رحلة على متن "حافلات الجحيم" في الرباط

blogs حافلات الرباط

كلما ركبت الحافلة بالعاصمة الرباط، تَرسخ في ذهني بعض المشاهد رسوخ الأصابع في راحة اليد، لا أحس بالوقت على متنها، لكن ليس ذلك استمتاعا براحة مقاعدها المهدَّمة، ولا بنوافذها الزجاجية المعتَّمة، ولا طرباً بأنغام محركاتها الصاخبة، أو بأصوات ركابها المجلجلة، بل من صبيب الأحداث التي تدور داخل جدرانها المخرَّبة بفعل فاعل، صور تستدعي تجرد العقل والخاطر من أي أفكار أخرى والتفرغ لتأملها والانشداه بها، خاصة وهي تُلْتَقَط من حافلات استثنائية، لن يشك من استقلَّها لأول مرة أنها نجت للتو من حرب ضارية.

كراسي هرٍمة مهشَّمة أطرافها، تعوي وتئنّ من الألم عندما تتربع عليها إحدى الجثث العامرة والكروش المنتفخة فتصدر أزيزا يمكن سماعه من خارج الحافلة. تسمع صوت فرقعة نوافذها التي أصابها شلل الإطارات، ترتعش وترتعد محدثة صوت طقطقة أسنان مسوَّسة لطفل يهاب الرياح العاتية. تتوسل أبوابها إلى القدر أنْ لا تتوقف الحافلة لتكديس المزيد من الركاب المتلهفين على مكان بها يحوز أرجلهم من محنة الانتظار، فقد سئمت هذه الأبواب المسكينة من تلك الضربات المفاجئة التي تتلقاها، كلما ضغط السائق على ذلك الزر الذي أصابه البَرَص من فرط الكبس، فانتُزِعت بقع من صباغته لتحل مكانها مقالع من الغبار وتجمعات من الطفيليات الطائرة.

في غالب الأحيان، يطلق عليه الراكبون اسم "جواد" أو "حسن" حتى نسي اسمه الأصلي، إنه السائق الذي تظهر على ملامحه الحانقة على أنه ملَّ الحياة، بل ودعها واختار أن يقبع أمام زجاجة كبيرة ومقود يكبر حجمه عجلة سيارة رباعية الدفع، تعوَّدت مسامعه على حشرجة العجلات وشهيق المكابح، تعوَّد أيضا على أصوات الركاب الصاخبة، ضحكاتهم، بكاء الأطفال برفقتهم، نقاشاتهم الهشة التي أحيانا لا يكون لها أساس، ملاساناتهم وشجاراتهم على مكان يأوي مناكبهم المُتعَبة، كما أصبح خبيرا في كشف أصوات النهب وخشخشة الجيوب والحقائب، بل ألِفَت أذناه همسات النسوة وهن منهمكات في ممارسة رياضة التفحص والتجسس بجميع حواسهن.

الحافلات في مدينة الرباط، أصبحت خالية حتى من مظاهر الحياة، كراسي مقتلَعَة ونوافذ مخلوعة وأبواب مكسورة
الحافلات في مدينة الرباط، أصبحت خالية حتى من مظاهر الحياة، كراسي مقتلَعَة ونوافذ مخلوعة وأبواب مكسورة
 

عند دخول هذه الحافلات، تظهر للأبصار في الغالب امرأة منزوية على كرسي مشروخة معدته، تطل من جروحه قطع مسنّنة كحافة السيف في ملمسها، تفرشه هذه المرأة بأسمال بالية لعلّه يحمي ما فوقه من أي وخز أو نقر. تنتظر هذه السيدة من يمدها بمستحقات النقل، ثمن بخس لا تجده مكتملا إلا في جيوب معدودة. أصبحت السيدة خبيرة في عمليا الحساب، تضرب حظها، وتطرح أملها، وتقسم معاناتها، وتجمع قواها لكيلا تصب جام غضبها على أولئك الذين يتعمدون عدم الاكتراث لصوت قلمها وهي تضربه مرارا على عمود بجانبها، كأن القلم يردد مكانها تلك الجملة المكبوتة بين أطراف لسانها، أنْ ادفعوا ثمن ركوبكم أو انزلوا من الحافلة بماء وجه صاف.

ترى الأطفال قد شمّروا مريولاتهم وألصقوا حقائبهم الكبيرة ببطونهم الصغيرة، وأطلقوا أرجلهم إلى الريح سباقا على وطأة قدم بباب الحافلة، عسى أن يصلوا إلى مدارسهم قبل أن تُغلق أبوابها على المتأخرين. أطفال كرهوا وقت الذروة، سئموا الرفس بين الأرجل، يظهرون وأنوفهم مدسوسة بمؤخرات من يفوقونهم طولا، تحرص أمهاتهم كل صباح على تنظيفهم وترتيب هندامهم، فيضيع إحسانها خلال دقائق على متن حافلة لا ترحم. تتسرب الروائح إلى أذهانهم فتُحدِث عطبا في خلاياها، فيراقبون بأعينهم الحروف التي عكفوا على مذاكرتها ليلا تتبخر وتتطاير من رؤوسهم، لتحل محلها أصوات المحركات وكلمات الشتم الصباحية بين الركاب.

الكثير لا يعلم أن الحافلات في مدينة الرباط تتيح الفرصة بممارسة بعض الرياضات الغريبة والخطيرة كذلك، "التروديشة" واحدة من هذه الحماقات التي يرتكبها بعض المراهقين في حق أنفسهم، إنها تليق بكل من يحب السفر في الهواء الطلق، فإذا كنت منهم يكفي أن تكون الحافلة ممتلئة عن آخرها، وما عليك إلا تسلق مؤخرتها بالتثبت ببعض الأعمدة الأفقية، أو باتخاذ وضعية الضفدع المقلوب. وبالتالي ستحظى لرحلة إلى الجحيم، فإذا توقَّفَت الحافلة فجأة فستلفظك مؤخرتها إلى قارعة الطريق، وإذا خذلتك وضعية الضفدع فأنت حتما مرفوس بين العجلات دون شفقة أو رقة، وفي حالة نجوت بجلدك ووصلت إلى وجهتك، فأنصحك بافتحاص سروالك لأن حرارة المحركات ستضع بصمتها لا محالة.

وهكذا تجتاح الحافلة حالات الترقب والترصد، وتبقى الحناجر في حالة تأهب واستعداد لتطلق العنان إلى أجراسها بمجرد الإحساس بيد تتسحب داخل الأمتعة والجيوب، أما القلوب فتصلي لربها أن يحميها من قطاع الطرق المجندين في أطراف الطريق للبحث عن أي غنائم سمينة بهذه الحافلات البئيسة. يركب الناس تباعا من كل الأصناف والأشكال، تفوح الروائح من الحقائب والألبسة والأُبُط، تتجول الأجساد بين الرؤوس باحثة عن مكان ظاهر من نافذة مكسور زجاجها، لترى عبرها السماء داعية لربها أن تنتهي هذه الرحلة الكئيبة.

الحافلات في مدينة الرباط، أصبحت خالية حتى من مظاهر الحياة، كراسي مقتلَعَة ونوافذ مخلوعة وأبواب مكسورة، يركبها فقط من لم تخوِّل له جيوبه فرصة الاستغناء عن مركبات الجحيم هاته، يغفى بعضهم وقوفا كالأحصنة التي استولى عليها الإرهاق والإعياء، وجوههم صبغها التعب بلونه الباهت، كلما تفحصتها من بعيد تأخذني قسماتها المُجهدة إلى عالم آخر ينسيني أن أسأل، لماذا كل ذلك؟