّة، الواحد تلوَ الآخر يبخسُ في سعرها ويزيد، حتى اشتراها كُلَّها ثمَّ عرضها للبيع بسعرٍ باهظ وغرَّر فيها أهل القرية، ثمَّ بعث جابيَه ليعرضها بسعرٍ أقلَّ قليلًا، فاشتروها مرَّةً أخرى طمعًا أنْ يبيعوها لذلك التاجر واستدانوا وأفلسوا طلبًا لخدمة لم تلمسها أيديهم قطّ، واستجدوا ما لا يُستجدى فأصبحوا فقراء حتى بعد أن عادت إليهم حميرُهم، وأعلنَ بنكُهُم إفلاسَه، ففعلَ فيهم ما فعله بحميرِهم فأصبحوا جميعًا بلا ثمن، ووظيفتهم هي أنْ يدفعوا ولا شيء غيرَ ذلك، استجداءً لكرامةٍ أهينتْ وبيعتْ في سوق النخاسة بثمن دراهم معدودة، وكانوا فيها من الزاهدين!

 

جاء في الآية التاسعة من سورة النحل: "وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ ۚ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ".. فبيَّن الله للنُّفوس طريقَ الهداية المستقيم، فأبتْ بعضّ النفوس إلا أنْ تميلَ عن الحقِّ صوبَ الاعوجاج، وكأنَّها قَبِلتْ أنْ تُساسَ كما تُساسُ الأنعامُ في اتصال مباشر بين الآيتين، فيه العِبرةُ والموعظة وبيان مصيرِ من انتهجَ ما يهدرُ كرامتَه ويضيمُها، لتنعكسَ الآيتان واقعًا معيشًا في خضمَّ ما يحدثُ من أهوال ومصائب في وطننا العربيّ الإسلاميّ، في مُسلسل التنازلات المستمرِّ، والارتماء في أحضان من قتلوا وسفكوا وأمعنوا في الظلم والتشريد، بعد أنْ رضوا أنْ يكونوا عبيد اليوم بعد أنْ كانوا في الأَمْسِ سادة الدنيا وقادتها.

 

سبعونَ عامًا على نكبةٍ منْ نكباتٍ كثيرةٍ ابتُلينا بها، سبعونَ عامًا من التهجير والقتل والحرمان، جعلتْ سُكَّان قطاع غزة المحاصر يخرجون عن بكرة أبيهم مطالبين بحقٍّ تقادم توارثوه جيلًا عن جيل، بطريقة سلميِّةٍ وبحقٍّ تكفلُه القوانينُ والأعرافُ الدولية، ليدفعوا ثمنَ ذلكَ شهداء وجرحى، ليخرجَ علينا البعضُ لا ليترحموا أو يقفوا في صفهم، بل ليطعنوا ويجرِّموا فِعْلَهم، بعدَ أنْ سئموا حالة الخنوع والذُلِّ والانبطاح، بعد أنْ خرجوا مدافعين عَنْ شرَف الأمَّة الذي أُهدرَ دمُهُ مرارًا وتكرارًا، ليستهجن البعضُ حالةَ العزِّ والكبرياء مطالبين أهلَ القطاع بالسكوت والرضى بما قسموا لأنفسهم من ذُلٍّ وهوان.

  

إيفانكا ترامب أثناء افتتاح السفارة الأميركية في القدس (رويترز)
إيفانكا ترامب أثناء افتتاح السفارة الأميركية في القدس (رويترز)

 

في الذكرى السبعين للنكبة ولتأسيس دولة الاحتلال في خطوة تصفُ مقدار العنجهية التي وصلَ إليها الرئيسُ الأمريكي دونالد ترامب، تفتتحُ الحسناء الأمريكية سفارة بلادها في القدس عاصمة فلسطين، لتؤكد على أنَّ القدس شرقيةً وغربيةً هي عاصمةُ إسرائيل الأبدية، ضاربةً عرضَ الحائط سيلَ التصريحات والتحذيرات من خطورة الموقف، وكأنّها توقنُ قطعيًا أنَّهم قد سكتوا من قبل عن حرقه، فلن تتحرك كروشهم المنفوخة اليومَ أبدًا، بل إنَّ منهم من قال: "على الفلسطينين أن يتوقفوا عن التذمّر، عليهم أن يصمتوا!" ليخرج فقط بضعُ مئة شخص يتظاهرون سلميًّا ضد ذلك القرار المجحف ليُعتدى عليهم بوحشية، وبعد اجتماعٍ مهيب لوزراء الخارجية العرب، يخرجون بقرارٍ بطولي: "لكم حرية التصرِّف مع غواتيمالا" والتي قد نقلتْ سفارتَها كذلك.

 

وتستمرُّ المأساةُ تلو المأساة، لتُستجدى الكرامةُ من سوق النخاسة بذُلٍّ على شاكلة انفتاحٍ وتحضُّر، بالموسيقى والألوان وببراءة الأطفال يُروَّجُ لإعلانٍ لشركة اتصالٍ معروفة، عنونته: "سنفطرُ في القدس عاصمة فلسطين" أو في رواية أخرى "سيدي الرئيس" يستجدي فيه طفلٌ بكلِّ معاني البؤس واليأس رحمةَ من لُطِّختْ أيديهم بالأحمر القاني بالدماء البريئة، إعلان يظهرنا في موقف الضعف الذي يعقبه استسلام، موقف الباكي العاجز الذي ينتظر ممّنْ عَلَوا في الأرض وجعلوا أهلها شِيَعًا أنْ ينقذوه ويأخذوا بيده، ولكنْ هيهات!

 

لقد أصبحنا نعيشُ زمنًا صعبًا، أصبح فيه شعارُ التسلِّحِ بالدين-نظام حياة كامل- كخيارٍ وحيد يؤخذُ على أنَّه مثالية غير مرغوب فيها، وشَططٌ فكري بعيدًا عن الواقع البراغماتي الذي يُطوَّعُ فيه الدين ليواكب ما وصل إليه البشر من عِلمٍ وفلسفة وتكنولوجيا، يُرادُ للدين أنْ يُوضعَ في قوالبَ بشرية، فيُحكمُ على القابضين عليه إما بالتخلُّفِ والرجعية، أو بأحلام اليقظة والعيشِ في واقعٍ وهمي، سئمنا استجداء الشفقة من سوق الغرب محاولين أنْ نريهم حداثة مقيتة هشة ضعيفة، نعم؛ توجيه الرسائل الإنسانية عمل جميل ولكن دون إذلال وتحقير للذات العربية والإسلامية، دون أنْ نقرَّ بالذل الممارس علينا كنهج لحياتِنا، دون أنْ نرضى أنْ نُساقَ دائما قطعانًا، فكيفَ يُستجدى الماءُ الزُّلالُ مِنْ نَبْعٍ عكرةٍ جدًّا، ألم يَأْنِ لنا أنْ نوطِّن أنفسنا؟!

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.