شعار قسم مدونات

عندما اشتريت "الوهم" بـ2000 جنيه!

blogs محاضرة

يسعى المرء دائماً للبحث عن كل جديد، ليزيد من معرفته، ويطور من مهاراته ما يواكب به تطورات الحياة المادية والتكنولوجية، يتعجل المرء أحيانا قطف الثمر وهو ما قد يوقع أحياناً في الخطأ. من العلوم التي كثر الحديث عنها وأقبل الناس عليها في الآونة الأخيرة ما يسمى "التنمية البشرية"، وكعادة الناس أن كل جديد مرغوب، وكل جديد مطروق. يكمٌن الإشكال أن هذا العلم كغيره من العلوم قد تتغير بوصلتها بدخول بعض من لا يحسنها فيكون الناطق باسمها والعاكس لصورتها، وهذه تجربة خضتها، وتجارب شاهدتها عن قرب تحكي بعض الإشكالات التي طرأت على هذا المجال والتي عكست بدورها صورة تحتاج مراجعة.

 

تجربتي مع التنمية البشرية

دعاني صديقي ذات مرة قائلاً: هنالك دورة تدريبة مهمة يقدمها أحد المختصين عنوانها "كيف تحفظ القرآن في 150 ساعة"؟؟ شدني العنوان إذ أن كلَ واحد منا يتمنى أن يحفظ القرآن الكريم، لكن العجيب في هذه الدورة أن الفترة جدُ يسيرة (150 ساعة فقط)، هالني الاستغراب أولاً لكن حين يجد الإنسان من يقوده إلى ما يهوى أحيانا لا يسأل عن التفاصيل. أجبته: خيراً نحضرها إن شاء الله. ذهبنا لحضور الدورة في يومها الأول والتي كان من المفترض أن تنتهي في ثلاثة أيام، وكانت قيمة التسجيل في هذه الدورة 2000 جنيه (أكثر من 100$ بقليل)، وبالفعل جلسنا في القاعة لننهل من تلك التجربة الشيقة والفكرة الجذابة "من عنوانها"!

  

البداية الخارقة

بدأ ذلك الخبير في استعراض مقدمة عن نفسه كان فيها من الإطراء والمدح لنفسه الشيء المذهل،، دكتوراه في كذا، وحفظت القرآن بهذه الطريقة، وغيرها. ما جعلني أقف عند هذا الثناء وتساءلت في نفسي ما الداعي له؟؟ أهو من أجل تخدير الجالسين وجعلهم يتقبلون كل كلام يقال؟؟ أم من أجل تحفيزهم؟؟ أم هو نظام متبع لكل مدرب؟؟ حقيقة بعد المقدمة كنت متشوقاً للبداية التي كان عنوانها مبهراً (150 ساعة فقط).

  

ما لا يمكن تصوره..!!
ينبغي أن يوظف مجال التنمية البشرية توظيفاً صحيحاً حتى لا يتوهم الناس أن مجرد قراءة الكتب أو الجلوس في قاعات التنمية كافية لإحداث تنمية وزيادة خبرة

بدأ المدرب في شد الانتباه وإثارة النفوس لتحقيق ذلك الهدف (الحفظ في 150 ساعة فقط) أي حوالي ستة أيام، قد تكون هذه المدة رغم قصرها يستطيع البعض إنجاز قدر كافٍ من الحفظ فيها فليس هذا الإشكال، لكن حينما بدأ في سرد الطريقة التي هي أساس الفكرة أخذت موقفاً في نفسي من هذه الدورة. بدأ المدرب يتحدث عن الخرائط الذهنية وأنها من وسائل تقريب الفهم وإيصال المعلومة – ولا شك في ذلك – ثم أضاف قائلاً: يجب أن تستخدم هذه الخرائط في هذه الطريقة للحفظ (الرسم)، وبما أني درست الهندسة وكنت من عشاق الفنون الجميلة والتصميم قارنت بين الرسم الذي يتحدث عنه ذلك المدرب وبين الفترة الزمنية التي أكد في بداية حديثة (البداية الخارقة) أنه حفظ القرآن فيها وأتقنه من خلالها.
 
لن تكذب من الوهلة الأولى لكن كل مؤشرات الكلام تدل على أن الأمر مجرد بيع للكلام ليس إلا، انتظرته حتى يبدأ في شرح تلك الطريقة بمثال توضيحي ليسهل الربط بين تلك الخرائط والفترة الزمنية. شرع المدرب في الشرح وأخذ مثالاً : وهو سورة الفيل قائلاً: لو أردنا مثلا حفظ سورة الفيل لابد أن نقوم برسمها بخريطة ذهنية تُحْفظُ في الذاكرة يسترجعها الإنسان في القراءة، ثم قام برسم الآيات بطريقة هي أبعد ما تكون عن التمثيل بين النص القرآني والرسم الذهني، هنا تيقنت أن الأمر مجرد وهمٍ، لكن كان عليّ الانتظار لقطع الشك. قاطعته هل يمكن أن نرسم القرآن كله بهذه الطريقة في الفترة المحددة؟ فأجاب نعم؟ التزمنت الصمت حتى انتهت حصة اليوم الأول، وكانت الحاسمة القاطعة للشك لما أراد أن يعطينا واجباً نسلمه في اليوم التالي.

 

حَمَلَ المصحف ثم قال: نفتحه عشوائياً والصفحة التي نفتحها ستكون هي التمرين، وهنا كانت الطامة، فتح صفحةً من سورة (الحِجْرِ) فقال: الصفحة التي سنطبق عليها من سورة (الحَجَر) نطقها بهذا التشكيل (بفتح للحاء وفتح للجيم)، قلت: لعله أخطأ في نطقها، لكن ما أكد لي أن الأمر ليس كذلك لما قرأ تلك الصفحة، فكان التجويد في وادٍ وهو في وادٍ آخر، حتى بعض الكلمات كان نطقها خطأ، هنا تأكد ظني الأول أن هذه الدورة ما هي إلا بيع للوهم.

 

اعتذرت لصديقي من إكمال تلك الدورة، ومن يومها وضعت علامة استفهام. بعدها كنت أشرف على عمل لجهة تمر علي تسجيلات لكثير من المدربين فيها أيضاً كثير من التناقضات والإخفاقات، ثم بعدها سمعت قصصا كثيرة عن التنمية البشرية وما يدور فيها أثبتت لي أن هذا المجال دخله كثيرون ممن لا يجيدونه، دخلوه من باب "مهنة من لا مهنة له".

 

بطاقة الخبير

    undefined

  
كان يرتبط بذهني أن كلمة خبير لها ما لها، فهي ترتبط عندي بذاك الذي شق دروب الحياة والعلم،، ونهل من الحياة ما يؤهله لأن يُقلَد وسام الخبرة، فهو مرجعية في مجاله، لكن بعد أن فُتحت "التنمية البشرية" لكل أحد، من أتقن فنونها ومن جهلها، صار وسام الخبرة يمنح بمجرد أن تشارك في دورة أو دورتين من دورات تدريب المدربين بعدها تجد الشخص خبيراً في (التنمية اللطيفة – التنمية الذاتية.. أو غيرها)، وإذا قمت بعملية تحرٍ شاملة لتلك الوسامات تجد الكثير منها منح من خلال دورات معدودة لا تكفي أصلاً ليُوصَف صاحبها بأنه خبير في ذلك المجال. حتى المادة العلمية التي تقدم في كثير منها هزيلة خاوية من المحتوى الهادف، توهم بأن الحصول على بعض المعارف يتم فقط بقراءة بعض الكتب وترداد بعض العبارات، هكذا يزرع الوهم وتبنى الآمال..
  

بعض التناقض وغياب التخصصية
كثير من إشكالات هذا المجال هو التناقض الذي يضعف تقبل المعلومة والاستفادة منها، حتى أن أثر تلك الدورات الكثيفة ضعيف، فعندما يتحدث المدرب عن بعض الفنون، فهذا يعني أنه قد برع فيه أو مارسه بإتقان حتى صار فيه خبيراً، حين يقدم دورة عن التميز مثلاً لابد أن يكون مبدعا، لكن في الواقع تجد في كثير منها تناقضاً واضحاً، تجد دورة تتكلم عن فن الإلقاء وصاحبها لا يحسن شيئاً من ذلك، أقامت أحداهن دورة عن "كيف تسعدي في حياتك الزوجية" وكان بيتها ملئاً بالخلافات أدت إلى الطلاق، وفي دورة بعنوان "كيف تصبح مليونيرا؟" أتى المدرب على دراجة هوائية! إلى غير ذلك من النماذج.
 

لست ضد التنمية البشرية بالكلية فلها منجزات، ويكون لها الأثر الكبير حين يدخلها الإنسان لتحسين ما عنده وتطويره، وكسب المزيد فيه، بذلك يكون الشخص قد حافظ على التخصصية وفي نفس الوقت أكتسب خبرة عملية، وما يحضرني في ذلك أن أحد الأخوة الإعلاميين برع في مجاله ثم وظف مجال التنمية البشرية لكسب الخبرة فيه ثم نثر ما وجد من فائدة لغيره وكان ذلك واضحا في كلامه ونبرات حديثة مما يؤكد أن هذا المجال إن وظف جيداً فسيكون تغيره في المعرفة وكسبها واضحاً.

 

أخيراً: ينبغي أن يوظف هذا المجال توظيفاً صحيحاً في عمليات البناء والتنمية مع الحفاظ على التخصصية، حتى لا يتوهم الناس أن مجرد قراءة للكتب أو جلوساً في قاعات التنمية كافية لإحداث تنمية وزيادة خبرة واكتساب معرفة دون شق دروب العمل وخوض التجارب..

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.