لماذا نحتاج أن نخسر الكثير لنكسب أنفسنا؟

مدونات - فتاة امرأة

الذاكرة.. قد نعاني آلاما عضوية عديدة في مراحل من حياتنا، لكن يبقى لألم الذاكرة حصة لا يستهان بها من الوجع. تمر بنا لحظات فرح وألم، لحظات انتشاء وندم، لحظات نظن أنها تعاش مرة فقط، لنوقن بعدها أنها سترافقنا فوق العمر عمرا. لحظات تظل قابعة في ذاكراتنا إلى الأبد، تأبى إلا أن تظهر في كل حين لتشدّ رباطنا بالماضي بإحكام.
   
قد تأتي الذكريات على هيئة شريط يمر أمام عينيك مثقلا بوجوه كانت تعني لك العالم بمن فيه، فصارت شاحبة تحمل بقايا ملامح ونظرات لا حياة فيها، يعتريها الحياد من كل جانب.. أو على هيئة ضحكات كان رنينها يعلو على ضجيج العالم أجمع، وكأنها مواويل يُتغنّى بها لتلامس روحك أنت دون غيرك، فصارت مجرد أصداء عابرة خالية من كل المعاني. ففي لحظات معينة من حياتنا، قد نستهلك عمرا بأكمله لنكتشف أن أحاسيسنا استُنزفت في المكان الخطأ، أن أكثر أحرفنا صدقا خُطّت في التوقيت الخطأ، وأن ليال مكسوة بتراتيل العشق هُدرت حين تغنينا بها للشخص الخطأ. ثم نمضي في طريقنا بغية العثور على شعلة الفرح تلك التي تجعلنا نتجاوز مرّ تجاربنا، لتفاجئنا نوبات الحنين في أكثر الأوقات حرجا، ترفع عنا حجابا كنا قد وضعناه بيننا وبين تلك التجارب، موّضحة الرؤيا أكثر مما ينبغي.

  

لأن لا شيء يبقى على حاله، ولأن لا شيء يجيء ولا يرحل، فحتى تلك الأشياء التي ظنناها ثابتة تتغير. كل ما هو مشروط زائل حتى وإن لم يكن زواله في حساباتنا

ففي الوقت الذي تكون أكبر أمانينا أن تكون الحياة بالكرم الذي يجعلها قادرة على منحنا خيار تجاوز ما لا نرغب في تذكره -كتلك الأجهزة الإلكترونية-، حتى نتجاوز بعض الأشخاص والأحداث بما يعادل آلاف الأميال، حتى نجعلها غير قادرة على التربع على عرش الذاكرة كما هو الحال الآن، يظهر أمامنا كل ما من شأنه تذكيرنا، كتلك الألحان التي أحببناها، فصرنا غير قادرين على سماعها الآن لما تحمله معها من تفاصيل أشخاص وأشياء لم نعد قادرين على تذكرها ولا على نسيانها. أو كتلك الأماكن التي وجب الابتعاد عنها قدر الإمكان برغم ما في القلب لها من حنين.. وعن أشياء بقدر ما كانت جميلة في حينها، إلا أنها صارت تُدمي القلب وتصيب الذاكرة بأقسى أنواع الألم والأنين.

 
ثم تشعر فجأة، بعد هذا وذاك، وكأنه لا مكان قادر على استيعابك، وعلى تحمل كل ذلك الضجيج الذي يُحدثه رأسك، والذي لا يصل إلى مسامع أحد غيرك. وبرغم كل هذا الهدوء الظاهر على ملامحك، إلا أن بداخلك ألف قصة، وألف دمعة، وألف خيبة لا يراها إلا من ينظر إليك بعين قلبه، كأمك.

 
ولأن لا شيء يبقى على حاله، ولأن لا شيء يجيء ولا يرحل، فحتى تلك الأشياء التي ظنناها ثابتة تتغير. كل ما هو مشروط زائل حتى وإن لم يكن زواله في حساباتنا. حتى أولئك الذين قرنّا أسماءنا بأسمائهم راحلون لا محالة، بطريقة أو بأخرى.. ليس العيب فيهم أو فينا، لكنها الحياة، تأبى إلا أن تجعل لكل بداية نهاية، فتُغير فينا كلنا: ملامحنا تتغير، وأفكارنا تنضج، وحتى أحاسيسنا لا تبقى كما كانت في سابق عهدها، لذلك وجب علينا أن نلملم أشلاءنا ونمضي. إلا أن فكرة المُضي قد تتطلب منا الكثير أحيانا.. قد نحتاج الكثير من الوقت والجهد حتى نستجمع أنفسنا ونواجه الحقائق. قد نجد أنفسنا مرغمين على التضحية بأشياء فقط لأنها ظهرت في ذلك التوقيت الخطأ، وقد نقطع صلتنا بأشخاص، لا لشيء إلا لأنهم كانوا جزءا من ذلك الشيء الذي نود تجاوزه.. أحيانا، نحتاج أن نخسر الكثير حتى نكسب أنفسنا.