عمل المرأة.. هكذا نبرر فشل الأمومة!

مدونات - أم وابنتها

دائما ما كان موضوع توفيق المرأة بين عملها خارج البيت وبين دورها كأم محط نقاشات كبيرة لا متناهية وبين مؤيد ومعارض، فهناك من يقول أن المرأة يجب أن تكرس حياتها أولا وآخرا لأبنائها لأن دور الأمومة هو أسمى وأهم من أي مهنة أخرى، وأنه حين تتعارض الأمومة مع العمل فالأسبقية تبقى دائما للأمومة بدون نقاش، وهناك من يؤيد خروج المرأة للعمل بغية تحقيق ذاتها وتكليلا لمجهود سنوات من الدراسة والمثابرة.
 
فهل يا ترى بقاء المرأة في المنزل هو عامل كاف لتنشئة أطفال في بيئة أسرية سليمة وجو عائلي دافئ ومستقر؟ أم أن السبب الرئيسي لتنشئة جيدة هو مدى وعي ونضج هذه الأم وإلمامها بقواعد التنشئة السليمة سواء أكانت ربة بيت أو عاملة وأيضا بمدى تناغم الأبوين وتفاهمهما واحترامهما لبعضهم البعض؟ بمعنى آخر، هل دائما المرأة التي تكرس وقتها فقط لتربية أبنائها هي ناضجة وواعية بالقدر الكافي بمتطلبات الأمومة والتربية الصحيحة؟ أليس السؤال الأصح في هذه الحالة هو مدى جهوزية ونضج هذه المرأة المقبلة على مهنة الأمومة للقيام بهذا الدور؟
 
لا أنكر أن ربات البيوت سيتفوقن بشكل طاغ من ناحية كمية الوقت الذي يقضينه مع أبنائهن مقارنة بنظيراتهن العاملات، وهذا عامل مهم جدا ولا يمكن نكرانه، ولكن هل دائما يتفوق الكم على الكيف؟ الجواب لا طبعا. فكم من ربات البيوت (ولا أعمم طبعا) يتركن أطفالهن طوال النهار أمام التلفاز ليستطعن قضاء مهامهن المنزلية، في حين أن التلفاز له تأثير جد سلبي على سلوك الطفل ومهاراته. لذا فالوقت الذي تقضيه الأم مع أطفالها يجب أن يكون غنيا بالأنشطة المفيدة التي تكسبهم مهارات التعلم والتركيز إضافة إلى أهمية دور التفاعل مع الناس واللعب، فقدرة الطفل على التعلم انطلاقا من التجارب الملموسة تفوق بكثير قدرته على التعلم من خلال المشاهدة فقط.
 

حصر أدوار المرأة فقط في مراعاة شؤون المنزل والزوج والأبناء أو ربط عملها بالعقد النفسية التي يمكن أن تصيب الطفل ما هي إلا أفكار أوهمنا بها أنفسنا لتبرير فشل مشروع أمومة ما

إذا كان من سلبيات عمل المرأة هو سلب وقت أمومتها الثمين فإنه لن يضاهي السلبيات التي يمكن أن تفتك بنفسية الطفل في حال نشأ في جو أسري مليء بالاضطهاد والعنف بالرغم من تواجد أمه حوليه طول الوقت. في الحقيقة، يجب الانشغال بمضوع أخر أهم بدل الانشغال بعمل المرأة من عدمه، ألا وهو التربية وأشدد دائما على التربية لأنها اللبنة الأساسية في كل شيء. يجب تأهيل أي امرأة مقبلة على الأمومة سواء ربات البيوت أو العاملات، لأنه ليس شرطا أن تكون ربة البيت أما جيدة وليس شرطا أن تكون العاملة أما سيئة، بل الموضوع مرتبط بمدى وعييها ونضجها وتحملها لمسؤولياتها كأم ومربية ومنشئة لأجيال المستقبل.
 
في نظري أن لكل هاتين الوجهتين المتعارضتين إيجابيات وسلبيات، فربة البيت تمنح لأبنائها وقت رعاية أكبر وتفرغ تام، في حين أن وقت الأم العاملة أقل وتفرغها ضعيف مقارنة بنظيرتها، لكنها متفوقة باستقلاليتها وقدرتها على حماية نفسها وأطفالها، وقادرة على مواجهة عقبات الحياة في حالة حصولها. إن مجتمعنا الآن بحاجة إلى نساء أكثر قوة واستقلالية وقادرات على المواجهة واتخاذ القرارات، إلى نساء قادرات على تحقيق دور الأمومة والمساهمة في صناعة المجتمع أفضل على حد سواء.

 

أظن أن مشكل عمل المرأة هو فقط مشكل مفتعل ونتيجة لتصورات نمطية مفروضة على دور المرأة في الحياة، إذ أن حصر أدوار المرأة فقط في مراعاة شؤون المنزل والزوج والأبناء أو ربط عملها بالعقد النفسية التي يمكن أن تصيب الطفل والفراغ الذي يحس به جراء بعد أمه عنه طوال الوقت ما هي إلا أفكار أوهمنا بها أنفسنا لتبرير فشل مشروع أمومة ما. صحيح أننا دائما نسمع أن المرأة العاملة ترمي بأولادها في الحضانة أو في حضن المربيات في المنزل وبالتالي ينشأ أطفالها بعيدين عنها ومفتقدين لحنانها ووقتها، لكن هذا الشيء ليسا صحيحا دائما، فكم من أم عاملة كرست حياتها وجهدها لعملها وأبنائها وزوجها على حد سواء، وربت وأنشأت خيرة الشباب والشابات، فهل يا ترى أي فشل حاصل في تحقيق أمومة ناجحة سنربطه بالعمل وحده؟ لا أظن، فالأم الحنونة الناضجة والمعطاءة ستستطيع تحسيس أبنائها بحبها وحنانها في أوقات فراغها وستعرف كيف تجعل المسافة بينها وبين أبنائها أقرب وذلك بالتربية السليمة وبتخصيص الوقت لمشاركتهم أنشطتهم ولو كان الوقت أقل والله اعلم.