هل يمكت أن يكون الداعية أسوة وقدوة؟

مدونات - محمد سيد حاج

رجلٌ يصدقُ قولهُ بفعالِ
الداعية الحق من تسبقُ أفعاله أقواله، يرى الناس منه تطبيقاً لما يقول، فيكون قدوة لهم، إذا تكلم عن الصبر يُرَى في الملمات أول الصابرين، وإذا تحدث عن العطاء كان أول الباذلين، وفي معاونة الضعفاء من أول المساندين، حينها إذا قال سُمع له، وإذا أمر التزم الناس أمره، وإذا وعظ وجد آذاناً صاغية له.

 

وإِذا بحثْتَ عــن التقيِّ وجدتـهُ رجلاً يصدقُ قولهُ بفعالِ

لنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك الأسوة والقدوة، وكذلك الصحبُ الكرام والصالحين، ومن أولئك الدعاة العاملين، وممن يصدقُ فيه هذا الوصف، داعية رحل إلى ربه لكن بقي مع الناس أثر عمله، كان عالماً عاملاً، شيخ الشباب كما يسمونه (محمد سيد حاج عليه) رحمه الله، له في حياته إضاءات مشرقات، وقصص نيرات، نبث بعضها عسى أن يكون للناس فيها أسوة وقدوة.

  

عاشت بعده كلماته

مات الشيخ وعاشت كلماته من بعده بين الناس، مات الشيخ قبل ثمانِ سنواتٍ ومازال صوته يُسمعُ في الأسواق، في الكفتريات، في الباصات السياحية، في المواصلات، في أجهزة الهاتف، لا يكاد يخلو مكان من صوته بنبرته الواضحة، حين تسمع بسيرة الشيخ رحمه الله تذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله إذا أحب عبداً دعا جبريل فقال: إني أحب فلانا فأحببه فيحبه جبريل ثم ينادي في السماء فيقول: إن الله يحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في الأرض).

  

مواقف عطرة في سيرة نضرة
كانت حياة الشيخ كلها في الدعوة، حتى سفره الأخير كان في طريق الدعوة إلى الله إذ ودع أحبابه والمصلين يوم الجمعة وفي يوم السبت 10 جمادى الأولى 1431 هـ كانت وفاة الشيخ إثر حادث مروري

كانت حياة الشيخ رحمه الله مليئة بالمواقف التي تبين أثر دعوته، كان هاشاً باشاً، متلمساً لقضايا الناس، معايشاً لمشكلاتهم، صغير الناس عنده ابناً، والكبير عنده أباً يحنو عليه ويتلطف معه، ويعامل من كان من أترابه معاملة الأخ، لا تفصله من الناس حواجز، ولا يسد على ذي حاجة بابه، يقف معه الناس عقب الجمعة وبعد الصلوات يستفتونه، يبثون له مشكلاتهم لأنهم عهدوا منه انشراحا لهم، وسعياً في الوقوف بجانبهم حتى تقضى مآربهم، لو سألت عن التواضع فقد حاز فيه نصيباً وافراً، ولو أردت أن ترى رجلاً كان يقصده الفقراء فتتبع قصصاً له ترى عجباً، وكان له مع الشباب لوناً آخر من العطف والحنان، ما خلت الجامعات يوماً من كلماته، يلتف حوله الشباب لأنهم يجدون عنده اجابة الشكوى، كان لهم كالطبيب الحاني يتلمس جراحهم ليصف لهم الدواء الناجع.

أما عن مسيرته الدعوية فكان إماماً علماً، منصفا مقسطاً لإخوانه ولمن خالفه، كان مبدأ العمل عنده أن يقدم حق الله على حظ نفسه، أن يبلغ دعوة الله بحسن طرح، وبساطة أسلوب، فكان في ذلك مَبلغُ الأثر في دعوته وانتشار كلماته. وأذكر في هذه السطور بعضاً من مواقف حياته، يرويها بعض من صحبه وعاشره، تعكس مدى تأثير دعوته، ومحبة الناس له. يقول الدكتور عبدالحي يوسف: كان الشيخ وصولاً للناس في أفراحهم وأتراحهم، ساعياً بينهم بالإصلاح والخير، ولا زلت أذكر حين عرض عليَّ خبر فتاة بينها وبين أهلها خلاف في شأن زواج تحرص عليه، وأهلها لا يريدون لاعتراضهم على الرجل الذي تقدم لها، فاعتذرت إليه بأنني لا أدخل في مثل هذه الأمور، ولم يزل – رحمه الله وغفر له وجزاه خيراً – يلح عليَّ ويفتلُ لي في الذورة والغارب حتى ذهبت معه إلى بيت أهلها، ومكثنا معهم حيناً من الليل نحاورهم ومعهم فتاتهم، ثم بعد ذلك ما زلت أسأله عن أخبارها كلما لقيته فيحكي لي ما حدث من أمرها، مما يدل على أنه تابع واستقصى وما ملَّ ولا كلَّ.

  

يقول الأخ عبدالقادر عثمان -وهو ممن يصلون معه الجمعة- كان الشيخ دائماً يقف مع الناس بعد الصلاة يوم الجمعة، يسمع منهم، قال: في مرة وقفنا معه ثم جاء مجموعة من الشباب وقفوا يسألونه وانصرفنا ثم عدنا لصلاة العصر فوجدناه واقفاً في مكانه، ما يملّ من أسئلة الناس وطرح مشاكلهم، فكان مثلاً في الصبر والتواضع. ويذكر الأخ محمد زكريا قصةً لشابٍ لا ينتمي لطائفة أو يندرج تحت تنظيم فقط هو محب للشيخ عندما أقترب موعد زفافه اتفق مع الشيخ أن يلقي كلمة في حفل الزفاف بدلاً عن الفنان، وفي ليلة العرس والناس تترقب حضور الفنان، وصل العروسان وأستقبلهما والد الشاب ثم سأله أين الفنان ؟؟ فقال الشاب: في الطريق يا أبي، وبعد انتظار طلع عليهم الشيخ، استغرب الحضور لكن الشاب كان فرحاً، تكلم الشيخ وذكر الناس ومازحهم. يعكس هذا الموقف حب الشباب له، وقربهم منه، وتأثرهم بمواعظه.

 

محمد سيد حاج (مواقع التواصل)
محمد سيد حاج (مواقع التواصل)

 

كان رحمه الله حريصاً على جمع الصف وتوحيد الكلمة، وكان يكره أن يذكر عنده أحدا بسوء، يحكي الشيخ وضاح خضر يقول: حدثني شيخ قراء قطر الشيخ عبدالرشيد صوفي أن الشيخ محمد سيد حاج في إحدى زياراته لقطر كان في مجلسٍ يضم جمعاً من أهل العلم والأكابر، فإذا بأحدهم يقوم بالطعن في بعض أهل العلم، فسكت أهل المجلس عن الإنكار على هذا الرجل فما كان من الشيخ رحمه الله إلا أن رفع صوته قائلاً : أستغفر الله .. أستغفر الله.. ففهم الرجل أن الشيخ ينكر عليه فحاد عن الطعن ودخل في موضوع آخر. وأعظم ما يكرم الله به المرء في حياته ثباته على الحق عند مماته، يحكي خاله يقول: عندما أدخلوني الإنعاش كنت متوتراً أبكي فقال: يا خال أنا بخير، وأخذ بيدي وبدأ يوصيني، فقال: إذا مِتُ لا تشقوا على الناس وأدفنوني في القضارف، ثم أوصاني ألاّ يبكي علي أحد، ثم أمرني أن أحضر له حجراً فتيمم وصلى فكانت آخر أعماله قبل وفاته رحمه الله.

 

ذكر الدكتور مهران ماهر عثمان أن أحدهم قص عليه أنه رأى في يوم تشييع جنازة الشيخ شاباً مقعداً متأثراً وسط الزحام فقال : لعله من أسرة الشيخ، فسأله فقال: ليس لدي علاقة بالشيخ غير أن الشيخ أتانا ذات مرة في محاضرة وكنت جالساً في الصف الأول وبعد المحاضرة خرجت فلحق بي الشيخ وسلم علي ثم أعطاني مالاً.

 

السبيل إلى النهضة

في آخر جمعة ألقى الشيخ كلماتٍ كانت مسك الختام في حياته، كانت رسائل وجهها للمسؤولين ولعامة المسلمين، لسان الحال فيها (إنا مودعون)، نبرتها توحي بأنها آخر المطاف، عنْونَ لها الشيخ رحمه الله (السبيل إلى النهضة)، ولو وضعت نصب الأعين لكانت حقاً سبيلاً للنهضة وبها المخرج من ملمات عصفت بالدولة وأرهقت كاهلها. بدأها بالسؤال : نحن أمة تمتلك مقومات النهضة فلماذا نحن أمة ضعيفة وذليلة وعاجزة أن تصنع حضارتها ونهضتها بيدها ؟؟ وعرف النهضة قائلاً: (أن يحافظ المجتمع على هويته، قائما بمبادئه، الشعب مرتاح، والأمة في رفاهية، والعلاقة بين الحكومة والشعب يحافظ عليها وفق مؤسسات) ثم أتبع ذلك بذكر بعضاً من مقومات النهضة كانت شافية كافية لكل صاحب منصب أن يعمل بها وأن ينتهجها دستوراً له. وأوجز ها في نقاط كان أبرز ما ذكر فيها:

 

-الحكم بيد الله يؤتيه من يشاء لا بيد أحد سواه.
-حراسة الملة وحفظ الدين وصّونُ الكليات وان يقام الإسلام ويحارب الفساد بكل أنواعه.
-تأمين الحياة الكريمة للمواطن والسعي في رفاهيته.
-إقامة القسط والعدل بين الرعية "فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ".
-القدوة للناس في كل شيء، إذا ربط الشعب حجراً من الجوع فليربط المسؤولون حجرين تأسياً برسول الله صلى الله عليه وسلم، فالقدوة الصالحة سلامة في اليد ونزاهة في اللسان.
-الحكومة الناجحة هي التي تحرك الشعب نحو النهضة، تفعل الهمم، تفجر الطاقات، تحدث التنمية.
   

السفرُ الأخير

كانت حياة الشيخ كلها في الدعوة، حتى سفره الأخير كان في طريق الدعوة إلى الله إذ ودع أحبابه والمصلين يوم الجمعة وفي يوم السبت 10 جمادى الأولى 1431 هـ كانت وفاة الشيخ إثر حادث مروري على طريق ولاية القضارف (والتي تبعد عن العاصمة الخرطوم 251 كيلو متر) كان متوجهاً لتقديم محاضرة بمدينة (دوكة)..

 

نسأل الله أن يتقبله في جنات النعيم وأن يغفر لنا وله أجمعين