ماذا فعل بنا مخيم "كيف تحكي الحكاية"؟

blogs مخيم
البعض يعرف أنني لم أسافر وحدي مطلقا طوال حياتي -أتتصورون ذلك، طوال حياتي حرفياً لم أسافر خارج المربع المرسوم أو المقدر لي؛ لم أسافر خارج الأعراف والتقاليد الخانقة؛ ولم أكسر الرهبة أو إحساس ارتكاب المخالف لمجتمعاتنا العربية-، لكن أحداً لا يعلم وقع ذلك نفسياً.. أن تسافر باستقلالية حرة لأول مرة بعد أن تخطيت حاجز الخامسة والثلاثين، وكيف أنّ متعة أنْ تغامر هي التي لا تُنسى ما حييت أبداً.

أنا التي لم تُغادر يوماً أي مكان وحدها، -المدينة التي قبعت على روحي منذ طفولتي وحتى مغادرتي لها إلى دولة في الخليج العربي لم تكن وحدي ولم تكن مغامرة-؛ قد فعلتها وسافرت بمفردي دون أعباء أو مسئوليات أو هموم أو حواجز، حملت حقيبتي وسافرت هكذا إلى "مخيم الحكاية" -كان هذه المرة في سريلانكا-، رغم مراوادات الأم المرهقة داخلي ألا أترك صغيرتي والتي كادت تنتصر وتفتك بي وتثنيني عن السفر، لكنني فعلت بمقاومة، وشجعني كثيراً زوجي.

ورغم إرهاقي الشديد في الأيام الأخيرة قبل السفر، وعدم نومي تلك الليلة -ليلة سفري-؛ إلاّ أن الإثارة والحماسة كانت قد غزتني واستولت على موانئ عقلي، وكانت طبول قلبي تقرع بشدة حتى أنها طغت على أي صوت آخر خارج نفسي، لم أسمع نداء الطائرة إلا بعد أن أعادته الموظفة للمرة الثالثة ربما. كان الترقب والانتظار والخيال قد تملّكوني، راودتني كل الأسئلة واختلقتُ إجاباتها، والانتظار تآكلني فقد كان السفر طويلاً بعض الشيء، لم أفلح في النوم؛ حاولت المضيفة مساعدتي ولكنها لم تعلم أن التفكير سبب معاناتي الأزلية وزاد مع سفري إلى مجهولي الجديد.. وأخيراً وصلت.

المجموعة تجتمع.. ونلتقي الحكّاء
فعل بنا مخيم الحكاية الأفاعيل التي لا تصفها الكلمات؛ فقط الشعور هو الذي يصاحب كل مَن شارك فيه ولم يعد لموطنه كما كان

أكثر ما حمسني للسفر إلى مخيم كيف تحكي الحكاية أن أستاذ أسعد طه هو صاحبه وهو المعلم الساحر صانع الحكايا في هذه المغامرة -لكن هذا يحتاج حكاية ومقال منفرداً لقدره الكبير-، لكن هناك أيضاً ما جذبني وهو تنوع الثقافات القادمة من أقطار عربية، وعلى قدر التنوع يتجسد الاختلاف وتكون المفاجآت.. فأحظى بثروتي. كنت أول الواصلين لمطار كولومبو أو هذا ما اعتقدت فقد سبقني 3 من الأصدقاء وبدأ العدد يزيد تباعاً، وكلما زادت مدة الانتظار تحايلنا عليها بالحديث إلى بعضنا البعض وملأنها بالتعارف أكثر والنكات والضحك، فكنا المجموعة الوحيدة التي لم تغادر المطار كلما زاد عددها، كان وقتاً عظيماً رغم إرهاقنا البادي على وجوهنا، كان الجليد يتكسر والحميمية والصداقة تُبنى وأحببتُ ذلك. بعد انتظار سبع ساعات تقريباً اكتمل الجمع، أخذتُ أنظر إليهم كثيراً وأحتفظ بصورهم في ذاكرتي، تلك الصحبة الجديدة بحجم الوطن العربي؛ لم أحظى بذلك إلا مرتين في حياتي -ولكن لهذا حديث آخر-.

وبعد ليلة أخرى لم ننم فيها جيداً وصلنا إلى المخيم؛ كان ينتظرنا الأستاذ في تلّهف ولم نكن أقل منه لهفةً للقاء، كنتُ كالطفلة عبرتُ الطريق سريعاً كي أسلًم عليه بقوة كأنني غبتُ عنه كثيراً واليوم عدت؛ تذكرّت عندما كنتُ أنتقل من مرحلة تعليمية لأخرى وأترك مدرستي التي تعودتُ عليها وعلى زملائي ومدرسيني، كيف كان الأمر صعباً وكيف كنتُ أعود أسبوعياً لأزور أساتذتي لأخبر نفسي أن الرابط ما زال موجوداً لم ينقطع؛ أسألهم عن أحوالهم من بعد تخرّج دُفعتنا ويسألونا بدورهم عنا وعن جديدنا الذي نعايشه؛ شعرتُ بذلك كلياً مع أستاذي أسعد طه رغم أن هذه هي المرة الأولى التي نلتقي فيها أبداً، أصدقكم القول كنتُ أريد أن أعيد المشهد مجدداً وأعود للوراء فعلياً وأخذ دوري وأصافحه ثانية؛ كنت أفعل ذلك مع أساتذتي ويضحكون.. لكنني بالتأكيد لم أفعل هذه المرة وهذا من مجمل أشياء ندمت على عدم فعلها في المخيم؛ سأحكي لكم عنها في وقت لاحق.

undefined

البوح

كثيراً ما أواجه صعوبة قاسية في البوح حتى أنني تيقنتُ أنني لا أجيده، لكنني حال أن أمسك الورقة والقلم أو أفتح صفحة وورد تتدفق الحكايا، لكن البوح المباشر المواجه للإنسان بالنسبة لي الأكثر صعوبة، وكنت أكثر ما أخشاه أن أقف عاجزة أو متلعثمة وأنا أسرد حكاياتي أمام صاحب الحكاية وأمام الجمع الكبير، لكن حديث وإنصات أستاذ أسعد كان يذيب الحواجز النفسية والإختلافات تباعاً فتجد نفسك مأسوراً تحكي وتحكي وتحكي بلا توقف وتتخطى حاجز وقتك المحدد.

جاء دوري وقد كنت أُعد نفسي للتعريف بي أمام الأستاذ وزملائي -الذين أصبحوا أصدقائي فيما بعد- وكنت أستحضر تاريخي في هذه الحياة؛ تاريخ ٣٥ عاما لم أستطع إستحضار كل شيء وأخذت أفكر ما الذي أبدأ به وناداني أستاذ أسعد: يلا ياهند دورك عرّفينا بنفسك، أخذت أحدث نفسي كنت في السابق أفرح عندما يأتي دوري، لكنني الآن أرتجف ارتباكاً ووجلاً؛ أخذتُ نفساً عميقاً وعندما تكلمت خرجت مني حكايتي تلقائية بسيطة عكس كل ما رتبته وكلما أسرد تزداد حركات يدي العشوائية التي تفضح إرتباكي وتداريه والأستاذ ينصت بإهتمام بالغ أراحني وأفرحني كثيراً وكأن حكاياتي قليلة الشأن تجذبه وتستهويه وأنا التي لم أملك حكايات كحكاياته المثيرة التي لا تنتهي، ونظرتُ لزملائي فكانوا شديدي التركيز معي بانتباه، حتى أنني تعديت الوقت المحدد للسرد ولَم أكمل باقي الحكاية؛ لكنني كنت فرحة سعيدة كابنة تتباهى بإنجازاتها أمام والدها. لم ينتهي بوح الأستاذ ولم ينتهي بوحنا، وكنا نتسامر بهذا البوح ليلاً بعد انتهاء اليوم والدرس.

undefined

المخيم العجيب

لا أعلم ما الذي أسرني في مخيم كيف تحكي الحكاية تحديداً، لكنني ما زلت أردد أنه كان تلك الحالة التي عشتها وتعايشتها؛ هو حالة لا أعرف كنهها لكني لم أعد كسابق عهدي بعدها، المخيم لم يكن تدريباً أو دورة اعتيادية أو روتينية بالمفهوم الدارج أو المتعارف عليه، بل فكرته أن تعايش الحياة والحدث والواقع حقيقة دون رتوش -فالحياة التي تحياها لا تُهديك مغامرة-، وتطبق ما تعلمته على أرض الواقع وليس في قاعات الدرس المكيفة أو الفنادق فتفقد بريقه.

علمنا الأستاذ وفريقه الإداري حياة أخرى غير تلك التي نعيش فيها ولها، علمنا أستاذ أسعد كيف نصنع السحر بأيدينا وأعيننا وعدساتنا ورؤيتنا، كيف نصنع المتعة والشغف لنا قبل مشاهدينا، أخبرنا السرّ في الفضول وأنه سيد الحكاية، علمنا أن نتبع قلوبنا، لا شيء مثل القلب يهدينا الشغف والحكايا، كنتُ قد فقدتُ إيماني بقلبي منذ مدة لكنني الآن أتبع نصيحة أستاذي وأتبعه.

كانت جلساتنا مع الساحر الحكاء خارج قاعة الدرس الأكثر حميمية وألفة، كان معين حكاياته لا ينضب، كل لقاء حكايا جديدة، لا أذكر أنه أعاد قصة مرتين، دائما ً يجذب حواسنا إليه، سرده مختلف عن أي راوي، كان يعلمنا كيف نسرد الحكاية بشغف ومتعة، كان يجعلنا بالفعل نروي قصصنا وما يجتاح مخيلاتنا ثم يستمع بانبهار حتى ننتهي دون مقاطعة.

لقد فعل بنا مخيم الحكاية الأفاعيل التي لا تصفها الكلمات؛ فقط الشعور هو الذي يصاحب كل مَن شارك فيه ولم يعد لموطنه كما كان، لقد علمني المخيم أن أعيش لحظات الدهشة كما تعيشها صغيرتي عند اكتشافها لشيءٍ جديد لأول مرة منبهرة؛ لا أحد يمكنه أن يصف عينيها وهي تضيء أو يصف شعور المغامرة الذي يجتاح قلبها في تلك اللحظة أو يعبر عن صرخة الانبهار في صوتها.. لكنني عيشتُ ذلك مجدداً بعد زمن بعيد، لا أحد يستطيع أن يعبر عن صرخات انبهاري التي أطلقتها هناك، أو أن يصف عيني وهي تضيء وتتسع عندما أتحدث عنه، لا أحد يمكنه تخيّل ما انتابني أو صنعني.. لكنني أستطيع بكل ثقة أن أؤكد أنني صنعت من المخيم مغامرتي.