حبّ اضطراري!

blogs - مسافرون عائدون
مغرم أخوك لم يزل، يخط بالقلم قصص الحبّ التي غزت قلبه، يجسّ نبضه في كلّ سطر ليتأكد من الحروف التي تجلس عليه أنّه مستقر في الحبّ كثابت رياضي، وأنّ الحبّ يغلي فيه إلى المئة وسيتجمّد فيه عندما يؤول إلى الصفر ومآله إلى الهوى بعد أن ألقاه في حضنها الهواء! علمونا في المدرسة أن العلم نسبي ومتطور وما هو صحيح اليوم قد يصبح خاطئا غدا، لطالما اعتقدت أن الحب كذلك، لطالما آمنت أن الحبّ كالعلم يتغيّر وأن مفهومه يتأثر بالسن والنضج والسنوات حتى قابلتها. إنّها العشق الذي نصبته بيديها على أرض قلبي، فما تغيّرت مشاعري تجاهها مذ قابلتها!
 
تسألني عنها، فأخبرك أنها الحبّ الذي أكسبني غنيمة من السطور وكومة من الذكريات ووطنا من فراغ أترعته بالشوق وشحنت به قلبي، فسخّرت لها أقلاما، تارة أرسمها وتارة أكتبها، فما مات عشقي لها منذ افترقنا وإن ماتت بقايا من خيالها عند الحدود وتلاشى ظل فستانها المكسور بياضه بالمطر خلف تضاريس الجغرافيا، فنحن البشر أسرى الذكريات، حوّلنا أثاث الماضي لبيت حاضرنا في حكايات وجعلنا بأقلامنا كلّ حبّ حيّ! حين يذوب واقع نستجمعه في خيال ونحييه بالحروف فتراه مكتملا لا يشوبه نقص وحاضرا كأنه لم يعرف الغياب. لم أكتب يوما فيها قصائد كالتي قالها كعب في سعاد، بل أردد كلما مرّت من أمامي وأبصرتها من نافذة كتاباتي قوله تعالى "لرادك إلى معاد"، فمن كان يتخيل أن أقع وما وقعت يوما إلّا في حبّ التي أنجبتني؟! هكذا يعبّر رجل عن حبّه لمدينة احتضنته، فسكنته حين تلبّس بقلبه هواها.
 

يحدث أن تغادر مدينة وأنت مصاب بوسواس قهري يناجيك أن قد نسيت شيئا وستندم فور وصولك إلى المطار، تفقّد من جديد، تفقّد ما تفقد، ومع ذلك تمضي في سبيلك

يحدث أن نحبّ موطنا لم ننتسب إليه يوما بالورق ومع ذلك ننفق في حبّه الورق، نحبه حبا اضطراريا. نكتبه كلّما دغدغت ذكراه قلوبنا، نكتبه بالفرح والألم، نكتبه بالشوق والقلم، نجعله بأقلامنا حيّا بعد أن مات جغرافيا في مجموعة حدود ودفن فينا للأبد. ننبش قلوبنا عند كلّ ذكرى لنخرجه في بضع حكايات مكرّرة ومجموعة سطور معطّرة وذكريات مصوّرة. يحدث أن نعشق مدينة حفظت أشياء فينا، تستّرت علينا ورافقت قلوبنا التي لطالما جابت شوارعها ودروبها ومارست طقوس الشكوى والضجر فيها بحريّة وشاركتها الخطايا في سريّة ومشت في أزقتها وأسواقها يدا بيد وتجسّست على مقاهيها، وتعجّبت من أعراسها وناسها وطعامها ولباسها وشاركتها الجنون والمجنون والضحك والضاحك، والحزن والمحزون والضجر والقرّ والحرّ والسمر والمطر بترانيمه الشجية والصور.

 
يحدث أن تخطف قلبك نغمة عابرة صدفة بين شجن الحجارة العارية وبسمة المباني البالية، فتجدها تغنّي لك. تتساءل كيف شدّت قلبك، ولم تكن تفعل يوم شغّلتها في هاتفك، فتدرك أن جدران المدينة هي التي ألقت عليها تلك الشحنة العاطفية وجعلتها تتمرّد عليك كلما أسلمتَ لها أذنيك. يحدث أن تبلغ في حب مدينة عتيّا فلا تدري من أين سقط عليك هذا الشعور حين يقودك حبّ اضطراري إلى قدميها، يحدث أن تعشق نغمة لأجل عينيها!
 
يحدث أن تغادر مدينة وأنت مصاب بوسواس قهري يناجيك أن قد نسيت شيئا وستندم فور وصولك إلى المطار، تفقّد من جديد، تفقّد ما تفقد، ومع ذلك تمضي في سبيلك كأنك في الوقت نفسه تعلم أنك نسيت شظية من قلبك، ولم تأخذ معك سوى جسدا وحقيبة وذكريات كثيرة وبعض الأشياء الغريبة، ففي كل مدينة نعشقها ندفن شظية من شظايا القلب المنفطر بالفراق. أتذكر مقولة لأرسطوفانيس قال فيها ذات يوم "أينما رزق الإنسان فذاك موطنه" نعم أينما رزق المرء فذاك موطنه والحبّ رزق كبير، حيثما وجده القلب استقرّ.
  undefined
 
ثمة طيور تهاجر لتعود، ثمّة حمام زاجل يسافر في مهمة ثمّ يعود، وكالطيور نحن. نستجيب للظروف كالفراشات، نهاجر أملا في أن نجد حضنا يحتوي أحلامنا ويدفّيها، نجده لكنّ صدورنا تضيق به، لا نؤمن بأنّ كل فرصة قد تعوّض بواحدة أفضل منها، نعتقد أن الحضن الأول لا يعوّض، فجأة ونحن على رصيف من حقائب وطريق من تذاكر وأحضان من فراق نشتاق، فنتمنى لو نبقى قليلا. هناك محطّات لا تُنسى لأنّها تفشي فينا الكثير من الحبّ من الوهلة الأولى ومحطّات أخرى تبعث في النفس الضجر، تبدو فيها قلوبنا مكتظة وضيقة في بادئ الأمر، نجهل أنّ في قلوبنا تطبيق بيوت هذا الزمن، فالبيت كلما توّسع كلما فرغ، وهكذا هي القلوب كلما توسعت كلما استفرغت وتعافت وأحبّت، عدا أن البيوت الحقيقية تكتئب.
 

كم من مدينة على طراز السيدة فون كورفيسكي تقضي فترة من عمرها تمرّضنا وتعتني بنا، تداوي جراحنا وتضمدها حتى نقع في عشق عينيها، نكون فيها همنغواي آخر، نتمنى ألّا نفترق، أن نظلّ مع بعض، أن نشرق ونغرب على وجهينا، أن نتجاذب أطراف الحديث، أن نكتشف بعضنا البعض أكثر، وفجأة يهبّ الانفصال، فإذا بنا لا نحتمل فراقها فور الطيران. بعيدا عنها نختار الانتحار لكن على عكس همنغواي انتحارنا لا يحدث إلّا على جسر من ورق، نكتب في الورق قصة حبّ ماتت طقوسه عند الحدود وظلّت حيّة فينا، فهل جرّبت أن تحبّ موطنا لم ينجبك وتطيع الحب فيه كأنه فعل؟!

  
هل جرّبت حجر وحضن أمّ لم تلدك؟ هل جرّبت أن تعود طفلا فيها، طفلا في حذائها تتعثر كلما حاولت إلقاء خطوة في ساحاتها لتكتشف قدراتك فيها وتتهجّى لهجاتها فتضحك والأصدقاء لزلّة حروف مشتتة هنا وهناك؟ هل جرّبت أن تتوه بين ذراعيها وأنت تحاول إقناع نفسك أنّك قد حفظت كل الطرق التي تؤدي إلى وجهها لتطبع قبلة انتماء على جبينها؟ هل جرّبت أن تكتم مشاعرك الأولى حولها عمّن حولك وتصارحها بها، فتشعر أنها بدورها تفعل وتنتظر أن تحبّها فتحبّك أكثر؟! أمّا أنا فجرّبت!
 
مثلما نقع في حبّ البشر نقع في حبّ المدن، قد يرسم البشر بينهم حدودا لكن بين الناس والمدن الحبّ لا يعرف المختصر، في حبّ كهذا الكبرياء يتبخّر، لا حدود تُخَطّ ولا حروف تدّخر، لا مشاعر تُكبَت ولا كلمات في دفاتر الغزل الخفيّة تُربَت. الحب هنا كالجغرافيا كلّ يوم نكتشف فيه الجديد، يوميا يطلب منّا المزيد. هنا الحبّ يفيض كشلالات اجوازو ونياجرا وفكتوريا ويعلو كقمة إفرست. هكذا هو أعمق من خندق ماريانا وأكبر من بحر الفلبين وأوسع من المحيط الهادي وأكثر شراسة من بركان مونا لوا. يا إلهي! حبّ المدن حبّ غير عادي، ممتد كالدروب ولامنتهي هو يا قلبي كالحروب!