لأننا نتعايش مع الظلم.. لن ننتصر!

blogs صراخ مواطن

الإنسان السوي لا يستطيع أن يتعايش مع الظلم، بل إنه ينظر للظلم كوباء حل بأرض قومه، واجب عليه أن يطهرها منه، ويطرق كل السبل كي يعالج قومه من أثاره المميتة، حتى لو أن هذا الظلم لم يلحق شخصه أو أحدا من أهله، فالحر مشكلته مع الظلم والظلمة أكبر من أن تكون مشكلة شخصية. بل إن من ينتظر أن يمس الظلم شخصه لكي يثور أو يغضب، هو أبعد ما يكون عن الحرية، بل دعني أبالغ وأقول أنه أبعد ما يكون عن الإنسانية، أقول هذا وأنا أحمل كل الشفقة على هذا النوع من الناس الذي يشكل الأغلبية من شعوب منطقتنا، تلك الشعوب التي تناوب على حكمها الظلمة والطغاة، الذين جاهدوا لطمس أي روح للرجولة والآنفة داخل شعوبهم، ولم يتركوا في سبيل تحقيق هذه الغاية وسيلة من إفساد تعليم وتسميم إعلام إلا وأبدعوا في تسخيرها على الوجه الأكمل.

اتفقنا إذن أن الإنسان السوي لا يستطيع التعايش مع الظلم، أما أن تطلب منه التكيف مع الظالمين، والانخراط في صفوف المظلومين، الذين سلموا حيواتهم لطاغية، يسومهم عذاب الظلم فأنت تطلب منه الموت، بل إن الموت سيكون أسر وأسهل عليه من التعايش مع واقع الظلم الذليل. الحالة الوحيدة التي يستطيع أن يعيش فيها الحر مع الظلم، هي حالة الخصومة والصراع، حالة الندية والعمل على قهره، مهما كانت قوة وجبروت هذه القوة الظالمة، هنا فقط يستطيع هذا الحر العيش، يعيش على أمل أن تأتيه الراحة في صورة الانتصار على الظلم، أو الموت على طريق مقاومته.

فالرضوخ للظلم تحت أي مسمى يمسخ شخصية الإنسان يفسدها ويمزقها، فلا تستطيع أن تعتمد عليه بعدها في أي شأن يتطلب همة عالية، لا سيما إقامة الدول العظيمة، وذلك لأن الانكسار الذي يشعر به المقهور، يقتل بداخله الرغبة في الحركة التي يتطلبها التدافع، والذي يعد السبب الرئيسي في حركة التاريخ، وبسببه تقوم دول وتنهدم أخرى. ولهذا السبب بالذات اختار الله العرب الذين لم يفريهم ظلم الحكام، ولم يقهرهم استبداد الظالمون، فقد كان منهم أمثال عمرو بن كلثوم الذي يتفاخر بعصيان الملوك عندما قال في معلقته الشهيرة التي تفهمك جانب كبير من النفسية التي كان العرب يعيشون بها:

وَأَيَّامِ لَنَا غُرٍّ طِوَالٍ … عَصَيْنَا المَلْكَ فِيهَا أن نَدِينَا

ومنهم عنترة بن شداد الذي تحرر بسيفه من عبوديته، ويدرك تمام الإدراك الفارق بين الحرية والعبودية، لذلك تجده يقول:

لا تَـسقِني مـاءَ الـحَياةِ بِذِلَّةٍ … بَـل فَاِسقِني بِالعِزِّ كَأسَ الحَنظَلِ
مـاءُ الـحَياةِ بِـذِلَّةٍ كَـجَهَنَّمٍ … وَجَـهَنَّمٌ بِـالعِزِّ أَطـيَبُ مَنزِلِ

الرضوخ للظلم تحت أي مسمى يمسخ شخصية الإنسان يفسدها ويمزقها، فلا تستطيع أن تعتمد عليه بعدها في أي شأن يتطلب همة عالية، لا سيما إقامة الدول العظيمة

هذه النفوس الحرة الأبية، التي تأنف الذل، وتفضل خوض غمار عصيان الملوك، وشهر السيوف في وجوههم، على التنعم في الملذات التي قد يحصلوا عليها من وراء قبولهم بالقهر والظلم، هي التي أهلتهم ليحملوا مصابيح الهداية والحرية للأرض التي ملئت بالظلم والقهر، وأرسل فيهم الرسول صلى الله عليه وسلم ليقهر طغاة عصره، وليقهر أتباعه من بعده طغاة كل عصر.

فالإسلام أتى ليحرر الإنسان، ويحارب كل من تسول له نفسه تعبيده لغير خالقه، لذلك وجد الإسلام نفسه في مواجهة رهيبة مع أقوى دول العالم وقتها، تلك الدول التي فطنت منذ اللحظة الأولى إلى خطورة دعوة تحرير الإنسان التي يحملها الإسلام -في جانب من جوانبه-، تلك الدعوى التي كانت كفيلة بإسقاط عروش دأب راكبوها على ترويج خرافة أنهم آلهة في فارس، أو ظل الله في الأرض في بيزنطة، واتفقت هذه القوى المتنافرة المتحاربة على أنهم أبعد ما يكونوا عن التساوي مع رعيتهم من البشر العاديين، مما يخول لهم استعبادهم والطغيان عليهم.

لكن الحرية التي بثها الإسلام في رجاله جعلتهم أهلا لهدم هذه الإمبراطوريات على رؤوس طواغيتها، ليؤسس لدولة يحدث فيها هذا الموقف: قام عمر بن الخطاب رضي الله عنه خطيباً فقال: أيها الناس اسمعوا وأطيعوا، فقام له سلمان الفارسي يقول: لا سمع لك اليوم علينا ولا طاعة، حتى تبين لنا من أين لك هذا البرد الذي ائتزرت به، وقد نالك برد واحد كبقية المسلمين، وأنت رجل طوال لا يكفيك برد واحد، فقال عمر: يا عبد الله بن عمر: قال لبيك، يا أمير المؤمنين، قال: نشدتك الله، هذا البرد الذي ائتزرت به، أهو بردك؟ قال: نعم، والتفت إلى المسلمين فقال: إن أبي قد ناله برد واحد كما نال بقية المسلمين وهو رجل طوال لا يكفيه برد واحد، فأعطيته بردي ليئتزر به. فقال: سلمان الآن مر، نسمع ونطع. لذلك فلا تنتظر قيام دولة قوية لا يعتقد جل رجالها في أنفسهم أنهم أندادا لكل ظالم. صل اللهم على قاهر الطغاة ومذل أعناق العتاة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.