هل للخذلان والانكسار دواء؟

BLOGS رجل و امرأة

الآمال والأمنيات، لطالما شكّلت للإنسان فرحة لذيذة كلما فكّر فيها كاملة مكتملة مُحقّقة في مستقبل قريب. يذوب قلبه المسكين انتشاءً في زاوية عسلية محصورة. هي تلك الزاوية فقط التي يرى نفسه فيها متوجًا ملكًا على عرش مهيب.. أو ترى فتاة نفسها فيها عروس سعيدة، لا تنقطع مغازلات حبيبها لها.. أو قد يرى شاب نفسه فيها وقد حقّق كل مطامحه التي تداعب بنات أفكاره ليل نهار.

 

هل يجوز أن يعيش الإنسان بدون طموح يدفعه للعمل والمضي قدمًا؟

إن الحياة تنتهي ويموت القلب في اللحظة التي يخلو فيها من حلم ما يشكل له تحديًا مع هذا العالم الكبير.. لكن هل يجب على الإنسان أن يعيش كل الوقت في طور أحلامه الوردية مستبعدًا تمامًا أمر فشل تحققها؟!

 

تلك الفتاة الذكّية الجميلة والمتفوقة.. ما الذي جرى لها؟

كان يُتوقّع لها مستقبلًا مشرقًا.. كيف لها أن تنعزل عن العالم لتعيش في حدود رقعة الألم وانكسار القلب! هل أخذ حبّ ذلك الشاب كل عقلها؟ ووضعتها وعوده وكلماته العسلية في دائرة اليقين الذي لا يخالطه شكّ أنه سيكون حارسها -الذي لا ينام- من شرور الدنيا، وأنه سيكون مانحها الوحيد للسعادة التي لن تنالها قَطّ من سواه. فصدّقته ومنحته كل قلبها راضية منبهرة بفارس الأحلام الذي لطالما انبثق أمام عينيها في العديد من الليالي القارسة ليمنحها لحظات مفعمة بالشوق والحنين.
  

ماذا إن كنت قد خُذِلتَ بالفعل؟ إنه شعور يقتلك كل لحظة، لكن يجب أن تكون أنانيًا لتنجو من هذا الشَّرك الخبيث. فكّر بنفسك فقط.. لا يجب أن يستحق منك دمعة من تركك خلفه ومضى

وما بين لحظة وأخرى تجد قلبها معلق على مشنقة الخذلان بحيث لا موت يريحه ولا حياة تحرّكه. كل الوعود بعذر قبيح -غير مقنع- تذروها الرياح وكل اللحظات المفعمة بعسل الحبّ تتحوّل إلى جحيم مفاجئ يصبّ جام غضبه على الصدر فيكتم كل نَفَس.

 

ذلك الموظّف النّشيط الذي كرّس كل حياته ووقته من أجل شركة مديره راكضًا خلف أمنيات منّاه إياها ذات نهار.. فتوقف عن بناء أي طرق غير هذا الطريق ووقع فريسة الخذلان الذي لا يرحم من نهش الفؤاد كما تنهش وحوش البرّية فرائسها. وجد نفسه تائهًا، منعزلًا، ومنعدم الثقة غير قادر على المضي قدمًا..

 
وذلك الأب الذي وضع كل مستقبله على كتفي ابنه.. ابنه الذي رآه شمسًا مشرقة على حياته، وظنّ أنه سيرتاح أخيرًا بعد أن أفنى جُلّ عمره في إنشائه وتعليمه وتكوينه وأن خيره سيعود عليه رادًا المعروف بالمعروف.. فوجد نفسه مرميًا في أقرب دار للعجزة، يلملم قطع قلبه المتناثرة على الأرضية الصماء، ويمسح دمعه بقفا كفّيه اللذان كستهما التجاعيد. لا يسمع نحيبه سوى الليل ولا يحسّ بألم تأوهاته سوى أمثاله ممن هم مرميون مثله بعد أن كانوا ضامنين حياة هانئة غدقة بالخيرات والوئام العائلي.

وماذا عن تلك الزوجة الجميلة، التي ظنّ زوجها أنها أكبر وأجمل هدية أهداه إياها الله في كل حياته.. وتحت انبهاره أسند كل أعمدته وأركانه على زنديها، وعمل على بناء مستقبل يضم كليهما تحت مظلته.. وفي لحظة يدرك أن لا سبيل لبقائهما معًا. ينهار كل ما بناه ويعيش ما تبقى من حياته تحت الرّكام غير قادر على تحرير جوارحه من كل ذاك الخراب، فكان أوله نعيمًا وآخره رمادًا في فم جاف..

  undefined
 

لا شيء لا شيء إطلاقًا أمرّ على القلب وأوضع من الخذلان.. حين تدرك أنك ليس سوى مطيّة لأحدهم، وبعد أن كانوا دماءً تسير في الوريد، أصبحوا غرباء، رحلوا تاركين إياك جثة بين الخراب، ترى العالم ولا تحسّ به، يستمر نبضك وأنت ميّت بلا روح.

ما السبب؟

إن النّاس غالبًا ما يربطون حياتهم بأشخاص تتغير تصرفاتهم ومشاعرهم حسب تغيّر أهوائهم.. فيبنوا حياتهم ومستقبلهم على أكتاف زائلة ومهتزة ظانين في لحظة ذهول وانتشاء أنها كالجبال لا تتزحزح، فتنهار من غير توقع وتنهار معها حيواتهم وأحلامهم وأيامهم.. فتكون وقعة لا قيام بعدها بسهولة..

 

أحِبّ من قلبك ولكن لا تربط سعادتك بالآخرين إن كنت لا تريد أن تتحطم أو أن تقع فريسة الخذلان. افصل نهر حياتك واجعل له مسارًا خاصًا مستقلًا.. أعطي.. أعطي بلا حدود وعِش اللحظة ولكن إياك أن تتوقع أو تنتظر شيئًا بالمقابل. افرح مع أهلك والأقربون، ولكن احرص على مقدرتك على العيش بعيدًا عن كل واحد فيهم، فتكون حياتك مستمرة بعد غيابهم إن غابوا..

 

ماذا إن كنت قد خُذِلتَ بالفعل؟

إنه شعور يقتلك كل لحظة، لكن يجب أن تكون أنانيًا لتنجو من هذا الشَّرك الخبيث. فكّر بنفسك فقط.. لا يجب أن يستحق منك دمعة من تركك خلفه ومضى.. كن قويًا بما فيه الكفاية لتعود إلى بناء نفسك من جديد، وتصحيح أخطائك وتعديل آرائك وشعاراتك فإن أفلحت، عُدت من ذاك الجحيم أقوى وأكثر صلابة.. لن يستطيع كسرك أحد بعدها.. ستكون حرًا.. وتذكّر.. لا يستحق أبدًا من رضي لنا الهلاك أن نهلك بسببه..