مدارس أم أسواق نخاسة؟

blogs فصل دراسي، تعليم

أصبحت أكره الأنظمة التعليمية وأكره كل ما يساعد على حشر الصغار للتعلم وفق مناهج وخطط معدة مسبقا، فهذه الأنظمة تسوق الناس إلى مصير واحد وتزنهم في ميزان واحد. والناظر إلى أحوال الناس اليوم يرى أنها أصل البلاء وجذر الداء، فالمتعلم يرى نفسه سجين الروتين ومن لم يلج جدران المدرسة تجده نادما متحسرا، ولا يندم إلا لأنه يرى بعين الحسد أن المتعلم أحسن منه حالا وأكثر منه استقرارا ثم إن المدرسة سجن الإبداع ومصنع البلادة.

 

نخرج منها نعرف عن كل شيء ولا نتقن أي شيء. ندخل إليها بعقول بريئة تحمل ألف سؤال، ونخرج منها فنُسأَل أين الجواب؟، ربما نجيب لكننا نجد أنفسنا قد نسينا طريقة طرح السؤال. وقد عرف اﻷولون المعرفة على أنها دهشة ثم شك ثم سؤال ثم جواب ثم اكتشاف. إذا فأي فائدة ترجى ممن يعطينا الجواب لكن يفقدنا ملكة التساؤل، أي فائدة ترجى من المدرسة وهي لا تنتج إلا المرضى الذين يعانون تحت وطأة عقد نفسية ناتجة عن أحداث وقعت مع معلمين أو زملاء ما يسمى "التمدرس". 

جميعنا نعلم حيلة جحا مع حماره الجائع فهو عوضا عن أن يتعب نفسه بضرب مؤخرة الحمار، يضع أمامه جزرة تحفزه على المضي قدما. على هذا المثال تسير الأنظمة التعليمية، كل ما عليك هو أن تضع مكان الجزرة نتائج اختبارات ممتازة أو ربما وظيفة ومكان الحمار المتعلمَ الذي قد يكون هو أنت أيها القارئ العزيز. هذا هو التفسير الوحيد لنسيان المتعلم ما درسه مباشرة بعد الامتحانات وهو التفسير الوحيد أيضا لتوقف البعض عن التعلم نهائيا بعد إيجاد وظيفة لأن الفراغ الذي كان يريد ملأه منذ البداية في الحقيقة هو فراغ جيبه لا فراغ عقله.

 

القيم والأخلاق من أهم ما يجب أن توفره المدرسة لمرتاديها، فإلى جانب المهارات التي يجب أن يكتسبها المتخرج، لابد أن يكون هذا الأخير سويا في أفكاره سويا في تصرفاته سويا في سلوكه

هذا المنهاج المعاق الذي يربط أخذ العلم بعلو الدرجات في الامتحانات، ويربط اختيار المسار الدراسي بكثرة الآفاق المهنية لا بشغف ولا رغبة في اكتشاف. أعطانا نوابغ في الأدب يدرسون مخلفات آينشتاين، أعطانا رياضيين عاكفين على تحليل نصوص نجيب محفوظ، فلا هم تمرسوا على ما يحبون ولا هم أتقنوا ما يدرسون. نسجن الشاب في زهرة عمره ليدرس ما لا يحب ونسأل، ما بال نفسيته لا تخرج من اكتئاب إلا لتدخل في آخر؟، أين علو الهمة؟، أين روح الشباب؟، أهؤلاء بناة المستقبل؟ جرب أن تغرس وردة في صحراء قاحلة فإن هي أزهرت وتفتحت، فنحن التائهون حتما سنزهر.

القيم والأخلاق من أهم ما يجب أن توفره المدرسة لمرتاديها، فإلى جانب المهارات التي يجب أن يكتسبها المتخرج، لابد أن يكون هذا الأخير سويا في أفكاره سويا في تصرفاته سويا في سلوكه، فيكون الصدق في الحديث خصلة لا يحيد عنها، والأمانة عنده عادة لا تسائله فيها نفس ولا شيطان، واحترام الكبار ومن هم أعلى منه شأنا حق لهم عليه.

 

أما مدارسنا اليوم بل مدارس الغرب أيضا تئن وجعا بسبب الموبقات الأخلاقية والقيمية فهذا تلميذ لا ينفك يشكو زميله المتنمر الذي يزعجه دوما، وهذا أستاذ أزعجه المشاغبون فإن ضرب وقسا تصبح قاعة درسه كقاعة تعذيب، وإن لان واستسلم يصبح التلاميذ أسيادا لا كلمة إلا كلمتهم، بل قد يصبح الأستاذ معرضا للضرب إن هو تمادى في ليونة الطبع وتجاوز الزلات، ثم لا ننسى الخدع التي أتقنها أغلبنا للتهرب من العقاب عند نسيان الواجبات أو عدم حفظ المحفوظات فنكذب ونناور ونختلق الأعذار إلى أن يقتنع الأستاذ أو ننال حظنا من العقاب، ثم كيف لمكان يشاع بين الناس أنه يعنى بتلاقح الأفكار واكتساب العلوم وسمو الأذواق، أن يغدو مكانا تسعى فيه الذئاب البشرية لنيل مبتغاها من فرائس تعاني فراغا عاطفيا.

 

يبدأ الذئب بكلمة فتعجب الفريسة لفعل كلمته في نفسها، فتتوالى عليها أيام لا تطرب فيها إلا لحديثه فتدمنه وتسلمه نفسها فتظن الحمقاء أنها أحبته، وما ذاك إلا مفعول بذرة فاسدة بذرها فاسد في تربة صالحة للزراعة فسقتها قسوة أب وانعدام حنان أم وظلم أخ. أضف إلى ذلك أن المدارس أصبحت أسواقا لشتى أنواع الممنوعات تمر بتلميذ فتسأله عن مفاهيم درسها واستوردت الوزارة بيداغوجيات ومقاربات كثيرة لترسيخها في دماغه فلا يجيب وإن أنت سألته عن مخدر أعطاك اسمه ونوعه وأصله ومكان إنتاجه ودرجة الانتشاء التي ستبلغها إن جربته.

وهل تتوقع خروج العسل من جوف الحنظل؟؟، توقع مجرمين وسفاحين وغشاشين، توقع معاملات مالية فاسدة توقع سياسيين فاسدين توقع شبابا قتلتهم البطالة ومادية التفكير، توقع حوادث التحرش والاغتصاب توقع مجتمعا أنانيا ماديا لا قيمة عنده لقيم ولا لروح إنسانية انمحى واندثر عنده مفهوم المشاركة المجتمعية والمساهمة في البناء، وحل مكانه التفكير في النفس وما ستجني من الانخراط في المجتمع.

 

توقع حكما مستبدا وشعبا جاهلا لا يفرق بين صالح وطالح، بالتمعن في هذه الصورة السوداوية القاتمة تظهر جليا بعض الجواهر المشعة. أناس لم ينتجهم المنهاج ولكن أنتجتهم الصدفة. صدفة التقائهم بأساتذة ملهمين استثنائيين غرسوا فيهم حب العلم والقيم الفاضلة أو آباء عارفين جديين في تربية أبنائهم أذكياء في طريقة التواصل معهم. وعلى كثرة هؤلاء نعول للبناء وتعويض نقص وفساد الآخرين. أما الحديث عن استقدام الحلول التربوية والتعليمية من الخارج وتجريبها على دولنا فهو مصيبة أخرى، فما يصلح للآخرين قد لا يصلح لنا فمجتمعاتنا تختلف عنهم، لنا خصوصياتنا التي نتفرد بها. وما هذا إلا تكريس للتبعية وللحاجة الدائمة للغرب.

نريد اليوم جيلا عارفا بشتى العلوم، خلوقا، عالي كعب عند الشدائد، يتطلع لنمو وازدهار بلده وتحقيق أهدافه، مبدعا، مجدا.
نريد اليوم جيلا عارفا بشتى العلوم، خلوقا، عالي كعب عند الشدائد، يتطلع لنمو وازدهار بلده وتحقيق أهدافه، مبدعا، مجدا.
 

نتائج هذه التبعية نراها اليوم بادية أمام أعيننا، نلبس لباسهم ونأكل أكلهم ونتداوى بأدويتهم ونحارب بأسلحتهم، لقد نجحوا في شيء واحد أيما نجاح، هو قتل روح الإبداع فينا. فإن أحيينا هذه الروح سيخترع لنا خياطنا لباسا مستمدا من ثقافتنا يجاري الحياة العصرية، فلا نضطر لربط أعناقنا بتلك الربطات عديمة النفع، سيخترع لنا الصيدلي دواءنا وينتج العسكري سلاحنا. وينتج المبرمج مواقع للتواصل بيننا، ونطور لغاتنا ونجعلها وسيلة التواصل الأولى بيننا في الإدارات والجامعات. إن أحيينا الإبداع سنكون دولا قائمة بحق.

الأصل والمنطق هو أن تنتج لنا المدرسة أشخاصا يضعون كل شيء في ميزان العقل وعليه يقيسون كل شؤون حياتهم، لكنها تنتج أناسا يجيدون عملا محددا ينجزونه في صمت دون إحداث أي ضجيج. وهذا عين ما تريده الشركات فهي تريدك جبانا خائفا من فزاعة الطرد والبطالة، طماعا متملقا تسعى لنيل رضى مديرك رغبة في ترقية. هم لا يريدون شخصا يفسد عليهم زملاءه ويحاسبهم على كل شيء وينقص من أرباحهم فقط لأنه يفكر.

أنا وأنت والجميع نعلم أن المناهج الدراسية اليوم ليست إلا أداة لتخريج أفواج من العاملين في "أسواق شغل" للشركات الرأسمالية المتوحشة. وهي أسواق فعلا السلعة فيها "بشر" باعوا عقولهم من أجل دراهم معدودة. لذلك يا صديقي إن لم تكن قد تمدرست يوما فافرح واضحك ملء شدقيك ذلك البناء الذي يسمونه مدرسة ليس إلا طابعة تنتج مستخدمين يعملون دون تفكير أما إن كنت متعلما فانس كل ما علموك وابدأ من الصفر وخير ما قيل في هذا الباب هو قول الفيزيائي ألبرت آينشتاين: "التعليم العمومي يعطيك وضيفة أما التعلم الذاتي فيعطيك عقلا".

أمام كل هذه المشاكل التي يتخبط فيها التعليم في دولنا العربية والإسلامية عامة وفي بلدي المغرب خاصة، نسائل القادة والمفكرين والباحثين وعامة الناس، ألا يوجد حل؟، لا نريد حلا شرقيا ولا غربيا نريد حلا من أعماقنا المجتمعية متقبلا لعاداتنا ذائبا فيها، نريد اليوم جيلا عارفا بشتى العلوم، خلوقا، عالي كعب عند الشدائد، يتطلع لنمو وازدهار بلده وتحقيق أهدافه، مبدعا، مجدا. سئمنا من رؤية أحداث العنف في المدارس كل مرة يكون ضحيتها أحد طرفي التلقين فإما أستاذ وإما تلميذ. لا نريد جيلا كذابا، منافقا، جاهلا وإن درس. باختصار لا نريد جيلا آخر مريضا.