المقاطعة.. ثقافة أم خيانة؟!

blogs خليه يريب

"مقاطعون"، "كلنا مقاطعون"، "خليه يريب"، "أنا مقاطع"، "خليه يروب"، "قاطع أنت الرابح".. كلها وسوم (هاشتاغات) انتشرت كالنار في الهشيم على كبرى الصفحات الاجتماعية للمغاربة خلال الأسبوع الماضي. وإن اختلفت التعابير الافتراضية حسب لسان مقال كل مغربي بلهجته المحلية فإن لسان الحال أبلغ من لسان المقال، ولسان الواقع أبلغ من أن يوصف. فقد عرف المجتمع المغربي منذ أسبوع حملة مقاطعة اقتصادية لثلاث شركات كبرى (شملت شركة المحروقات وشركة للمياه الطبيعية وشركة الحليب ومشتقاته) تنديدا على الارتفاع المهول في أثمنة منتجاتها من جهة، ومن جهة أخرى باعتبارها الشركات التي تتحكم في السوق وتوجه المنافسين إلى اتباع خطواتها وسياستها في تحديد الأسعار.

وقد فضل المسؤولون في الحكومة تطبيق المثل القديم على أفواههم والقائل: "الحكمة عشرة أجزاء.. تسعة منها الصمت وعاشرها قلة الكلام" بدل أن يخرجوا من صمتهم ويوجهوا تعليماتهم الحكومية إلى أرباب الشركات الكبرى للاستجابة لمطالب الشعب الذي انتخبهم. بل أكثر من ذلك، قام بعضهم بشطحات إعلامية ماكرة تبين من خلالها دعمهم لكفة الغلاء واصطفافهم في صف بارونات المال؛ فقد خرج وزير المالية متهما المقاطعين من الشعب المغربي بـ "المداويخ" (بمعنى الجبناء) وذلك في وضح النهار وتحت قبة البرلمان حيث ينام نواب الأمة دون أن يحركوا شفة.

فيما استغل مدير من مدراء شركة الحليب المشمول بالمقاطعة خرجته الإعلامية في ردهات المعرض الدولي للفلاحة ليتهم المقاطعين بخيانة الوطن، مختزلا بذلك وطنا كاملا من محيطه إلى صحراءه في علبة حليب، متناسيا بأن المواطنين يتمتعون بحق اختيار المنتوج الذي يرغبون في اقتنائه. وفيما تؤكد مؤشرات بورصة الدار البيضاء انخفاض قيمة أسهم تلك الشركات بعد خمسة أيام فقط من حملة المقاطعة، وهو ما تبين فعليا من خلال الزيارة للأسواق الممتازة واعتماد بعض الشركات أسلوب الترويج لمنتجاتها عن طريق توزيع بعضها مجانا، يظهر إعلاميون مأجورون ليلقوا خطابات أفرغ من قلب أم موسى ليحجبوا الشمس بالغربال وليقولوا للعالم بأن تلك الحملات الافتراضية لا تفقر ولا تؤثر على رقم معاملات الشركات المعنية بالمقاطعة.

حملة المقاطعة التي يشنها المغاربة لا يمكن أن تكون إلا نوعا من التعبير عن الوعي الجماعي الذي وصل إليه المقاطعون، وضربا من ضروب المعاقبة المجتمعية للبطون الجشعة

والمضحك المبكي في هذه الحملة أن بعض المسؤولين من أرباب المال وبعض أشباه الصحفيين في صفهم خرجوا بخطابات التهديد والوعيد وكأن العالم يعيش سنوات العصور الوسطى، وأنى لأساليب جيل السبعينات أن تتناسب مع عقول جيل التسعينات. هؤلاء الذين يتحكمون في أسعار المنتجات ولا يرحمون الضعيف والفقير، هم أنفسهم من يروجون لسلوكيات غربية كثقافة يجب التحلي بها؛ كرمي القمامة مكانها مثلا والالتزام بالدور في الطابور والتحدث بلغة أجنبية على حساب لغة الضاد واتباع أسلوب حياة معين.. ولكن حين يتبع المواطن أسلوب المقاطعة كاحتجاج سلمي كما يفعل المواطن السويدي والألماني وغيرهما، يتهم بالخيانة.. فهم بهذا يصنفون ما يريدون ثقافة ويسمون ما يشاؤون خيانة!

أليس من الخيانة استغلال هؤلاء المسؤولين مناصبهم وأموالهم لوضع السياسات العمومية على مقاسهم؟ أليس من الخيانة والعار رفعهم لأسعار المنتوجات الأساسية للتحكم في رقاب العباد؟ أليس من الخيانة تركهم للمدارس الوطنية وإرسال أبنائهم للدراسة خارج الوطن؟ أليس من الخيانة نقلهم لأموال استثماراتهم -المشروعة منها وغير المشروعة- خارجا؟

أما من يسبحون عكس تيار المقاطعة فمن حقهم أولا ذلك؛ إذ من حق أي فرد من أفراد المجتمع المغربي المتنوع أن ينخرط فيما شاء وأن يترك ما شاء.. لكن أغلبهم للأسف إما من عائلات أرباب تلك الشركات أو ممن يستفيدون من منتجاتها مجانا أو ممن يملك قلما يهيم في كل واد يدفع أكثر، وهذا الصنف الأخير هو الأخطر لأنهم يستغلون صورتهم "البراقة" -التي صنعها لهم الإعلام لمدة من الزمن- من أجل استمالة قلوب المعجبين بهم وتخدير عقولهم، رغم أنهم في قرارة أنفسهم يؤمنون بمشروعية المقاطعة وتعيش عوائلهم غلاء الأسعار في الأسواق.

إن حملة المقاطعة التي يشنها المغاربة لا يمكن أن تكون إلا نوعا من التعبير عن الوعي الجماعي الذي وصل إليه المقاطعون، وضربا من ضروب المعاقبة المجتمعية للبطون الجشعة. كما أنها فن ناعم وراق في الاحتجاج السلمي المشروع؛ حيث يحق للمواطن أن يشتري ما شاء حسب قدرته الشرائية وأن يقاطع ما شاء لإيصال صوته الصادح للمسؤولين دون المس بمسألة الأمن في البلاد.