عشرة أسباب تجعل النظام السوري عاجزاً عن الحسم العسكري!

مدونات - الجيش الحر سوريا عفرين علم الثورة

في كل نقاش عقيم أقحم نفسي به مع رفاقي اليائسين يخرجونني من بينهم بخفي حنين ولا أكسب من ذلك النقاش أكثر من ارتفاع في ضغط الدم واحتراق في الأعصاب وبحة في الصوت وكأن لأصحابي قراراً مسبق الصنع تم حشره على مر الأيام عبر حرب إعلامية منظمة تنفذها أدوات مختصة بغسيل أفكار البسطاء وأخرى حمقاء لا تقوى على التمييز بين ما هو في صالحها وما هو في صالح عدوها. هذا القرار المؤلم بالنسبة لهم يقر أن لا انتصار ينتظر الثورة في الأفق ومصير آخر معاقلها في الشمال سيكون كمصير الموصل في الدمار والهلاك.

 

وكوني قد مللت تكرار ما أؤمن به عن حتمية انتصار الثورة ولو بعد حين فقد آليت على نفسي هذه المرة أن أغير من منهجيتي في إقناع أًصدقائي اليائسين وأن أسير في عكس التيار عبر نقض فرضيتهم بدلاً من الانهماك في إثبات غيرها. وسأضمن في هذه المدونة عشرة أسبابٍ تدل أن النظام لن يكون قادراً على الحسم العسكري ولن يستطيع أحد أن يدعمه ليحقق ذلك، وهذا لا يعني بحال أن الأسباب مقتصرة على ما سأذكر لاحقاً أو أن مقومات انتصار الثورة ترتبط فقط بنقض فرضية هزيمتها لكن سلكت هذا الطريق في الطرح لضرورة الحال. ولضيق المقام سأكتفي بذاك القدر من المقال:

 
أولاً: ترك جزء من المخاطر للانشغال بمواجهتها أو بمعنى آخر ترك الباب مفتوحاً من أجل الهروب من الأزمات: من منا لا يعرف مسرحية بياع الخواتم التي كتبها الرحابنة في ستينيات القرن الماضي والتي تعكس واقع الأنظمة العربية وغيرها من الأنظمة المخادعة التي تطيل في عمر حكمها عبر التهديد الدائم بالعدو المتربص بحقوق الرعية مثل شخصية راجح في المسرحية الذي تشكل مواجهته المادة الأساسية لبطولات وأمجاد مختار الضيعة والأنظمة الاستبدادية الشبيهة بالمختار وبنفس الوقت تصبح مواجهة ذلك العدو أنجى فسحة يهرب إليها المختار من مشاكل قريته الداخلية.
  

بقاء مناطق خارج سيطرة النظام سيترك له باباً مفتوحاً للمساومة مع كل القوى ويجعل من الحرب وهلاك العباد ودمار البلاد سلعة يقايض بها إلى أطول عمر ممكن من أجل الوصول إلى مكاسب دبلوماسية

1- وكذلك الحال فإن وجود مناطق كاملة خارج سيطرة النظام يجتمع فيها خصوم النظام سيعطي للنظام ذريعة مقنعة لبقايا الشعب السوري الخانع تحت حكمه من أجل تأجيل كل القضايا الداخلية كون الحرب لم تنته والخطر لم يزل قائماً في الشمال والشرق وأقصى الجنوب وسيجعل في نفس الوقت أي محاولة داخلية من أجل المطالبة بالإصلاحات والتغييرات السياسية ودعوات المصالحة وإيقاف التجاوزات شكل من أشكال الخيانة العظمى التي لن يتسامح معها. وإن أي سيطرة كاملة على الجغرافيا السورية سيفتح على النظام أبواب جهنم في أسوء ظروفه السياسية والاقتصادية. والأمر لا يقف عند حد المطالبة بالخدمات المنقرضة منذ أول عام لاندلاع الثورة وبعض المكاسب السياسية بل الأشد وطأة عليه هو بدأ المطالبة بالكشف عن مصير مئات آلاف العلويين وغيرهم الذين قتلوا في المواجهات مع المعارضة ولعل له عظة في التجربة القاسية التي مر بها بعد تمكنه من السيطرة على دوما حيث تفجرت المظاهرات التي يقودها علويون بارزون سئموا من أكاذيب النظام وطالبوا بالكشف عن مصير أبنائهم ولن تنتهي مصيبته عند حدود أهالي المرتزقة السوريين بل ستشمل لبنان والعراق إيران وكل دولة أنتجت وصدرت تلك السلعة الرخصية وسيكون الأمر بمثابة كابوس ليلي يجعل الهدوء والاستقرار لتلك الدول ضرباً من المستحيل.

2- ليس لتلك الأسباب فحسب لن يستطيع النظام السيطرة على كل المحرر إذا أن النظام بحجة مواجهة التطرف ومواجهة القوى السنية وحلفاء الأمريكان كما يزعم يحصل على مساعدات مالية كبيرة وكأن ماسورة المساعدات الاقتصادية والقطع الأجنبية انكسر قفلها وهي لا تزال تغدق عليه بكل سخاء بعد أن حول الدولة لاستثمار مفتوح ومزاد علني لكل من أراد أن يدفع المال من أجل تسوية ملفاته وتصفية حساباته الطائفية والسياسية. فحسب موقع الـ BBC في مقال للكاتب علي قديمي فإن الإنفاق الإيراني وحده يقدر بحوالي 36 مليار دولار منها خمسة مليارات و870 مليون دولار قدمت في إطار خطوط الائتمان حتى عام 2015 فقط ويرجع الكاتب ذلك لتقديرات البنك الدولي. والنظام يعلم أن أي تسوية سوف تجعل لعاب أولئك المستثمرين يفرط في سيلانه لاسترداد الديون تحت وقع الطمع والعوز والتدهور الاقتصادي والضغوط الداخلية الشعبية لدول تمويل التشبيح في سورية. ولا يتجرأ النظام حتى على التفكير بعائدات النفط المسيطر عليه أمريكياً أو ميناء طرطوس المسيطر عليه روسياً ولا التجارة المسيطر عليها إيرانياً ليكون قادراً على دفع الفواتير وتسديد الديون. وكأن هذا السخاء من قبل حلفاء النظام سيتحول يوماً إلى حبل مشنقة تلتف حول عنق الاقتصاد المنهار أصلاً. 

  

راتكو ميلاديتش - مجرم حرب بوسني صربي (رويترز)
راتكو ميلاديتش – مجرم حرب بوسني صربي (رويترز)

 

3- والنظام بكل مجرميه وإرهابييه يدركون تماماً درس ميلاديتش الذي لقي مصيره الأسود بعد أنهى مهمته الموكلة إليه بارتكاب المجاز وجرائم الحرب ضد مسلمي البوسنة. إن أكثر ما يخشاه أولئك القتلة أن تبدأ الملاحقات القانونية الدولية تخنقهم وتقضي عليهم كبش فداء تلو الآخر بمجرد انتهاء دورهم الحالي. وهمهم أن يظل بهم حاجة للاستعمال من أجل مواجهة قوى التطرف والتمرد كما تسمى لديهم نيابة عن الإنسانية فلا يزال النظام يسوق أنه الحامي للمنطقة وأوروبا التي مسحها سابقاً من الخارطة وأميركا شيطان العالم من خطر التطرف.

4- إن بقاء مناطق خارج سيطرة النظام سيترك له باباً مفتوحاً للمساومة مع كل القوى ويجعل من الحرب وهلاك العباد ودمار البلاد سلعة يقايض بها إلى أطول عمر ممكن من أجل الوصول إلى مكاسب دبلوماسية تعيد له البعض من الكثير الذي خسره منذ عام 2011 ولعل المفاوضات السياسية بالنسبة له تنطلق إذا تمكن من إبقاء ورقة الملف العسكري بيده. حاله في هذا حال بعض كفار قريش الذين خرجوا يعذبوا عبيدهم الأبرياء على الملأ طمعاً بأبي بكر ما يشتري منهم حياة المظلومين.
 
في نهاية هذا الجزء من المدونة فإن ما ذكرت هو غيض من فيض أجزم مستدلاً به استحالة قدرة النظام على حسم أمر الشمال المحرر على أقل تقدير لأسباب خارجية وداخلية معقدة. ولإنْ كان انحسار الثورة إلى بقعة واحدة يعتبر تراجعاً عسكرياً كبيراً إلا أن النظام رغم تحقيقه لذلك التوسع الكبير على الأرض إنما كان يؤجل القضية أكثر من كونه يحلها ويجمعها أكثر من كونها يهزمها.