أقزام في مواجهة المارد "كارشون"

blogs قلعة

بعد أن تفشى الجوع في جزيرة البساتين، وكثرت آلام البطون، قرر رهط عظيم، من الأقزام الذهاب إلى كهف المارد "كارشون".. تجمعوا بصعوبة واتفقوا بأعجوبة، حتى ذهبوا ووقفوا على باب كهف "كارشون" أذلاء يبتغوا أن يؤذن لهم بالدخول دون حتى أن يطلبوا أو يطالبوا بذلك!، همهموا مترددين إلى بعض الخدم بأنهم يريدون مقابلة المارد العملاق سيد الأقزام وولىّ نعمتهم وخيرهم، لكي يلفتوا انتباهه لأمر خطير ويخبروه بخبر عسير ويحذروه من شر مستطير… وذلك وفاء منهم لسيدهم وولىّ نعمتهم، لأنهم إن تُركوا على ما هم عليه من خطر، لتأثرت سيادته وفشلوا في خدمته وتوفير طلباته من الطعام والشراب الوفيرين، مقابل تلك السيادة التي هي هبة السماء إليهم.

حذرهم واحد منهم لكنه عليهم، وهو كبير الخدم "سيسان" وأرشدهم إلى أن المارد العملاق غاضب أشد الغضب هذه الليلة بالذات، ونصحهم بالعودة إلى دورهم والمجيء في ليلة أخرى يكون فيها حلو المزاج، وأن يكونوا في صورة وفد قليل العدد، لأن المارد إذا ما رآهم على هذا التجمهر لسوف يتجاهل ذلك الخطر المزعوم ويصب جام غضبه المدمر عليهم.

فجرى الخوف فيهم، مجرى الدم في العروق، خشية استحكام الغضب عليهم من قبل المارد الذى لا يميزه في غضبه سوى البأس الشديد.. ولكن الجوع كان أقوى من الخوف، والعطش أمضى من الجبن، وهم جاءوا إليه يمشون على بطونهم، فلا وقت لديهم للتعقل أو التدبر، وأصروا على ضرورة مقابلة المارد العملاق "كارشون" ملك ومالك جزيرة البساتين، وقد قوى قلبهم بانضمام كافة الأقزام إلى جمعهم حتى الذرارى والحريم، وما كانوا في ذلك اليوم في قلة ولكنهم كانوا كغثاء سيل عظيم.

ورغم ذلك إلا أنهم، تهيأوا للانتظار في مكان غير بعيد وغير قريب من باب الكهف الكبير، حتى أن حمى وطيس اللقاء، وتمكن الغضب من عقل وبطن المارد ولوا مدبرين خفافا خفافا، فتكفى تلك اليد الطويلة الباطشة، أو قدمه المدمرة التي تستطيع دك جبل جزيرتهم الصغيرة دكاً، ولكن رغم ذلك علا صوت ضجيجهم الخافت لكثرتهم، بالإضافة إلى صوت صراخ الذرارى الصغار الذين لم يدركوا بعد معنى المارد العملاق، ولا يدركون إلا أنهم جوعى وعطشى وجسدهم الصغير ينخره الصقيع نخراً، فأدى ذلك إلى انتباهة "كارشون" حتى من دون اِخبار الخدم له بذلك الخروج العظيم من الأقزام، فقرر أن يحرك أجزائه الثقيلة، ويخرج إليهم ليرى ذلك المشهد الذى أفزعه لأول مرة في حياته طويلة الأمد.

(2)

انتهِ الآن من هذا النفاق أيها اللعين الضئيل.. هات ما عندك وأظهر مقصدكم الذي جمعكم هذا التجمع النادر.. والأول والأخير بالطبع.. واحذر أن يكون أمركم تافها

لم يتمهل "كارشون" في خروجه، حتى يفتحوا باب كهفه العظيم له، فقد دفعه بقدمه دفعة واحدة خلعته من مكانه، وخلعت معه قلوب جميع الأقزام من صدورهم، وقف بكامل طوله العظيم، والأرض تتزلزل تحت قدميه الحافيتين، وبدأ في تحريك أصابع قبضته اليمنى في هدوء، يتأمل في ذلك المشهد الذى أفزعه من الداخل، وبدأ في رفع حاجبه الأيمن وهز معه رأسه الكبيرة، تعبيرا عن استغراقه في التفكير، القائم على سؤال مفاده: كيف يجرؤ الأقزام على مثل هذا الخروج العظيم والتجمع المهيب؟

وعندما طال سكوته وتأمله وتفحصه المخيف في جمع الأقزام الذى كان كخلية نحل عظيمة، أو جيش عرمرم من النمل، بدأت أجساد الأقزام تتلاحم دون وعى، وبدأ بعضهم ينسحب من المشهد بهدوء ونذالة، ثم بعد ذلك الفزع المتبادل والمكتوم من الجانبين، وان كانت الأقزام لم تدرك ذلك، لأن عقولهم داخل بطونهم التي تعوى من الجوع، قال "كارشون" في هدوء حاد، وبصوت فيه فحيح أفعى تهز بجرسها جدران الجبل :

(كارشون): أيها الملاعين، لقد زدتم في فساد ليلتي التي كانت فاسدة، وعكرت مزاجي الذى كان عكرا، وأقلقتم مضجعي الذى كنت فيه قلقا، ماذا تريدون؟!، حذار أن يكون أمركم الخطير الذى دفعكم إلى هذ الخروج العظيم والنادر تافها عندي.. سوف أحرق نصفكم أو يزيد.. أين كبيركم اللعين "بيرسى"؟!

ارتعدت فرائص الكبير الحكيم "بيرسى" وود أن يتخطفه الطير أو تهوى به ريح ما إلى مكان سحيق، أو تنشق الأرض وتبتلع جسده الضئيل، ووجد نفسه دون أن يدرى يقف بعد أن خرج إليه يزحف على قدميه، في مواجهة "كارشون" السائل عنه، ويبلع في ريق حلقه الجاف والخوف يملأ عليه جدران فؤاده، وعندما تستقيم قدماه اللتان كانتا تتقدم إحداهما وتتأخر الأخرى، والمارد ضم شفتيه وينتظر حديث كبير الأقزام الملاعين وعينيه تتأمل مشهد الأقزام المتجمهرين بكامل قوتهم العددية الرهيبة، وطال انتظار كبير الأقزام حتى يستجمع أجزاء نفسه ويتمالك أعصابه المرتعشة بحكم السن والخوف معا، ثم نطق بصوت شبه طلق، فيه قليل من جرأة الطلب وكثير من خوف الإجابة، وبدأ حديثه بنشيد الولاء والعبودية والخدمة:

(بيرسى): سيدى وسيد أولادنا وأحفادنا ومالك وملك نسائنا وأرضنا وطعامنا وشرابنا، مارد ومالك وملك جزيرة البساتين العظيمة، باسم كل الأقزام وأنا كبيرهم، أتقدم لجبروتك وعظمتك بخالص التهاني وأسمى الأماني، على أن جعلتك الأقدار العظيمة ملكنا العظيم منذ زمن بعيد، ونرجو وندعو بأن تبقى لنا دوما درعا قويا وحصنا حصينا لنا ولأولادنا ونسائنا وكافة ما تحت أيدينا من نعم تمنحها لنا وأنت وليها وولينا.. سيدى..

يوقفه المارد عن استطراد الحديث بإبهامه الطويل، ويقول في غضب مكتوم ومخيف ممزوج بالتهكم والاحتقار: (كارشون): انتهِ الآن من هذا النفاق أيها اللعين الضئيل.. هات ما عندك وأظهر مقصدكم الذي جمعكم هذا التجمع النادر.. والأول والأخير بالطبع.. واحذر أن يكون أمركم تافها.. فإن كان كذلك.. فلتدخل بنفسك إلى سجن الكهف الحديدي ولتمكث فيه مائة يوم، لك في كل يوم مائة جلدة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 
ـ الأقزام.. قصة للأطفال مكتوبة في عام 2003م.