قضية سرقة خبز أمام محكمة عمر!

مدونات - فقير متشرد في الهند
ويحكم معشر المثقفين وشباب التكنولوجيات والمعرفة، نحن أولاد الغابات وأبناءها لا نخرج منها إلا إذا اشتدّ بنا الجوع وقسى بطوننا، خَرجتُ من الغابة إلى شوارع مدينتكم بحثا عن لقمة تسدّ جوعي وشبعي وكنت لا أملك دينارا ولا درهما فأشتري به طعاما، وقد سرقت رغيف خبز من عندكم كي أقيم به صلبي لكني لم أسرق إلا رغيف خبز، وعندما وقعت أعينكم على سرقتي للخبز لم ترض أنفسكم الدنيئة إلا بضربي حتى الموت ضربا بالعصا والأحجار قتلتموني قبل أن تصل قطعة ذلك الخبز الذي سرقته إلى بطني الجائع أصرخ في آذانكم وأردّد قائلا لم أسرق إلا رغيف خبز فقتلتموني وأقول كما قال الشاعر:
 
إذا سرق الفقير رغيف خـــــــــــــــــبز ليأكله سقوه السمّ ماء
ويسرق ذو الغنى أرزاق شعب برمته ولا يلقى جــــــــــــــــــــزاء

 

ما أصغر نفوسكم وأخس أقداركم، كلمات هتفت بها روح مَدُو المقتول ظلما في وجه المثقفين من كيرالا جنوب الهند، الذي ضربوه ضربا بالأحجار حتى قتلوه، إنه مَدُو المنبوذ الفقير المعدود في صفوف المهمشين ابن الغابات، لم يُقتَل مَدُو من أجل جريمة السرقة بل الإثم الذي ارتكبه مَدُو هو أنه لم يكن رجلا وسيما حسن الجمال ذا اللون الأبيض حالة السرقة بل كان واحدا من المنبوذين ومن أبناء الغابات النائية من الطبقة التي يتجنبهم المجتمع ويزدريهم لضعفهم وفقرهم وهوانهم، ممن يعرفون بآدواسي الذين هم تصنيف اجتماعي يحافظ على صفة اجتماعية خاصة متميزة من لغة ولباس وتقاليد موروثة ونمط حياة، مجتمع يعيش في القرى الغابية والجبلية بعيدا عن تطور الحياة وازدهارها.

 

كان لون بشرة مَدُو عارا عليه، فلو أنه كان وسيما لما قتله المثقفون و لوجد في الناس من يحنّ عليه ويرحمه ويعطف عليه بقلب الإنسانية

ولقد كان لون بشرة مَدُو عارا عليه، فلو أنه كان وسيما لما قتله المثقفون ولوجد في الناس من يحنّ عليه ويرحمه ويعطف عليه بقلب الإنسانية لكن للأسف نحن اليوم نعيش في العالم الذي أصبح الجمال فيه سلعة من السلع النافقة، وكم تألم قلبي عندما رأيت صورة مَدُو المستضعف، وهو يقف أمام نخبة من المثقفين يحاكموه ويصفّعوه وكأنهم حماة القانون الدولي وحراسه وأصحاب الموقف الذي يقضي بأن يحاكم المجرم إثر ارتكابه الجريمة بيد أفراد الشعب لا عن طريق الشرطة والمحاكم، وقد تدفقت موجة غضب وكراهية ضد أولئك المثقفين القاتلين عندما تداولت وسائل الإعلام صورة مَدُو التي تصطدم مع الإنسانية والضمير البشري.

 
ويحضرني هنا مقولة الأديب الشهير مصطفى لطفي المنفلوطي حيث يقول "إن الفقر يدفع إلى الجرائم والقتل وارتكاب السرقات وأنا أقول إننا لو استطعنا أن نفهم الجريمة بمعناها الحقيقي وألا نخدع بصور الألفاظ وألوانها فإن للأغنياء جرائم كجرائم الفقر بل أشد منها خطرا وأعظم هولا"، فإن كان بين الفقراء اللصوص والقتلة والعيارون وقاطعوا الطريق، فبين الأغنياء المحتالون والمزورون والمغتصبون والخائنون وأصحاب المعامل والشركات الذين يغذون أجسامهم بدماء عمالهم والتجار الذين يسرقون من الأمة في شهر واحد باسم الحرية التجارية ما لا يسرقه منها جميع لصوص البلد وعيارون في سنة كاملة.

 

undefined

 

ويحكي لنا المنفلوطي في كتابه النظرات تحت عنوان المجرمون حكاية فيقول "حضرت مجلسا من مجالس الأحكام حكم فيه قاض مرتش على متهم سرق رغيفا فوضعت يميني على فمي مخافة أن يخرج أمر نفسي من يدي فأهتف صارخا لما ألمّ بقلبي من الرعب والفزع صرخة تدوي بها جوانب القاعة دوي الموج الثائر في البحر الزاخر قائلا مهلا وريدا أيها الحاكم الظالم فأنت إلى قاض عادل تقف بين يديه أحوج منك إلى كرسي فخم تجلس عليه ولو عدل القانون بينك وبين هذا الماثل بين يديك لبتّ وأعلاكما الأسفل".

 

لو كان مدو الآدواسي مجرما لسرقة رغيف خبز، فإن هناك من السارقين في البلدة الهندية من سرقوا أموال الشعب وأموال الضريبة الحكومية ولم يتم ملاحقتهم ومعاقبتهم

وعندما أقرأ ما سطّره قلم الأديب المنفلوطي في هذا الموضوع، أشعر بأنه كتبه وهو يعيش بيننا اليوم وكأنه شهد على حادث مدو المستضعف حيث يتابع قائلا مخاطبا القاضي المذكور في الفقرة أعلاه "إنك ترتزق في كل شهر ثلاثين دينارا فلم ترتش إلا لأنك شره مطاع وهذا السارق لم يسرق ذلك الرغيف إلا أنه جائع ملتاع ولو ملك مما تملك ثلاثين درهما ما فعل فعلته التي فعل فأنت مجرم إلا أنك في وشاح شريف وهو شريف إلا أنه في شملة مجرم"، فيا لله وللحقيقة التي عبث بها القانون ولعبت بعقول الناس العناوين.

 
طبعا ما أكثر اللصوص السياسيين في بلادنا، لكن مما يؤسف لنا أن القضاة لا يجدون نصا في القانون يعاقبونهم بمقتضاه بينما يجدون نصوصا كثيرة لفقير سرق رغيفا، فسرقة رغيف عندنا أهم من سرقة بنك وخزانة الحكومة التي يملأها عمال الدولة بعرق جبينهم، فهي أعظم من سرقة خمسة وثلاثين ومائة ومائتي مليون أو مليار، نعم لم يعد للمنبوذين والآدواسيين في الهند حق في أن يعيشوا حياة ناعمة ومنعشة كالآخرين لأنهم لو عاشوها لما استطاع الوزراء والأمراء وأصحاب المناصب الحكومية أن يسرقوا من الخزائن والصناديق المالية المخصصة من قبل الحكومة المركزية والتي تهدف لتنمية الأقليات المنبوذة وإنعاش حياتهم الاجتماعية في الهند.

 
لو كان مدو الآدواسي مجرما لسرقة رغيف خبز، فإن هناك من السارقين في البلدة الهندية من سرقوا أموال الشعب وأموال الضريبة الحكومية ولم يتم ملاحقتهم ومعاقبتهم، بل إنهم يعيشون حياة مرح وهانئة ومن أمثال هؤلاء السراقين الكبار نيراو مودي الذي نهب من أموال الشعب إحدى عشر ألف مليار روبية و ويجاي ماليا الذي سرق تسعة آلاف مليار روبية و جاتي ماهتا الذي سرق من أموال الضريبة الحكومية ثمان مائة وستة آلاف مليار روبية والقائمة طويلة وممتدة ولسنا نعرضها لطولها وامتدادها، وأكثر هؤلاء السراقين الكبار في الهند يقضون حياة مرح وراحة داخل البلاد وخارجها دون أن يلق القبض عليهم من قبل السلطة.

 
ألا ليت عمر يعود يوما، فأخبره بما فعل القانون، نعم إنها قضية لا عمر لها يحكم فيها فيعدل، تنقصنا عبقرية عمر في طريقة الحكم في قضايا الدولة والمجتمع، في عهد ثاني الخلفاء الراشدين عمر بن الخطاب من عام ثمان عشرة من الهجرة، العام الذي سمّي بعام الرمادة مرّ قحط على المسلمين وحبس المطر من السماء وأجدبت الأرض وهلكت الماشية حتى رأى الناس الدخان يفوح من الأرض وحتى أكل الناس أوراق الشجر واشتد الأمر حتى أقدم بعض الناس على سرقة بعض، يسدون بما سرقوا جوعهم، ونص صريح في القرآن يقول "وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِّنَ اللَّهِ"، لكن عمر بن الخطاب لم يطبق هذا الحق في حق السراق بل قال مقولته الشهيرة "كيف أقطع يدا امتدت لرغيف خبز يمنع صاحبه من الهلاك"، نعم كان عمر يعرف قيمة الحياة ويفهم روح النص قبل حروفه وجوهره قبل ظاهره وقال أيضا "ما كنت قاطع الناس حتى أشبعهم".

 

وفي هذا العصر الراهن نجد حديث الرسول صلى الله عليه وسلم تحقق بأوضح صوره حيث يقول المصطفى "أيها الناس إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد".