لهذه الأسباب يعد الفقر عيبا!

blogs- الفقر
الشعور كلمةٌ بعُدَ معناها، وشحّت ألفاظها، ورغم ذلك جرت الأقلام في وصفها مرارًا وحاولت العقول فهمها تكرارًا، وظن المتكلفون أنهم أدركوا منها الغاية، وأصابوا منها المراد، وما علموا أن الشعور كلمة لا يحدها لفظ، ولا يحيط بها معنى، فالشعور في أصله تجربة لا تخاض بالكلمات لكن الأفعال؛ فالشعور ذاته أسير ثلاثةٍ تجربة، وفؤاد، وتعبير، أما التجرِبة فهي منبعُ هذا الشعور، وأما الفؤاد فهو مسكنه، والتعبير صورته التي يخرج فيها للعيون والآذان، بيد أن الشعور يُستنبَط بتلك الصعوبة البالغة، إلا أن الناس أكثروا في وصفه، واستباحوا حُرمة التعبير عنه دون تجربة تولد هذا الشعور، أو قلبٍ يأويه، أو كلمٍ بليغٍ يصف حقيقته، وكثيرة هي المشاعر التي أهانها الناسُ، ولعلّ الفقر هو الشعور الأسوأ حظًا، فانتابه من التجني ما انتابه وأصابه من المغالطات ما أصابه.
وحسبك من معرفة هذه التجنيات أن تُلم بهذا الموقف الذي جمع بيني وبين عجوز شاخ سنه، وكثر علمه، وامتلأت خزائنه، إذ مررت به وفي صدري حاجة مضنية لمعرفة ماهيتة الفقر، فأقبلت عليه سائلًا مستغيثًا موقنًا أن الإجابة لن تخرج إلا من جعبته، جاهلًا أن امتلاء خزائنه قد يضع أمام عينيه فقرًا غير الفقر الذي نعيش، فسألت: "ما هو الفقر؟" ففكر وقدر ثم قال إذا أردت أن تعرف حقيقة الفقر؛ فعليك أن تنتظر ذاك الشعور الذي يواتي قلبك عندما تشتد بك الحاجة ولا تجد ما يرفعها عنك، فأردفت: "أتعني أن الفقر هو الحرمان، وضيق السبيل، وانعدام الخيار، والرغبة المقتولة، والتطلع الموؤود، والكرامة المنتقصة، والتنازلات المستمرة". قال: "نعم، ولكن إياك أن تعتقد أن الفقر عيبٌ". فعلمت أنه قد وقع في شَركِ المغالطة وأن خزائنه الممتلئة أطلقت لسانه بالمهاترة، فما كان مني إلا أن أومأت موافقًا حتى ينتهي اللغط، ويقتضب الجدال.
 

الغني منعم في أمنياته، ظافرٌ برغباته، ومجاب على طلباته، في رغدّ يعيش وفي سعادة يهنأ، والفقير أمنياته منزوية ورغباته منقضية، وطلباته غير مسموعة
ولكن سيطر عليّ بعد هذا الموقف يأس عظيم، فما انتهت حيرتي بسؤاله، بل أسلمتني إلى حيرة أشد وأعمق، أصلها سؤال عج به صدري"كيف لرجلٍ قد يملأ علمه المجلدات الضخام، وامتلأت حياته بالتجارب العظام، أن يعجز عن إدراك ماهيتة الفقر، ويقع في فخ المهاترات والمغالطات؟" حتى أيقنت أن كثرة العلم وكبر السن وتعدد التجارب لا يمكن لهم أن يمنحوا صاحبهم القدرة على احتواء شعور الفقر ما لم يخُض غمار تجربته ويكابد شدة مرارته.
 
إن لم يكُن الفقر عيبًا، فلا يوجد في الحياة ما يمكن أن يعيب الإنسان، فكما لا تتضح حلاوة العسل إلا بالتذوق لا تتضح مرارة الفقر إلا بمكابدته؛ فإن لم تكن العورة التي لا تُستر عيبًا فما هو العيب، إن الفقر نقصٌ لا يطمح في كمال، وشقاء لا يطمع في نعيم، واحتياج لا يذهب إلى تلبية، وغربة ما بها أوبة.
 
الفقر أشد من ذلك، وأعتى منه قوة، وأعمق أثرًا، وأبعد مفهومًا؛ إذ هو نقص يعتور النفس ويضنيها، وهو سوطٌ يُلجم رغبة الإنسان إذا ما ذهبت به إلى شيء من عطايا الحياة التي لا تستنفذ إلا بالمال، أن تكون فقيرًا فأنت تحت وطئة الحاجة، أنت سجينُ الإمكانات المحدودة، أنت في نزالٍ مع الحياة، أن تكون فقيرًا فأنت في صراع بين الاستغناء عن كتابٍ ترومه، وآخر تحتاجه، أن تكون فقيرًا فهذا يعني أنك تُطحن في رحى شقاها العجز والرغبة، أنت دائمًا في مفارقة محسومة، وعليك أن تتحمل تبعاتها، فتختار بين مفروض ومرغوب، ومأمول ومرهوب، أن تكون فقيرًا يعني أنك تفقد صفة من صفاتك كل ساعة، أن تكون فقيرًا يعني أنك تصبح إنسانًا مختلفًا كل يوم.
  undefined
 
وبين هذا النقص الذي لا يكتمل، والعجز الذي لا يحتمل وجد الفقير نفسه في براثن كذبة يقولها وحاشاه أن يصدقها، إن كان الغنى سبيل الأمنيات وملاذ الرغبات، والفوز بكل مطلوب؛ فأمنياته قاصرة على المادية، ورغباته أسيرة الطمع، وطلباته محاطة بالشهوات، ولكن الفقير في فقره ينعم بما لا يستطيع هذا الغني الظفر، فأمنياته سهلة قريبة، ورغباته نبيلة حميدة، وطلباته على قدر الحاجة، وهي أكذوبة يطلقها لسانه ولا يطيقها عقله ولكن حسبه أن يظن أنها تخفف عنه الألآم وتقضي على ما به من أحزان، والحقيقة أن الغني كذلك منعم في أمنياته، ظافرٌ برغباته، ومجاب على طلباته، في رغدّ يعيش وفي سعادة يهنأ، والفقير أمنياته منزوية ورغباته منقضية، وطلباته غير مسموعة.
 
ولكن الحيرة الأشد على النفس أن نجهل ما فعل الغني قبل مولده حتى يولد غني، وما اقترف الفقير من ذنوب تعسة قبل مولده حتى يولد فقيرًا، أهي حكمة الله تُسير عبيده كما تشاء؟ أم هي الدنيا تحملنا على محامل غير محاملنا ظلمًا وعدوانًا؟ أم هي العقبات التي لا تشكل أي قيمة إلا في كونها عقبات تقلل ما في الحياة من سعادة وتجعل فيها ما يستحق الذكر؟ أسئلة عجزت عن إجابتها، فأخبروني إن كان لديكم إجابة تهون عليّ وقع تلك الحيرة يا أصدقائي!