المغاربة والجدار الافتراضي.. هل ينهزم السياسيون أمام الشبكات؟

مدونات - جداريات المغرب رسم على الجدار
"إذا كنت تعاني، فاكتب على الجدار..!"
كانت العبارة تكتسي جدران باريس إبان الانتفاضة الطلابية في فرنسا سنة 1968. حيث برزت الشوارع كفضاءات للاحتجاج، وغطت شعارات الحرية والتمرد والسلطة المدارس والجامعات كتمهيدٍ للتمرد على السلطة العائلية والسياسيَّة. ثم ظل الجدار وسيطاً سِمته الفضح والتعبير عن المعاناة، كلّما اشتدّ الصراع بين من يمتلكون السّلطة في المجتمع والمقهورين فيه.
 
لم أكن أتصور أنّ "الكرافيتيا" يمكن أن تكون لها قوّة تعبيرية في زمن الشبكات الرقمية، لولا أنّ رسماً جداريّاً واجهني في ساحة عمومية بمدينة " الرباط" بعبارة كانت صرخة المغاربة منذ أيام، تعبيراً عن مقاطعة الشركات التي تسلطت على رقابهم بفرضها أثمنة باهضة على منتجات أساسية، ورفض سخريّة السياسيين ورجال المال من سخطهم الشعبي وصلت حدّ التخوين.
 
أدركتُ سريعاً أن الإشكال ليس في الوسائل والفضاء بقدر ما هو مرتبط بالجاذبية وبلاغة الخطاب فنيا، أو باختصار المُتعة الفنية التي يحدثه الرسم الجداري سواءٌ لدى المُرسل أو المتلقي. إنه كسلطة خامسة، صراخٌ ضد النّخب، وهذا يبدو أوضح بكثير في الغرافيتيا السياسية التي تتمرد من أجل كسر الصمت. ولو أنها تُخاطب المجتمع من الهامش، حين يتوارى مدّعو الثقافة وتكون المؤسسات عاجزة عن ذلك.
 

تجاوز مواقع الإنترنت والتواصل الاجتماعي لوسائل الإعلام التقليدية بمراحل لا بد أن يُحدث تداعيات كثيرة على الدولة والمجتمع والعلاقات والتوازنات الداخلية والقواعد والمعادلات المنظمة له

ورغم اعتبار الكثيرين أن العلاقة بين الفن والسياسة متّسمة بالتوتّر والمواجهة في أحيانٍ كثيرة، لكن المبدع لابد له من فِكرٍ يقود إلهامه ويحكم توجهه. وهو ما يعني موقفه من الصراع بين الفاعلين داخل الفضاء العام. ولذلك ربما اعتبر المخرج البرازيلي "أوغستو بوال" أن كل فنٍّ هو سياسي بالضرورة، لأن كل أنشطة الإنسان سياسية، وأولئك الذين يحاولون فصل المسرح عن السياسة يحاولون تضليلنا. وهذا نفسه موقف سياسي.

 
قد تتمكن الكتابات الجدارية من إعادة الحياة للحيز الجامد بالمدينة. عبر إثارة قضايا اجتماعية تستبطن شكلا من أشكال القهر أو الاحتجاج، كما هو الحال في "جدران" شبكات الفيسبوك التويتر. التي غذت أبراجاً عالية للنقد اللاذع، والمناقشة الساخنة التي تطرح أزمات قد تطول كلّما اتسعت الفجوة بين من يمتلك " الجدار" وبين من يتحكم في القرارات الاقتصادية والسياسية للدولة.
 
هكذا تكتسي الكتابة طابعاً احتجاجيا وتعبيراً من المواطن عن رفض الواقع المُعاش، لكن المُقلق أكثر في متابعة الفعل الاحتجاجي للمغاربة وردّ الفعل، هو تصورات السياسيين حول المواطن البسيط " الخائن" و" الغبي" كما عكستها الردود المتوالية من المتحكمين في رقاب المستهلكين. كما أن وقت وطبيعة الرّد الذي يختاره السّاسة ورجال المال للتعامل مع احتجاج المواطنين يؤكد لنا أن هاته " النخبة" الحاكمة لم تستوعب بعد أن شبكة الانترنت لا رأس لها، والمتعاملون في رحابها لا يتلقون أية تعليمات من أحد، كما لا يخضعون للرقابة المباشرة من أية جهة. فهم أحرارٌ تماماً ويمارسون حريتهم في التعبير عن أنفسهم كما هو الحال في الفايسبوك والتويتر.
  
إننا أمام ثقافة احتجاجية تُكسّرُ هيمنة التنظيمات المعهودة كالأحزاب والنقابات، تفقدها قوّتها التواصلية، ثقافة احتجاجية بدون زعامات تنظيمية أو كاريزما، على منوال الثورات المعروفة في التاريخ،.. والأكيد أنها قد ترسم معالم ثقافة سياسية جديدة ترفض الجمود والأداة الواحدة، وكل أشكال الولاء والالتزام السياسي وفق سلطة وقيادة معينة. انطلاقا من من قدرتها على التحكم في وسائل التواصل الافتراضي.
   
undefined
 
لقد بتنا أمام فضاءات أساسها روابط توجهها كائنات افتراضية بهوية مجهولة، تختزل الزمن وتذيب المسافة، وتجعل الكل يتحرك في عالم افتراضي يشكل رأياً عاما اتخذ من الواقعي ومن الافتراضي دعامته لتأسيس المجال العام. رغم أن هناك نظرة متشائمة ترى أن التطور المتزايد لتكنولوجيا الاتصال سیؤدي إلى إشاعة الفوضى والانقسامات السیاسیة داخل المجتمع، والحال أن هذه الشبكات الافتراضية تمنحنا اليوم فرصة لا مثيل لها لتعزيز التحول الديمقراطي في الدول النامية، حيث يكون المهمّشون ولأول مرة قادرين على إسماع صوتهم والمشاركة في القرارات التي یتم اتخاذها.
 
وأيّا تكن الطرق التي سوف تنهجها القوى الفاعلة في هذا المسار للاستجابة لضغط الشعبي وتطلّعات مختلف الفئات والشرائح الاجتماعية، فإنه لا مناص من القول بأن تجاوز مواقع الإنترنت والتواصل الاجتماعي لوسائل الإعلام التقليدية بمراحل لا بد أن يُحدث تداعيات كثيرة على الدولة والمجتمع والعلاقات والتوازنات الداخلية والقواعد والمعادلات المنظمة لها، نظرا لسرعة الاتصال وانخفاض التكلفة، سهولة الاستخدام، تعدد اللغات، الحضور المتواصل، القدر على التعبئة، والخروج عن سيطرة السلطة السياسية. حتى غذت جدران الفضاءات الرقمية وعلى غرار مقاهي القرن التاسع عشر مجالا مفتوحا أمام الجميع. فكل فرد يمكن أن يلج إليها ويجول فيها ويقرأ ما يكتب داخلها، يقرأ ويناقش لأجل مواجهة الآخر وفهمه.
  
إننا أمام أماكن يبنى ويخلق فيها الرأي. وهذه الأخيرة باتت تحديا كبيراً للسياسيين، ليس في قدرتها السريعة على الانتشار فحسب، بل بقدرة الرّسائل وحتى الإشاعة داخل هذا الفضاء على إرباك توقعاتهم وكذا استحالة إمكانية تواجدهم الدّائم على منصاتها للرّد السريع.