ماركسي يتناول وجبة عشائه في ماكدونالدز

مدونات - ماكدونالدز أميركا

يرى أمين معلوف أن كل فرد منا مؤتمن على إرثين: الأول عمودي يأتيه من أسلافه وتقاليد شعوبه وطائفته الدينية، والثاني أفقي يأتيه من عصره ومعاصريه. وواقع الحال يقول أن الارث الثاني هو الأكثر تأثيرا فينا ولو أننا نجهر بالإرث الأول وننتسب إليه، فنحن في هذا العصر كائنات نُسجت من تلاقي عدة ألوان و أفكار تحت اسم العولمة الثقافية، فرغم الغضب والتحيز لانتماءاتنا إلا أن كل يوم يمر يمحي شيئا فشيئا اختلافاتنا ويزيد أوجه الشبه بيننا رغم العداوات والنزاعات. ظاهريا يبدو أن هذا التقارب شيء جيد ويدعو للفرح فرؤية البشر متشابهين وناطقين للغة واحدة يعني منطقيا تقلص الخلافات والرغبة في تقبل "الآخر"، لكن البعض يرى أن هذا التمازج يعني بالضرورة فرض ثقافة واحدة شاملة تقصي الثقافات الأخرى، أكيد أنكم الآن عرفتم عن أي ثقافة نتحدث، فمهما اختلفت أفكارنا وقيمنا وميولاتنا السياسية إلا ونجلس في المساء لنشاهد مسلسلا أمريكيا ونتناول شطيرة هامبرغر، وهنا يحق لنا طرح سؤال واحد تقتضي الإجابة عنه عدة تأملات فهل العولمة ليست سوى الأمركنة؟

  

يقول المؤرخ مارك بلوخ أن البشر هم أبناء عصرهم أكثر من آباءهم، وشخصيا اعتقد أن هاته القولة قد تلخص وتفسر عدة إشكاليات حول الإرث الذي نكتسبه من أسلافنا، وقد لا أبالغ لو قلت أن شخصا عشوائيا لا أعرف عنه شيئا ويقطن في بلد أخر أقرب إلي وأقتسم معه عدة أنماط عيش وأخلاق اكثر مما أملك مع أجدادي، ذلك أننا في عالم دون حجاب وحدود ونخضع للتأثير عبر مختلف وسائل الاعلام العالمية وكذلك السينما التي تخضع لسيطرة هوليود وتصور الولايات المتحدة على أنها ذلك النموذج المثالي وهكذا ينزع الناس بمختلف انتماءاتهم الحضارية المختلفة إلى تقليد الأمريكيين في لباسهم وكلامهم وشكلهم.

  

العالم ملك لمن يريد أن يجد لنفسه موطئ قدم به وملك لمن يتقبل القواعد الجديدة ففقط سرعة ووثيرة التقدم والعولمة تشعرنا نحن الشعوب التابعة على أننا مجتاحون وعاجزون

إن النموذج الأمريكي الذي جعل من نفسه قدوة وكرس نفسه ليصير مرادفا للحداثة يعزز هيمنة الولايات المتحدة كقوة عظمى مما يهدد عدة تقاليد وثقافات بالموت ويخلق أيضا مدافعين عن هاته الثقافات أكتر راديكالية وأكثر انتحارية، وهنا يجب أن نتساءل: هل التنكر للذات من أجل بلوغ الحداثة بمفهومها الأمريكي سيقضي على خصوصيات كل حضارة ويجعلها فضفاضة دون هوية؟

 

إن أنجع مثال يُبسط الهيمنة الأمريكية على الفكر العالمي هو شبكة الإنترنت فالغلبة فيها للغة الإنجليزية وأغلب المحتويات هناك تدور في فلك أمريكا من مسلسلات وأفلام وأخبار تؤثر في وعينا وأفكارنا، فصرنا نعلم عن لون حذاء فنانة أمريكية ولا نعلم شيئا عن مشروع قانون المالية ببلادنا، ولعل الترياق الأنجع لمقاومة هذا التغول الثقافي الأمريكي حسب أمين معلوف هو العمل بمبدأ التبادلية، فكل منا يجب أن يعتمد اليوم عناصر متعددة وافدة من الثقافات الأكثر تقدما؛ على أن يستطيع التحقق كذلك من اعتماد بعض عناصر ثقافته الخاصة كالشخصيات والأنماط والتحف الفنية والموسيقى.. فالكارثة الكبرى هي أن تسلك العولمة في سيرورتها مسلكا أحاديا فنصير أمام مرسلون عالميون و مستقبلون لا تأثير لهم في الساحة العالمية.

 

لكن لا يجب أن ننظر على أن الحداثة القادمة لنا من وراء المحيط الأطلسي شيء قاتل وخطير بل يجب استغلال ذلك للتأثير في معاصرينا وأجيالنا القادمة شرط أن يكون لدينا ما نقول لهم وشرط أن لا نتهرب من الحداثة القادمة من الغرب ونلعب دور الضحية، ضحايا أمريكا والغرب والرأسمالية، لأن العالم ببساطة ليس ملك الآخر فالعالم ملك لمن يريد أن يجد لنفسه موطئ قدم به وملك لمن يتقبل القواعد الجديدة ففقط سرعة ووثيرة التقدم والعولمة تشعرنا نحن الشعوب التابعة على أننا مجتاحون وعاجزون وننتمي للأقلية، فالعالم ليس سوى ساحة حرب مفتوحة لنشر الأفكار ويمكن لأي أحد أن يلجها شرط تقديم الجودة، فالتكوم في البيت والبكاء لأن اللباس التقليدي لبلدك غير مشهور ولا يلاقي نجاحا باهرا لا يعني أن لباسك التقليدي مضطهد وتحاربه لوبيات في الظلام، بل فقط لم يرق ذلك اللباس لتطلعات العالم.