مشروع نهضة (4).. نحو وحدة عربية شاملة

BLOGS جامعة الدول العربية

ماذا يَنقصنا في الدول العربية حتى نفشل في تشكيل منظومة اقتصادية تنافس دول العالم الرائدة، هل نُعاني من نَقص الثروة البشرية؟ أم انعدام الثروات الطبيعية؟ أم تَتكالب علينا القوى الدولية العظمى فتَستنزفُ خيراتنا وتُسوّق لنا الوهم، أم أن المشكل في الإنسان العربي نفسه، أم في الأخلاق؟ أم في التدبير والتخطيط؟ أم أن هناك مشاكل أعمق وأفدح من أن تُختزلَ في وصفٍ أو كلمات.

يبدو أن هناك تراكماتٍ سلبية عدة أثقلتْ كاهل المجتمعات العربية، وجعلت من الأزمة الكائنة أكبر من أن تُحشر فقط في نطاقٍ سياسيٍ أو اقتصادي أو اجتماعي، فالمشكل الاقتصادي الذي نُعاني منه يَنضافُ إلى سلسلةٍ من المعضلات الكبرى المرتبطة أساساً بالإنسان العربي والبيئة المُحيطةِ به، لتُأزّم الوضعية الراهنة أكثر وتُعقدها، ولتحبط كل محاولةٍ ترمي لانتشال الواقع من الكوارث المُحدقة به من كل جانب.

إنَّ الإصلاح الحقيقي يجبُ أن ينطلقَ من إيمانٍ راسخٍ بالقدرة على تجاوزِ الأزمات، من نيةٍ صادقةٍ في بلوغ آفاقٍ جديدة، مع الإرادةِ الكاملةِ والوعي التامّ بالحالة القائمة، فأوّل تحدّياتنا أن نحدّدَ الهدف الذي نَصبو إليه، أن نَعرفَ الطريق التي سَنَسلكها، أن نتوقَّع النتائج قبل القيام بأية خُطوة في المشروع، فإذا حدّدنا الهدف والمآل سهل التركيز على الإنجاز شرط أن نبدأ أولاّ بما هو مُمكن القيام به، وأن نبتعد ابتعاداً عن كل ما لا يُمكن القيام به على الأقل في الظروف والحيثيات الراهنة، فالدواءُ لا يحدّده الطبيب إلا إذا تمكّن من تشخيص المرض بدقة، وإلا كان وقع الدّواء سيّئا على المريض، وقد يزيد من سوء حالته، وقد يتطلب منا تحديد مكامنِ الخللِ ومواطنِ الضعف وقتاً أطول.

 

الإنسان العربي بحاجةٍ ماسّةٍ لتعدّد الخيارات، سئمنا سياسة الحل الوحيد، والأمل الوحيد، فخياراتُ التشغيل وخياراتُ التعليم وخياراتٌ عدّة يجب أن تتوفَّر لدى الفرد العربي حتى يتمتّع بحقّ الاختيار

لكنها خطوةٌ صحيحة نحو الأمام، وإجراءٌ صحي يخدم مشروع النهضة ولا يُسيء إليه، والتضحية في سبيل بناء نهضةٍ عربية شاملة ليست مُستبعدة، فهي واردة جدّاً، لكن الفرق شاسع بين أن تُضحي من أجلِ مشروعٍ تجنّدت فيه كل القوى الفاعلة المسؤولة بحيث يُضحي كل فردٍ من موقعه، وبين أن تُضحي أو تُرغم على تقديم تنازلاتٍ وأنت تعلم علم اليقين أنها مؤامرة من المؤامرات كسابقيها.

لا يمكن للمجتمعات العربية أن تتلمّس بوادر النهضة إلا إذا شُفيَ جسدُها المعتل من الفساد الذي ينخرُه، لذا نرى أن الدول المتقدمة شُغلها الشّاغل محاربة الفساد بكلّ ضراوة بغض النظر عن وزن أصحابه ومكانتهم، وهذا ما يجعل المسؤول عندهم يُفكّر ألف مرة قبل أن يُقدِم على قرارٍ يُشتَمُّ منه رائحة الفساد، ولا بدّ لنا من معالجة أمراض الفساد بكل أشكاله.

 

فلا يمكنُ أن نتخيّل أنَّ هاجسنا الأكبر في مشاريعنا العربية هو تغيير أعمدة الإنارة بأخرى مشابهة لها في كل التفاصيل على طول كيلومتراتٍ عدة، مما يُكلف الدولة ميزانيات ضخمة كان الأجدر أن تصرفها في أشياءٍ أكثر استعجالية وأهمية، ولا ينفعنا إنجاز مشاريع عملاقة دون تَهيئ الأرضية الملائمة أوّلا، ودون البدء بإيجاد حلولٍ عاجلة للمشاكل المتجذّرة القديمة كالجهل والتخلّف، فذلك بمثابة قفزةٍ طويلة المدى غير محسوبة العواقب، سنسقط بعدها لا محالة بمجرّد ملامسةِ الأرض.

إن الإنسان العربي في حاجةٍ ماسّةٍ إلى تعدّد الخيارات في حياته، سئمنا من سياسة الحل الوحيد، والأمل الوحيد، فخياراتُ التشغيل وخياراتُ التعليم وخياراتٌ عدّة يجب أن تتوفَّر لدى الفرد العربي حتى يتمتّع بحقّ الاختيار الحرّ والبحث عن الجودة، وعلى سبيل المثال نجد التعليم التقني الغائب الأكبر في مسيرة الفرد الدراسية الطويلة، ودارسُ القانون أو اللغات أو المتخصّص في الآداب أو التاريخ إذا لم يشتغل بعد تخرجه محاميا أو قاضيا أو مترجما أو أستاذا ماذا يُنتظر منه أن يمارس كمهنةٍ في المستقبل، فإذا غاب هذا الخيار بغيابِ فرصِ الشغل المتعلقة بهذه التخصصات النظرية، حضَرَ الخيار الثاني في مساعدته على إنجاز مشروعٍ شخصي يتعلّق بالحرفة أو التقنية التي تعلّمها على أقلّ تقدير، وتلك مهمة المنظومة التعليمية.

ولسنا كُثُر حتى نُعانيَ الفقر والحاجة بسبب عجزنا عن سدّ الحاجيات على امتدادِ الوطن العربي، وتحقيق الاكتفاء الذاتي، فالصين تجاوز تِعدادُ سكانها المليار نسمة وهي قوة اقتصادية كبرى تُنافس الولايات المتحدة الأمريكية، وفيها من النظام والانضباط ما يُوحي لك بأن عددهم يُعَدُّ فقط على رؤوس الأصابع، بيدَ أن سكانَها أضعاف سكان الدول العربية مجتمعة، واليابان تسبح فوق بؤرٍ من الزلازل تنشط في كل حين، ولا تقلّ عن الصين قوةً ومكانة في المنطقة، مع أنها لا تملكُ من الموارد الطبيعية سوى القدر اليسير، إلا أن اليابانيين وثقوا بقدراتهم وآمنوا بالعمل الجاد المتواصل بعد هزيمتهم في الحرب العالمية الثانية، وقرروا إعادة بناء يابان جديدة وتحويلها لقوة اقتصادية منافسة، فنجحوا في ذلك نجاحاً مدهشا.

إن إعادة تجارب الغرب ليس هو الحلّ الموفق دائماً، فما تلبسُ من لباسٍ ولو اقتنيتَهُ من أفخم المحلات العالمية قد لا يليق بك ولا يتناسب مع مظهرك، ونحن في القرن الواحد والعشرين ما زلنا بصددِ إعادة بعض التجارب التي أثبتت فشلها في المنبع، فلماذا نعيد استهلاكها مرة أخرى، ولماذا نطبق مخططات الغرب المتقدمة على مجتمعاتنا الفقيرة البائسة، دون الأخذ بعين الاعتبار الفوارق المهولة بين الطرفين على كل المستويات، فهل نفتقرُ القدرةَ على إبداع مخططاتٍ عربيةٍ ذاتية وتفعيلها؟ وما دور المئات من مراكز الدراسات الاستراتيجية العربية إن لم تُقدّم لنا حلولاً ولو مبدئية لمعضلاتنا الاجتماعية والاقتصادية؟ أم أن دورها فقط ينحصر في الظهور على شاشات الإعلام لتسويق أرقام غريبة وإحصائيات عجيبة لا تمتُّ للواقعِ بصلة.

صحيح أننا عانينا من تبعاتِ الاستعمار الذي حوّلنا إلى مصدر يستمد منه حاجياته من النفط والغاز والذهب وما إلى ذلك من الثروات، لكن الاستعمار انتهى عهدُه ولا نريد أن نُعيدَ كابوسه بشكلٍ من الأشكال، ولا خيار أمامنا نحن العرب إلا في إطلاق مشروعٍ نهضويٍ شاملٍ يستمدُّ ركائزه من ثوابتنا الإسلامية التي تحث على الوحدة ونبذ الخلافات، والتركيز على التربية وتغليب كفّة الأخلاق في كلّ المجالات، فكيف سنتقدم خطوة واحدة إلى الأمام وأنياب الصراعات تفتك بالجسد العربي وتُحوّله إلى فريسةٍ جريحة وهنة تتكالب عليها الدول المتعجرفة.

إن إعادة الاعتبار للوحدة العربية من شأنه أن يُقوي الموقف العربي ويجعل منه صوتاً واصلاً ونِدّا منافساً وليس مجرّد صدى يتبدد في الهواء، وعلينا إقامة علاقات اقتصادية وعلمية بحذرٍ ودهاء مع الدول العظمى، كأمريكا وأوروبا والصين، حتى نستفيد من مُنجزاتهم وخبراتهم في الميدان ونسهر على دراستها بدقة وتطويرها قدر المستطاع، فهذا أفضل بكثير من إبرام اتفاقيات وصفقات هزيلة مع دولٍ هشة تفتقر لأبسط مقومات التقدّم، دون أن نَجنيَ منها مصالح تذكر، ففاقد الشيء لا يُعطيه.

الإصلاح لا ينتهي والتطوير لا يتوقّف، وهذه ضريبة العصر، فالدول المتقدمة رغم ما وصلت إليه من انبعاثٍ ورُقي، إلا أنها تواصلُ باستمرارٍ عملية الإصلاح الشامل بلا هوادة
الإصلاح لا ينتهي والتطوير لا يتوقّف، وهذه ضريبة العصر، فالدول المتقدمة رغم ما وصلت إليه من انبعاثٍ ورُقي، إلا أنها تواصلُ باستمرارٍ عملية الإصلاح الشامل بلا هوادة
 

إن ضخ دماءٍ جديدة في علاقاتنا كفيلٌ بأن يُغيّر طريقة تَعامل المنتظم الدولي مع قضايانا المصيرية، قبل أن يصل بنا الحال إلى نقطةِ اللاّعودة، فقوة أوربا في اتّحادها وإن كان هذا الاتّحاد لا يبدو جليّاً في ظاهره لكنه مقدس في باطنه، فلنضع حدّا لأي مشروع نهضوي ما دام الجسم العربي يُقطَّعُ أشلاءً ويُوزَّعُ على كلّ من هبّ ودب، ولا بد أن تُحلَّ خلافاتنا من طرفنا نحن العرب وألا يتدخل كائنٌ من كان في قضايانا وشؤوننا العربية، فلا أحد يُقرب بين الإخوة إلا أخ منهم.

 

وليكنْ ذلك في شكلِ مجلسٍ عربي لحلّ الخلافات مع حفظ الحقوق لأصحابها، يُديرهُ شخصيات مشهود لها بالكفاءة والصلاح والاحترام، وحان الوقت لبلورة تحالف عربي بكل معنى الكلمة، وتشكيل منظمة التجارة العربية البعيدة عن كل ما هو سياسي سيراً نحو تحرير التجارة العربية وتشجيع التبادلات على أوسع نطاق، فاليد العاملة متوفّرة، والثروات موجودة، والمهارات لا نقل فيها عن الدول الرائدة في الاقتصاد والتجارة، إلى أن تُحبَّ كل دولة عربية لنفسها ما تُحبُّ لشقيقتها اقتداءً بالحديث الشريف، حينها سنصل عتبة الوحدة ومرتبة الإيمان الحقيقي.

إن الإصلاح لا ينتهي والتطوير لا يتوقّف، وهذه ضريبة العصر، فالدول المتقدمة رغم ما وصلت إليه من انبعاثٍ ورُقي، إلا أنها تواصلُ باستمرارٍ عملية الإصلاح الشامل بلا هوادة، مع الصيانة الدائمة والتقييم وإعادة التقييم، ومواكبة المستجدات، فليس هناك مشروعُ نهضةٍ يبدأ ثم ينتهي في حيّز زماني محدد، إنما النهضة تُلمَحُ بوادرها من ثمارها، كالشجرة التي تُعلن دائما عن بقاءها على قيد الحياة بمنحِ ثمارها الناضجة وأزهارها المورقة.