موتوا بصمت حتى لا تزعجوا الأمراء

BLOGS بن سلمان

منزعج من كل شيء يأتيه من بلاد العرب والمسلمين، يسارع إلى التجهم إلا من إهانات ترمب له ولبلاده وشعبه فتنفرج أسارير وجهه ويضحك ثم يدفع ثم يلتفت إلى شعوب المنطقة المضطهدين تحت نير الألة العسكرية الأمريكية ووكلائها ليأمرهم بلغة المالك المتصرف الذي يعوض هوانه على الأمريكان. اقبلوا ما يعرض عليكم أو كفوا عن التذمر. إنه محمد بن سلمان ولي العهد السعودي وهذه آخر شطحاته السياسية التي نقلتها عنه القناة العاشرة الصهيونية في اجتماع رؤساء المنظمات اليهودية الرئيسية في نيويورك.

وعادة تنسب الشطحات للمتصوفة الذين يفيض بهم الوجد والعشق للذات الالهية وتعجز ألسنتهم عن التعبير عن حالتهم فيقولون كلاما قد يراه السامع الذي لا يشعر بحالهم كفرا وخروجا عن المألوف في حين يرونه هم فيضا لا يلقاه إلا ذو حظ عظيم، فأي ذات يعشق محمد بن سلمان ملكت عليه روحه وأخرست لسانه عن النطق بما يجب أن ينطق به ولي عهد بلاد الحرمين قبلة المسلمين ورمز حماية الإسلام وأكبر دول العالم الإسلامي، أي ذات وهو ليس بالصوفي إذ الصوفية في بلاده بدعة وخروج عن الدين كما تقول هيئة كبار علمائه، وهو ليس بالزاهد المتزي بزي العلماء وقد أقر أنهم صنيعة أمريكية صنعتها السعودية لمحاربة السوفيات.

إذن لا صوفية ولا زهد ولا علم شرعيا يجعلنا نجد لابن سلمان عذرا في شطحاته السياسية وندرجها ضمن الفيض الناتج عن عشق لذات متعالية ملكت عليه نفسه، لم يبق لنا إلا أن نبحث عن معنى آخر للشطحات السلمانية أو عن ذات أخرى نحسب أنها حلت في روح ولي العهد فأذهبت عقله ونطق بما تمليه عليه هي دون أن يشعر خاصة أن ولي العهد قال في ما صح عنه نقلا عن القناة الصهيونية إن القضية الفلسطينية ليست في سلم أولويات الحكومة ولا الرأي العام في السعودية وأن هناك قضايا أكثر إلحاحا وأهمية كإيران.

يا خادم الحرمين لن يبطل حج المؤمن إن لم يشرب من ماء زمزم ولن يفسد حجه إن شرب منه ممزوجا أو بلا طعم لكنه يبطل حتما إن خذل المسلم اخاه المسلم أو تركه أو أسلمه

فأما الأولى فمن معاني الشطح التباعد في القول يقال شطح في القول أو شطح في السير تباعد واسترسل ويقال شطح به خياله أو هوّم به بعيدا وهذا المعنى اللغوي للشطح ينطبق تماما على تصريحات ولي العهد عن القضية الفلسطينية فهو قد أغرب فيها أي جاء بغريب غير مألوف عن الساسة في بلاد الحرمين ولا عن شعبها وهوّم به خياله إلى الحدّ الذي اعتقد أن من حقه أن يأمر الفلسطينيين الذين يقفون على خط النار ويعانون من عنت الاحتلال بالقبول بما يملى عليهم مثلما يفعل هو أو أن يكفوا عن التذمر أي أن يقبلوا بحلول تغتصب حقوقهم أو أن يستسلموا لانتهاكات الاحتلال وتعذيبه وغطرسته قانعين غير متذمرين ولا ساخطين.

وكيف يسخط الفلسطيني أو يتذمر وولي العهد ساكت صامت لا يفعل وهو خادم الحرمين كما يقول وولي الأمر فما دام هو صامت فعلى الجميع أن يصمتوا فإن تكلم فليتكلموا، ولأنه نذر للأمريكان صوما حتى لا يزعج الصهاينة فليس للفلسطينيين إلا الاقتداء به والصمت حتى ينتهي العدو منهم فيموتوا وهم فرحون سعداء بأن يلاقون ربهم وولي الأمر في بلاد الحرمين راض عنهم.

لكن الفلسطينيين خيبوا أمل ولي العهد صاحب الشطحات وخرجوا يطلبون العودة إلى أرضهم ويرفضون صفقة القرن ويعصون ولي الأمر فقُتِّلوا وأصيب منهم أعداد كبيرة فهم لم ينذروا صوما للأمريكان ويعبدون ربّا يأمرهم باسترداد حقوقهم من الغاصبين كلفهم ذلك ما كلفهم. ماتوا وقد سمع بموتهم ولي العهد فظل صامتا صائما عن الكلام لكن أباه خادم الحرمين الملك سلمان دعا الرئيس العام لشؤون المسجد الحرام عبد الرحمن السديس ليعبر له عن قلقه فهل أيقظ الدم الفلسطيني المراق ضمير خادم الحرمين وصاحبه السديس الذي دعا له من قبل وللرئيس الامريكي بالتوفيق لأنهما يقودان السلام في العالم.

لكن الخبر الذي تناقلته وسائل الإعلام يقول لنا إن الملك لم يقلق للدم الفلسطيني المراق بل انزعج لأنه لاحظ أن طعم ماء زمزم تغير قليلا وسأل السديس إن كانوا يضيفون إلى زمزم شيئا ما، انزعج الملك لتغير طعم الماء فدعا على الحفاظ على جودته ونسي أن في فلسطين أناس يقتلون ويشردون ويجوعون ويحرمون الماء ويخلط لهم ماؤهم وطعامهم بأشياء كثيرة وليس بشيء واحد كما ظن أنه فُعل بزمزم، يُخلط ماء الفلسطينيين بالغاز المسيل للدموع وبالقنابل الحارقة وبدم بناتهم وأبنائهم ودم الشيوخ والعجائز والأطفال وبالتراب وحجر البيوت المهدمة على رؤوسهم فلا يجدون له طعما أصلا بل لا يجدون الماء أحيانا كثيرة أفلا ينزعج الملك لغياب جودة الماء الفلسطيني ولغياب الماء ولإراقة الدم المسلم.

ألم يأتكم يا خادم الحرمين الشريفين أن هدم الكعبة التي هي أحد الحرمين سبعين مرة أهون عند الله من قتل مسلم، وأن قتل نفس هو قتل للناس جميعا فلماذا لم تنزعج لكثير من المسلمين قتلوا في فلسطين أم أنك لا تراهم كذلك بما أن إسلامهم ليس صنيعتكم وأنه ليس بطلب أمريكي لمحاربة من تتوهمون أنه عدوكم وقد نجا العدو الصهيوني من حقل عداوتكم وصار من حقه في نظركم الدفاع عن أرضه كما يقول ولي عهدكم. يا خادم الحرمين لن يبطل حج المؤمن إن لم يشرب من ماء زمزم ولن يفسد حجه إن شرب منه ممزوجا أو بلا طعم لكنه يبطل حتما إن خذل المسلم اخاه المسلم أو تركه أو أسلمه وقد فعلتم ذلك كله ونسيتم ان رسول الإسلام عليه الصلاة والسلام خطب في عرفة في حجة الوداع في أرض الحرمين وقال لنا إن كل المسلم على المسلم حرام دمه وعرضه وماله، فأين أنتم من كل هذا؟

لا أسألكم لتجيبوني فأنا أعلم أنكم مثل ولي عهدكم لا تتكلمون إلا حين يؤذن لكم وأن من بيده أمركم لا يهمه غير حلبكم ألم يصفكم بأن دولتكم مثل بقرة؟ أنا يا خادم الحرمين أسألكم لأقول لكم لقد أتيتم فعلا قبيحا لن تجدوا له عذرا أمام ربكم فكنتم كقتلة الحسين رضي الله عنه الذين جاؤوا يسألون عن حكم قتل الذبابة في الحرم ولم يعلموا أن من أعان على قتل مسلم ولو بشق كلمة جاء يوم القيامة مكتوب على جبينه آيس من رحمة الله فكيف إذا كان القاتل عدوا نهاك ربك أن تتولاه وكان المقتول أخا لك في الدين والعروبة تجمع بينكم أولى القبلتين وثالث الحرمين. قد لا يسمع خادم الحرمين ولا ولي عهده كلامي ولا يقرآنه لكني أكتب معذرة إلى ربنا المنتقم الجبار لعل كلامي يقع في قلب يلقي السمع وهو شهيد و أقول كما قال المتنبي: أغاية الدين أن تحفوا شواربكم يا أمة ضحكت من جهلها الأمم.