لماذا اعتزلت الشيوخ؟

blogs - Muslim conference
مع انتشار مجموعات الدردشة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، أصبح من السهل على الجميع أن يتشارك تجاربه وقصصه الشخصية حول النجاح والفشل والحب والخيانة وفقدان الأهل والأحباب، ومن القصص المنتشرة عبر هذه المجموعات، نجد قصص خيانة الحبيب لحبيبته، ومرورها بفترة من الاكتئاب والشعور بالخيبة، إضافة إلى مجموعة من الاضطرابات النفسية، فكيف للشخص المثالي الذي رسمته مخيلتها ونبض له قلبها أن يصبح بهذا السوء والسواد وهذا المكر والخداع، لك أن تتخيل مرارة هذه الفتاة وتحسرها وندمها.

 
فماذا لو غيرنا طرفا المعادلة قليلاً، ليصبح الغادر هو رمز من رموز الثقافة والعلم والتنوير والمغدور به هو شريحة كبيرة من المتابعين والمتابعات، تم حشدهم من طرف الشخص الغادر ليطبلوا ويزمروا بخطبه وكتبه عن حب وعن اقتناع، واعتبروه رمز من رموز الفكر الحر والمتجدد والمجتهد، كانوا ينتظرون بحماس مواقفه البطولية والصدوع بكلمته، كلمة الحق والعدل، لتختفي وتتبخر توقعاتهم وأحلامهم ويتحول حلمهم وينقلب لصدمة نفسية كالتي أصابت الحبيبة المغدورة.
 

ما دمنا جميعاً في رحلة البحث والتنقيب عن الحقيقة والدلائل، فمن واجبنا أن نقوم باجتهاد من جانبنا وتحري وبحث قبل استقبالنا لأي معلومة تصلنا

ولكن كما هو مصير كل علاقة حب أساسها الغدر والتصنع والكذب والخيانة أن تنكشف وتعري أسسها المتملقة. فلقد شهد العالم الإسلامي مؤخراً موجة سقوط أقنعة الخداع، سقوط أقنعة رموز الدين والبحث والاجتهاد والتنقيب، ليحدثوا صدمة نفسية وعقلية وعاطفية في صفوف المتابعين، فاختلط الدين بالسياسة، ووقف الجميع ليطبل ويزمر للجلاد ويجرم الضحية، ليصدروا فتاوى من هنا ويعلنوا موقفاً مؤيداً من هناك ومباركات وتأييدات وشعارات، شأنهم شأن ما عرف عن رجال الدين بأوروبا خلال القرن الثامن عشر، فما نهجه رجال الدين قبل ثلاثة قرون من الْيَوْمَ، أعاد صياغته وسار على نهجه رجال الدين بعالمنا العربي خلال القرن الواحد والعشرين، ليسود المجتمع العربي نفس التقسيم الهرمي الطبقي الذي ساد المجتمع الفرنسي آنذاك، ليتدخل علماء الدين في السياسة ويبررون الأفعال والأقوال باسم الدين، فهم مستعدون لإصدار الفتاوى وتغييرها حسب أهواء السلطان، طمعاً وطلباً في رضاه، فالفتوى بالنسبة لهم تتغير بتغير الزمان والسلطان.
 
إن اتباعنا وإنصاتنا لهؤلاء الرموز لم يكن يوماً من باب التبجيل والتعظيم، ولكنه كان من باب البحث عن الحقيقة وتحريها، والبحث في الأدلة والنظر فيها، وشرح مفارقات التاريخ وتقديم الجواب الشافي، إلا أننا سقطنا جميعاً في فخ المخادعين من أصحب الحجة والمنطق.
 

وما دخلنا نحن؟

قد يعتبر البعض أن انتقادنا وتحذيرنا من المواقف التي اتخذها هؤلاء هو تدخل سافر في حريتهم الشخصية وحق إبدائهم لآرائهم الشخصية ونظرتهم العميقة لما فيه مصلحة للأمة، لكننا وبالرغم من وصولنا كأمة لأكبر مستويات الجهل والحضيض إلا أننا لازلنا نفرق بين الصالح والطالح، والشرير والخير من الناس فقط بمجرد ملاحظتنا لمجموع أفعالهم وقراراتهم المتخذة، فمتى كان الوقوف في وجه الحق والانحياز للشر حرية شخصية وموقفاً شخصياً.
  

علينا أن نستخدم عقولنا قبل استخدامنا لجوارحنا، فالله ميزنا جميعاً بالعقل وبالقدرة على البحث في المراجع والأحكامعلينا أن نستخدم عقولنا قبل استخدامنا لجوارحنا، فالله ميزنا جميعاً بالعقل وبالقدرة على البحث في المراجع والأحكام

 

هذا إذا حكمنا على مواقفهم بمعايير إنسانية وحقوقية، أما إذا احتكمنا للدين وأحكامه، فهؤلاء ينادون بالباطل ويدعون للإيمان به وتشجيعه، فمتى كان اتخاذهم لمواقف سياسية من شأنهم الدعوي، ومتى كان إبدائهم لآرائهم السياسية وسيلة دعوية لغسل أدمغة المتابعين والمتابعات من ذوي الخبرة القليلة ومن عدم المتعلمين والمتابعين للساحة العربية والعالمية. فهم يريدون أن يصبحوا ملمين بجميع المواضيع والأحداث، ويُصدروا تحاليلهم وأحكامهم، ليصير بذلك المتابع متلقي للأحكام ومتبنياً لها، لا يحق له استخدام عقله والقيام بتحاليل شخصية.

 

ما العمل؟

صدعت أصوات كثيرة تطالب باعتزال هؤلاء وعدم الإنصات لهم، لأنهم خدعونا ووجهوا لنا طعنة وأحدثوا بذلك جروحاً لن تلتئم، لكني لا أحبذ أبداً هذه الفكرة، فما دمنا جميعاً في رحلة البحث والتنقيب عن الحقيقة والدلائل، فمن واجبنا أن نقوم باجتهاد من جانبنا وتحري وبحث قبل استقبالنا لأي معلومة تصلنا، فعلينا أن نستخدم عقولنا قبل استخدامنا لجوارحنا، فالله ميزنا جميعاً بالعقل وبالقدرة على البحث في المراجع والأحكام.
 
فلا تسلموا عقولكم لأحد، فليس لأنه يرتدي جلباباً أبيض اللون ويحمل سبحة في يديه ويسدل لحيته السوداء ووجهه يشع نوراً نظراً لاستخدامه مساحيق التجميل ويطلق على نفسه الشيخ الفلاني واغرورقت عينيه بالدموع وعلا صوته بعض النحيب لما صارت عليه أحوال الأمة الْيَوْمَ، فهو صار بذلك من المبشرين بالجنة الذين وجب التزام أحكامهم والعمل بآرائهم، فاجتهدوا وتحروا عن دينكم والتزموا بدعوة خالقكم للقراءة وإلا سينتهي بكم المطاف وأنتم تدعونا على النصارى واليهود مخترعي الهاتف أو الحاسوب الذي تستعملونه الآن لقراءة مقالتنا المتواضعة.