فقدان الآباء.. ذلك الجرح النازف!

blogs أب و ابن

بالرغم من مرور أكثر من ربع قرن، لا يزال يوم الثامن عشر من مايو يحل على الفتى كلّ عام بآلامه وأحزانه، ففي مثل هذا اليوم ومنذ 26 عاماً رحل عنه والده رحمه الله، وبالرغم من أن الفتى كان قد بلغ الثامنة عشر من عمره حين وفاته، إلا أن هذا الفقدان ظل عالقاً به طوال تلك السنوات. فقد نشأ الفتى في أسرة فقيرة مادياً ولكنها كانت غنية بالعفة والعزة والقناعة، فقد خرج إلى الدنيا فوجد والده قد تجاوز الستين من عمره وأصبح على وشك التقاعد والخروج الرسمي عن العمل بوظيفة "أسطى ماكينة" بوزارة الزراعة المصرية، حتى أنه وعند بلوغه الخامسة والستين وإحالته إلى التقاعد الرسمي؛ لم يركن إلى الجلوس في البيت وانتظار جنيهات المعاش التي لم تتجاوز العشرة، فقد سعى الوالد للعمل مرة أخرى وبالفعل – ولحُسن سيرته وكفاءته – تعاقدت معه الوزارة بنفس وظيفته ولكن براتب أقل، فقبله الوالد بنفسٍ راضية؛ كي يستطيعَ أن يُنفق على الفتى واخوته الخمس في ذلك الوقت.

 
تعلق الفتى بوالده كثيراً وارتبط به ارتباطاً متيناً؛ فلم يكن قد بلغ السادسة من عمره حين كان يرافقه فجراً وهو متجه إلى العمل؛ فيلتصق به وهو يسير في ذلك الجو الهادئ البديع حيث الشمس تستعد للشروق والطيور تشقشق فرحة بقدوم يوم جديد، حتى (الكلاب) كان الفتى يعجب لها وهي تنتظر والده في لهفة وهو يقدم لها طعامها الذي حمله معه من المنزل خصيصاً لها، وهناك وبجوار محطة المياه التي كان يعمل بها الوالد كان الفتى يلعب تحت الأشجار العالية المورقة، ويأكل من شجر التين الشوكي ومن التمر الذي يتساقط تحت أشجار النخيل العالية، ويسبح في أحواض المياه التي كانت تتوسط محطة المياه والحقول، ثم يتأمل منظر العصافير والطيور وهي تغرد، ويعجب لمنظر "أبو القردان" وهو يلتقط الديدان من الحقول، وفي الظهيرة يتناول الغداء مع والده وزملاءه، وبالرغم من بساطة الطعام إلا أن الفتى كان ينتظره بلهفة واشتياق؛ ولا يزال يشعر بمذاقه الطيب حتى اللحظة!

 

كان الوالد شيخاً كبيراً عطوفاً حنوناً، وبالرغم من حزمه وجديته كان رقيقاً وإن كانت هيبته تجعلك تخاف الاقتراب منه أحياناَ!، فقد كان – رحمه الله – من حفظة القرآن الكريم لذا فقد كان حريصاً على أن يحفظ أبنائه القرآن، وأن يستكملوا تعليمهم حتى يصلوا إلى أعلى الدرجات العلمية، وكان يُنفق على تعليمهم بما بقي معه من قروش وهو فرح مسرور! ومع قدوم كل عام دراسي جديد، كان الوالد يصطحب الفتى وإخوته إلى محل (عم حسن) فيشتري لهم ما يحتاجونه من ملابس وأحذية وشنط وكراسات وأقلام وغيرها؛ وبالرغم من بساطة وتواضع تلك الملابس والأدوات -التي لم تسمح ظروف الوالد بأكثر منها- إلا أنها كانت تجعل الفتى وإخوته في غاية السعادة والانبساط؛ فيبيتون ليلتهم ولسانهم يلهج بالدعاء للوالد بالبركة وتكثير الخيرات، وكان الوالد يسعد لسعادتهم ويفرح بدعائهم المحبوب إلى قلبه!

   undefined
   

وفى الصباح يستيقظ الأطفال فيجد كل منهم بجوار رأسه قطعة من الحلوى ملفوفة في ورقة ومكتوب عليها اسمه؛ حيث وضعها الوالد بجوار كل منهم قبل ذهابه إلى عمله مبكراً، فيسعدوا بذلك سعادة ما بعدها سعادة. كان الوالد عفيفاً عزيزًا قنوعاً، حتى أنه ترك ذات مرة نصيبه كاملاً من محصول تلك الأرض -التي كان يقوم على زراعتها مقابل ثلث الأرباح- وذلك بسبب خلاف نشب بينه وبين صاحب الأرض الذى رفض أن يُعطيَه ما تم الاتفاق عليه قبل البدء في زراعة الأرض!

 
رافق الفتى والده في زيارة الأقارب؛ فقد كان واصلاً لرحمه محباً لهم سائلاً عنهم، بالرغم من أنه عانى منهم أحياناً، كما كان محباً لجيرانه واصلاً لهم كريماً معهم، ولكن وفي صباح يوم الإثنين الثامن عشر من شهر مايو عام 1992، كان الموعد مع الرحيل، فقد فارق الوالد الدنيا وهو في الثمانين من عمره، وانتقل إلى مثواه الأخير ولم يسمع الفتى بالخبر الحزين فقد كان يؤدى امتحانات آخر العام بمدينة قنا التي تبعد عن قريته (أصفون) 120 كيلو مترًا، وظل الفتى -على غفلته- متلهفاً للقاء أسرته ووالده، حتى أنه ويوم أن أنهى الامتحانات حمل حقيبته واتجه إلى قريته مسرعاً على أمل اللقاء، وقبل الوصول إلى منزله دق قلبه وشعر بأن شيئاً غريباً ينتظره، وما هي إلا لحظات حتى أفزعه الخبر وآلمه الخطب؛ فتوارت عنه أمه باكيه، وحضنته عمته بيدها الحانية، فاتجه إلى مدخل البيت حيث كان يجلس الوالد وينام؛ فبكي بكاءً مريراً حين لم يجد من كان يتلقاه بابتسامته الدافئة، ويربت بيده على رأسه وظهره لحظة أن كانت شفتاه تلمس يداه التي أنهكها طول العمل.

رحل الوالد وكان الفتى في أشد الاحتياج إليه؛ فبالرغم من بلوغ الفتى الثمانية عشر من عمره إلا أنه كان يشعر دائماً أنه يريد الجلوس بين يديه؛ والنظر إليه؛ والاستماع إلى صوته الحنون الذي افتقده إلى الأبد!