عُمَّر عَبْدُ الوَاحِد.. وعِجافٌ مسجونٌ يعقوبُّها!

إنه الجدعُ المخلصُ الوفيُ الكريمُ الصادقُ الطيِّب.. يا صاحبي أذكركَ اليومَ بكلماتٍ مِنْ دونِ بنيةٍ تحتيةٍ، فسيرتُكَ تسري بكلماتٍ تروي كلَّ هيمانٍ وكلَّ ذِي ظمأٍ مِنْ حِرمانِ الأُنسِ ومعنى الصداقة. نعمْ.. فبكلِ تأكيدٍ أنتَ مَنْ قالَّ فيك إيليَا:

 يا صاحٍ خُذْ عَلمَ المحبةِ عنه هو .. إنِّي وَجدْتُ الحُبّ عِلمًا قيِّما
 
لا تطلبنْ المحبةَ مِنْ جَاهِلٍ .. المرءُ ليسَ يُحِبَّ حتى يُفهما

لقد كان لي صديقًا بحقٍ، اتممَّ جميلَّه، ولكنَّه توقفَ عن ثرثرتِه، هل كان يظنُ أنَّها تؤذيَّني، فبرحني وبرحَ مقعدَّه إلى حينٍ مِن الزمنِ؟ حتى اضحتَ كلُّ سعادةٍ دونهِ منقوصةٍ، وكلُّ وجبةٍ اجتمعنا عليها منقوصةٍ، وكلُّ خطى تقودُنا إلى معانيَ الجمالِ من الطبيعةِ بَطُلتْ.

لا، ليس لظنِه ذاك؛ بل قدْ جاءَ القدرُ مخالفًا لكلِ الرجاءاتِ والأمنيات، وجيء بالحكمِ على عُمَّرٍ بخمسةِ أعوام. هناك حيثُ بطشُ قاضي الشرِّ الذي جعلَّ مِن عُمَّرٍ رقمًا كغيرهِ مِن الذين سُرِقوا مِنْ فلذاتِ أكبادِ أمهاتِهم، فلم يقتصرْ حكمُ الظالمِ عليهم وحدَهم، ولم يُسلبْ مِن عُمَّرٍ وحدَه تلك الخمسةَ أعوامٍ مِن العُمْرِ، بل بسرحِ عنانِ كلمةِ ذلك الخسيسِ سُلبَ مِن كل مَن يعرفُ عُمَّرًا أرواحَهم؛ فوقع الحكمُ على أُمهِ وإخوتهِ من جديدٍ بعد أن أستشهدَ أكبرهم أخاه الطَبيبُ في (مجزرة رابعة)، وما لبثَ إلا ولاحقَّ الحزنُ مدامعَ أعينِ رفاقهِ وأحبتهِ وأصدقائهِ من صدى ذاك الخبر.

حكمةُ اللَّهِ غريبةٌ على عبادهِ، ولكنْ كيفَ لنا أن نملكَ أعيننا من البكاءِ، وقلوبَّنا مِن الجزعِ – وإن كذبنا وخدعنا كالذين هم قابعون أيضًا خلف قضبان الحديد، وادعوا غير ذلك – فلطالما فارقنا العزيزُ عُمَّر، أو جميعُ مَن فارقوننا بالكليةِ في هذا الزمنِ وبهذهِ الكيفيةِ؛ فهاك صفوفٌ مهترئةٌ وأجسادٌ ممزقةٌ، وإخوةٌ اعتادتَ الرميَ في غيابةِ الجُب، وضمائرٌ لن تُردْ روائحُ القمصانِ بصيرتَها.

لم أعد أعي بشكلٍ جيد؛ أأنت السجينُ أم أن الدورَ يتمثل فيَّ وفِي كلِ مَن ألفوكَ!، أهي العجافُ عجافُ يوسُفَ أم عجافُ يعقوب!

أمثال هؤلاء الأنقياء قد عاهدوا البشرَّ مِنا كتابة سيَّرهم كل واحدة ذاتها، من يعرف عمرًا من أصدقاءهِ سيعلمُ جيدًا ما سيقرأه وإن كان لا يعرفه .. فاليوم حينما أعبث في دفاتر الماضي أنقل لكم؛ حضوره وروحه اللذيْن يعصفان بالقلبِ عصفًا، وإن كان استحضار الروح عاد أمرًا صعبًا، تستحضرني أيضًا صورتَه، وهراءَه، وكلماتَه الخالدة، ومشيتَه، ووسامتَه التي تطل علينا من نظارةِ شمسٍ في آناء ليلٍ.

لم أعد أعي بشكلٍ جيد؛ أأنت السجينُ أم أن الدورَ يتمثل فيَّ وفِي كلِ مَن ألفوكَ!، أهي العجافُ عجافُ يوسُفَ أم عجافُ يعقوب! أفتقدُ مكالماتَه الجوالية التي كانت تبعثُ أملَ الدنيا كلها في نفوس كل واحدٍ فينا قبل كل ليلة امتحان، نعم.. كان يجعل في نفوسنا من نُدبِ الجامعةِ وقرفِها ورودًا، ومِن أشواكِها بلسمًا رطبًا، بل إنه أيضًا كان! كان العاطفةُ التي توحدُ بيننا الآلامَ وتجمعُ الأسقامَ. ترى يا عُمَّر.. كم أفتقدُ وجبات (أكلة الماندي) التي كنت أشبعتنا منها! هل بعدُ هذا كله يرجعُ نفس الشخصِ ويكأنَ لم يصبه من نوائبَ الخمسةِ أعوامٍ شيئًا! والله لم أعدْ أدري؛ فقط لأنني مررت بما مرَّ به عُمَّر مِن قبل.

 

"قد نعلمُ أن الصديقَ الذي نعثرُ به فِي طريقِ حياتِنا هو بمنزلةِ الدوحةِ الخضراءِ التي نترامىَ عليها من الصحراءِ بعدَ الكلالِ وطولِ السيرِ والسرى، فنترامىَ في ظلالِّها الورافةِ هانئينَ مغتبطينَ، فإِذا ما هبَّ ريحٌ عاصفٌ اقتلعها مِن جذورِها وطارتَ بِها إلى عنانِ السماءِ. اصبحنا لا نجدُ بدًا من البكاءِ، فمن الشقاءِ ما لا يُطاقُ احتمالُه ولا يُطاقُ تجرعُ كأسِه."
– المنفلوطي

اليوم كيف أذكرُ الصبرَ لمن كان يعلمنا أن كل اتكاء على غير الله عرجٌ وأن الاستعانة تكون بالله من دون عجز، كيف أقول له أن أمثاله كثيرين بدأت سيرُّهم من لدنِ يوسفَ عليه السلام! لا، بل اخرج يا عمر.. نعم اخرجْ واستأنف فينا سبل الدعوة وطرقها؛ فقلْ لنا مثلًا: اصبروا، واستعينوا بتقلب اللَّيلِ والنهارِ. قلْ لنا: ليس على الفاعل في هذه الدنيا شيئا، وعُدْ إلى سجنكَ مرةً آخرى. صِدقًا والله لا أملك من بعد قولي لحامل هذه الصفات قولا سوى (بعبدك عمر اللهم لطفك ورحمتك).

آهٌ لو نترقب الفقدَّ عندَ بدايةِ كل أنسٍ، بل إيه لو كان رجلًا لقاتلته عليه! فأنا.. كم أحزن بتملكي كمٌ هائلٌ من العجز والكدر! أضع وجهي من حين لآخر متكومًا في يداي وأهمُّ بالبُكاءِ. تقصيرٌ ما سبقه ولا تبَّعه تقصيرٌ يا عمر يا بن عبد الواحد. ولا أدري من أين آتي بما يشفع لي، بل منذ متى وكانت المدامع شافعة وشافية! لِذا فسامحني؛ كان عليَّ أن أتعلمَ ألا أهاب فقداني -تحتَ أي ظرفٍ- بقدرِ ما صرتُ أهابه لذويَّ.

عندما تسلبُ الروحُ حينئذٍ يأتي الفقدُ مِن بعد الأنس، ولم يبق وقتها سوى الصورة التي تعصف القلبَ من حين لآخر، لنصبحَ من بعد ذلك لا ندري أيهما أخف قدرًا وأكثر هونًا على المرء منا؛ هل نقدسُ أم نلعنُ؛ نقدسُ الأُنسَ أم نلعنُ الفقدَ! وهو ليس للمرء أن ينفرد بواحدة دون الآخرى وكلاهما كالسبابة والوسطى متلازميْن حد التلاصق.

نُشبِهُ في هذه الحال ذلك الطفل الذي تشبَّث بصدر أمه حتى بعد فطامه، صغيرٌ هو.. لما يعرف ولما يدرك بعد أن هذه مجرد كانت سُنَّةً مؤقتة من سُنَّنِ اللَّهِ بين خلقه، مثلُها كمثَلِّ الحياةِ والموت، كالمنحِ والمنعِ والعطاءِ والسلب، صغيرٌ المسكين.. لا يدري كما لو أننا -نحن- لا ندرك أن حكمة الله على عباده غريبة وستظل غريبة ما دومنا الضعيفيِن. "إنَّ رَبِّي لَطيفٌ لِّمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ".



حول هذه القصة

كشفت دراسة بريطانية أن الخيل تستطيع قراءة تعبيرات الوجه وتذكّر مزاج الشخص، وتستجيب بشكل أكثر إيجابية للأشخاص الذين رأتهم مبتسمين في السابق وتحذر من الذين تتذكر وجوههم العابسة.

30/4/2018
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة